“الإدارة التربوية المغربية” بين تدبير التغيير، وتدبير الأزمات.
هذه المداخلة قدمت في المؤتمر الدولي التاسع لتدبير الجودة في أنظمة التربية والتكوين؛ المنعقد بكلية طب الأسنان بالدار البيضاء، أيام 11 و12 و13 دجنبر 2012. وقد تم نشرها في الدورية التي تصدرها “أماكن” (AMAQUEN) المسماة: (( THE JOURNAL OF QUALITY IN EDUCATION N.3, NOVEMBER 2012))
ملخص المداخلة:
تهدف هذه الورقة البحثية إلى كشف ورصد الكيفية التي يتم بها تدبير التغيير بمنظومتنا التربوية. وإن كان “تدبير التغيير” أصبح في عصرنا الحاضر حقلا خصبا، تتناوله بالدرس والتحليل جل العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ فإن القائمين على المنظومة التربوية المغربية، قد شعروا بأهمية “تدبير التغيير” للخروج من الأزمة المستفحلة التي عانت وتعاني منها هذه المنظومة، منذ عقود مضت؛ مما نتج عنه صدور سلسلة من الإصلاحات، كان آخرها الإصلاح الذي يؤطره الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والمخطط الاستعجالي (2009/2012) الذي أشار في مقدمته إلى ضرورة ((وضع أرضية لتدبير التغيير والتواصل من شأنها ضمان انخراط الجميع، وكذا بث روح التغيير في كل مستويات المنظومة…)).
إلا أن توالي هذه الإصلاحات الهادفة إلى تحسين جودة التعليم، وتجاوز أزماته؛ لم يكلل دوما بالنجاح، رغم الإمكانيات المادية الكبيرة التي ترصد له، كما هو حال المخطط الاستعجالي الأخير الذي لم يحقق أغلب ما كان يصبو له بشهادة وزارة التربية الوطنية نفسها… مما يدعونا إلى التساؤل عن مكمن الخلل في هذه الإصلاحات؟ هل يعود سبب هذا الفشل إلى الإصلاحات نفسها، من حيث بنائها؟ أم أن الخلل راجع إلى كيفية تدبير هذه الإصلاحات وعدم ملاءمتها مع حاجيات منظومتنا التربوية على كافة المستويات السوسيوثقافية واللوجيستيكية والتنظيمية؟
وبعد تحليل كل هذه الجوانب، اعتمادا على نتائج دراسة ميدانية قمنا بها سابقا حول التدبير الإداري للتغيير بالمؤسسات التربوية العمومية ، تبين لنا أن الخلل الناتج عن سوء تدبير الإصلاحات المتوالية على المنظومة التربوية المغربية، جعلها تنغمس في تدبير الأزمات، ـ التي ساهم سوء التدبير في تفاقمها ـ مما أدى بها إلى الدوران في حلقة مفرغة، أزمة يليها إصلاح، وإصلاح تنتج عنه تعثرات ويتطلب مراجعات، مما يستدعي إصلاحا جديدا لنعود إلى نقطة الصفر باستمرار، في الوقت الذي نضيع فيه فرصا ثمينة للإقلاع، لأننا لم نُحسن تدبير التغيير المنشود وفق ما يتطلبه من قواعد وإجراءات وتدابير أصبحت “علما” قائما بذاته في المجتمعات التي سبقتنا في تطوير منظوماتها التربوية بمواكبتها لأحدث التطورات في هذا المجال… وبذلك تنشغل منظومتنا التربوية بتدبير الأزمات بدل تدبير التغيير.
الكلمات المفاتيح (Les mots clés):
تدبير التغيير ـ مقاومة التغيير ـ استراتيجية التغيير ـ الإدارة التربوية ـ القيادة التربوية ـ الجودة ـ الإصلاح ـ تدبير الأزمة ـ
تدبير التغيير:
وتجدر الإشارة إلى أن تدبير ومعالجة التغيرات، لم يعد موضوعاً اختياريا نخوضه بدافع الترف الفكري أو المتعة المجانية؛ بل أصبح ضرورة ملحة يفرضها علينا هذا السيل الجارف من التحولات والتغيرات التي يعرفها بلدنا والعالم بأسره خلال العقود الأخيرة، حيث لا يمكننا تفادي هذا التغيير في مدارسنا، كما لا يمكننا تفاديه خارجها، فمؤسساتنا اليوم تشتغل في وسط مختلف جدا عن الوسط الذي وُجد منذ عقود. إنها في مواجهة مشاكل اجتماعية أكثر خطورة، وننتظر منها أن تلعب أدوارا مهمة على المستوى الاجتماعي، وأن تُعين الناشئة على تنمية وتطوير كفايات ضرورية للبقاء والاستمرارية والازدهار، في عالم سريع التطور. فمع انتقال العالم من عصر الآلة إلى عصر المعلومات والعولمة، ودخوله مرحلة التغيرات السريعة، أصبحت الأنظمة التربوية مضطرة لمراجعة طرق وآليات اشتغالها، وفلسفتها وبرامجها من أجل التكيف مع البيئة الجديدة. وتأتي الإدارة التربوية في مقدمة العناصر التنظيمية التي يجب أن يشملها التغيير الذي تفرضه التحديات البيئية المشار إليها. ذلك لأن تنفيذ برامج الإصلاح والتغيير يتطلب البدء بإرساء آلية للتحكم في عملية التغيير وقيادتها وتوجيهها.
فأزمة منظومتنا التربوية – ككل الأنظمة المماثلة لها- تُقاس بمدى تخلفها عن مواكبة المستجدات الجارية. ولا أحد يستطيع أن ينكر بهذا الصدد أن نظامنا التربوي يعرف قصورا ملموسا في مواكبة هذه التطورات الحديثة، وعجزا متزايدا على تلبية الحاجات الجديدة التي تفرضها العولمة، من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يحملها معه القرن الواحد والعشرين. ولعل أكبر رهان لكسب هذه التحديات، يتمثل في تملك رأسمال معرفي، وموارد بشرية مؤهلة ومتخصصة وذات كفاءة وقدرة عالية على الإنتاج والإبداع والابتكار والمنافسة، واستثمار هذا الرأسمال المعرفي والبشري في النهضة والتنمية والديموقراطية.
وقد أكدت دراسات عديدة أن المؤسسات التربوية في عصرنا الحالي، يجب أن تحذو حذو المقاولات، على مستوى تطوير قدراتها التنافسية، بالرفع من قيمة وجودة منتوجاتها لتجد لها مكانا في هذا العالم الذي لا يرحم الضعيف والمتهاون والثابت في مكانه. <<ويبدو من البديهي أن المنظمات التي اعتادت على بيئة تقليدية ونمطية؛ لا تتكيف بسهولة مع بيئة أخرى متغيرة>> . ولعل هذا ما دعا إلى ضرورة تحويل المؤسسات التربوية إلى <<منظمات للمعرفة الدينامية>>، غير مكتفية بما لديها من إمكانات، وقادرة على التعلم ودعم التغيير، بدل ركونها إلى النمطية وإعادة إنتاج أساليب و”منتوجات” لم تعد ملائمة لمستجدات العصر، وتكريس النزعة المؤسساتية التي تُوَلِّد عند أعضائها – حسب هافلوك وهوبرمان(Havelock et Huberman)- مقاومة سيكو/اجتماعية، تتجلى في <<التقليد المفرط، والسلوك القدري، وروح التبعية.>>
ولا شك أن مهام تدبير التغيير في المؤسسات التربوية، أصعب بكثير من تدبيره في مصنع أو مقاولة. فالمؤسسة التعليمية جزء لا يتجزأ من منظومة تربوية، هدفها هو تربية الأطفال. والمدبرون أو قادة هذا التغيير، في خضم هذه المنظومة، لهم مهمة صعبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة إنْ هي قامت على أسس علمية ووُفرت لها الشروط الضرورية لنجاحها.
ولعل نظرة متفحصة لحجم الإصلاحات الموضوعة على عاتق المؤسسات التربوية عموما، وإداراتها التربوية على وجه الخصوص؛ كفيلة بأن تجعلنا نقدر حجم المسؤولية الكبير الملقى عليها لتدبير هذا التغيير بنجاح. إذ لم تعد مهمة الإدارة التربوية مقتصرة على القيام بالتسيير الإداري المحض لشؤون المؤسسة، بل الأهم من ذلك القيام بما يلي:
العناية بالمؤسسات من كل الجوانب ؛
الاهتمام بمشاكل المتعلمين وبمشاكل المدرسين وتفهمها والعمل على إيجاد الحلول الممكنة لها؛
تتبع أداء الجميع وتقويمه ؛
الحوار والتشاور مع المدرسين والآباء والأمهات وأولياء التلاميذ وشركاء مؤسسات التربية والتعليم؛
التدبير الشفاف والفعال لموارد المدرسة بإشراك فعلي ومنتظم لهيئات التدبير على صعيد المؤسسة التعليمية، وعلى رأسها مجلس التدبير.
إن الاضطلاع بهذه المسؤوليات والإيفاء بهذه الواجبات يتطلب من الإدارة التربوية توثيق التواصل والتعاون والشراكة مع مختلف شركائها المبينين في الشكل التالي :
رسم 1 : يوضح علاقات الإدارة التربوية بمختلف شركائها

و”في ظل التحولات التي يعرفها نظام التربية، فقد أصبح من الأسبقيات تأهل الإدارة التربوية للاضطلاع بمهام حيوية ومصيرية في تمتين المكتسبات المحققة واستكمال الإصلاح، ومن أهم هذه المهام الحيوية:
ترسيخ ثقافة أداء الواجب والمطالبة بالحقوق ؛
محاربة كافة أشكال عدم الانضباط والتسيب والإخلال بالواجب؛
الارتقاء بأوضاع المؤسسة التعليمية إلى مستويات تكفل شروط التعليم الجيد ؛
التدبير الأمثل للوسائل الموضوعة رهن إشارة المؤسسة المادية منها والبشرية والمالية ؛
الحيلولة دون مختلف أشكال التبذير في الزمن وفي استغلال الحجرات والتجهيزات وفي استهلاك الماء والكهرباء ؛
إعداد وإعمال بنيات تربوية ذات مردودية مثلى ؛
المساهمة الفعلية في الحد من الهذر المدرسي بكافة أشكاله وخصوصا الانقطاع عن الدراسة والعمل على أن يكون الفصل عن الدراسة أمرا استثنائيا؛
إعمال كافة التدابير والوسائل للحيلولة دون إحجام المتمدرسين عن إعادة تسجيلهم ومتابعة دراستهم بمختلف مستويات الأسلاك التعليمية.
الإسهام في جعل المؤسسة فضاء للإبداع والتنافس لدعم تنشئة التلاميذ وترسيخ قيم المواطنة لديهم كذخيرة للتعامل داخل المؤسسة التعليمية وخارجها. ”
ولتغيير وتطوير وإصلاح منظومتنا التربوية عموما، والإدارة التربوية على وجه الخصوص،- بالإضافة للدوافع السالفة الذكر- ضرورات وطنية أيضا، مستمدة من السياق العام للتوجه الوطني الإنمائي والحكامي، القاضي “بإرساء أوراش هامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتفعيل الآليات الكفيلة بإرساء حكامة رشيدة من أجل تمتين قواعد مغرب قوي حداثي وديمقراطي. وتتجسد هذه الأوراش في أهم البرامج والمبادرات التالية:
– دعم المسار الديمقراطي وتوسيع مجالات حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية وترسيخ قيم المواطنة ومحاربة مظاهر الفساد والإخلال بقواعد احترام دولة الحق والقانون؛
– تعزيز آليات اللامركزية واللاتركيز سعيا لإرساء سياسة القرب في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وممارسة الديمقراطية المحلية والجهوية؛
– ترجمة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى برامج ومشاريع تنموية يتم الحرص الأكيد على إنجازها؛
– اعتماد النهج التشاركي الإنمائي بين مختلف فعاليات المجتمع المغربي وتعزيز التعاون المثمر مع كافة المتدخلين في إطار التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف الدولي؛…”
مقاومة التغيير:
وإذا كانت عملية التغيير في المنظومة التربوية عموما، وبالمؤسسات التربوية على الخصوص، ضرورة تمليها التغيرات العالمية والعلمية والوطنية المشار إليها سابقا؛ فإن الإقدام عليها لا بد وأن يواجه مقاومة لا يجب الاستهانة بها، دأب المختصون في هذا المجال على تسميتها ب<<مقاومة التغيير La résistance au changement>>، وهي ظاهرة طبيعية مرافقة لأي تغيير وفي كل المجالات.
وتخفّ حدة هذه المقاومة كلما كان التغيير شكليا أو جزئيا لا يمسّ سوى عناصر تقنية وتنظيمية، بينما تزداد ضراوة مقاومة التغيير حينما يغوص إلى أعماق المنظمة، ويحاول إعادة هيكلتها، و<< لكن التغيير الأكثر أهمية، والذي يُواجه عراقيل أكثر؛ هو تغيير العقلية mentalité>>
فإلى أي حد نجح القائمون على المنظومة التربوية المغربية، من إداريين مركزيين وجهويين ومحليين في تدبير التغيير المقترح في الإصلاحات الأخيرة، وهل فعلا استفادوا مما راكمته الأبحاث العلمية والتجارب الميدانية في هذا المجال لدى الدول التي سبقتنا في خوض غماره بنجاح؟
وإن كانت هناك مقاومة للتغيير ـ وهي أمر طبيعي لدى كافة المجتمعات ـ كيف عملوا على احتوائها، وتحويلها إلى طاقة إيجابية تساهم بقوتها النقدية في ترسيخ الإصلاحات الجارية وبنائها على أسس متينة؟
أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تدبير روتيني يعتمد على التسيير الإداري المبني على تنفيذ الأوامر الصادرة من أعلى، والمتشبثة بالمساطر القانونية مهما كانت معقدة، ودون الاكتراث لردود الفعل السلبية الصادرة عن قاعدة الفاعلين المعنيين بهذه الإصلاحات بشكل مباشر؟
وقد أسفرت نتائج فحص فرضيات بحث ميداني أجريناه حول “التدبير الإداري للتغيير بالمؤسسات التربوية” ، انطلاقا من عينة من المديرين مثلت ثلث مديرات ومديري المؤسسات التربوية العمومية بجهة طنجة/تطوان، أسفرت عما يلي:
الفرضية الأولى: << تختلف طبيعة التدبير الإداري من مؤسسة لأخرى، تبعا لاختلاف محيطها السوسيواقتصادي ومدى قربها أو بُعدها من الوسط الحضري.>> ولتأكيد صحة هذه الفرضية قارناّ نتائج المعطيات المستخرجة من الاستبيانات الموزعة على 211 مديرة ومدير، بالمؤسسات المنتمية للوسط الحضري بعينة البحث، بمثيلاتها: المؤسسات المنتمية للوسط القروي بنفس العينة، فتوصلنا للنتائج الآتية:
رغم قلة أو ضعف التجهيزات بكافة مؤسسات العينة، إلا أن تلك المنتمية للوسط القروي تعاني أكثر من مثيلاتها الحضرية من هذه المشكلة؛ فإذا كانت 30,9% من مؤسسات الوسط الحضري بعينة البحث ذات تجهيزات أساسية إما منعدمة أو ضعيفة، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 72,8% بمؤسسات الوسط القروي بعينة البحث.
معاناة مديري المؤسسات التربوية بالوسط القروي من ضعف البنيات التحتية ووُعورة المسالك الطرقية وصعوبة المواصلات، مما يخلق مشاكل كثيرة على مستوى تواصلهم مع المصالح الإدارية بنياباتهم الإقليمية، وضعف – إن لم نقل انعدام- زيارة أطر المراقبة التربوية (المفتشون) لمؤسساتهم.
تشتت السكان بالبادية، دفع إلى إنشاء مجموعات مدارس متفرقة يديرها مدير واحد بالمستوى الابتدائي، وقد مثلت هذه المجموعات المدرسية 49,7% من مجموع مؤسسات العينة بالابتدائي، ويقع أغلبها بالوسط القروي، ويتراوح عدد مدارس كل مجموعة منها بين مدرستين وثمانية مدارس، ويدير كل مجموعة منها مدير واحد؛ كما تتراوح المسافة الفاصلة بين المدرسة المركزية التي يتواجد بها المدير، وأبعد مدرسة فرعية بالمجموعة؛ بين بضعة كيلومترات وخمسين كيلومترا. مما يوضح بجلاء الصعوبات الجمة التي يتكبدها مديرو هذه المجموعات المدرسية في إدارة هذه المؤسسات المتباعدة، وسط تضاريس جغرافية وعرة.
تبين أيضا من نتائج تحليل المعطيات المتضمنة في الاستمارات، أن المؤسسات التربوية بالوسط القروي تعاني من عدم استقرار أطرها الإدارية والتربوية، بسبب الصعوبات المشار إليها أعلاه؛ فإذا كان متوسط سنوات الخبرة لدى كافة مديري العينة في العمل الإداري هو 6,12 سنوات، فإن هذه النسبة تنخفض لدى مديري الوسط القروي بالعينة لتصل إلى 3,4 سنوات فقط، في حين تصل بالوسط الحضري إلى 8,3 سنوات. فمعظم مديري المؤسسات التربوية بالبادية يتحينون الفرص للانتقال للوسط الحضري، لما يُوفره لهم من ظروف عمل ومرافق اجتماعية تفتقر إليها البادية المغربية، وهذا ما ينعكس سلبا على جودة التدبير الإداري للمؤسسات التربوية بالبادية المغربية .
كما تبين لنا أن درجة مقاومة التغيير بمؤسسات الوسط الحضري بعينة البحث، سجل نسبة (1,91)، – مع التذكير بأن متوسط معدل هذه المقاومة يتمثل في الرقم اثنان 2- وهي أقل حدّة من مثيلاتها بالوسط القروي (2,13)، وذلك بسبب النقص الملحوظ في التجهيزات، وصعوبة ظروف العمل بأغلب المؤسسات الواقعة في الوسط القروي، مقارنة بمثيلاتها بالوسط الحضري؛ فمن نتائج التحليل الإحصائي لاستبيانات عينة البحث، وُجود علاقة ارتباط عكسية بين المتغيرين: (متوسط تجهيزات المؤسسات)، و(متوسط مقاومة التغيير)، إذْ كلما ارتفع متوسط المتغير الأول، انخفض متوسط المتغير الثاني، والعكس صحيح؛ حيث بلغت قيمة معامل الارتباط في هذه الحالة: (-0,21)، وهي تعتبر دالة عند مستوى (P<0,01).
الفرضية الثانية: << يرتفع مستوى الرضا عن العمل لدى المديرين كلما توفرت لديهم شروط مادية أفضل، كتجهيزات المؤسسات، وتواجد المؤسسة قرب المرافق الاجتماعية الحيوية…الخ >> وقد تبين من مقارنة درجات الرضا العام لمديري العينة بمختلف مستوياتهم، تجاه كل جوانب عملهم؛ أنها تتموقع في مستوى متوسط، كما أن مستوى الرضا عن العمل ينخفض – لدى كل فئة من هذه الفئات- كلما تدنى مستوى ظروف عمل المدير، وقلّت أو انعدمت إمكانيات المؤسسة التي يُديرها؛ حيث سجلت نسبة 32,5% من مؤسسات التعليم الابتدائي درجة الرضا والارتياح الضعيفة (نقطة1)، بينما لم تُسجل هذه الدرجة أي مؤسسة إعدادية أو ثانوية تأهيلية بعينة البحث؛ أما درجة الرضا عن العمل المتوسطة (نقطتان2) فقد سُجلت في 64,5% من مؤسسات الابتدائي بعينة البحث، و88,5% من مؤسسات الثانوي الإعدادي، و100% من مؤسسات التعليم الثانوي التأهيلي؛ كما تبين لنا أيضا، أن مستوى الرضا عن العمل ينحدر كلما انتقلنا من الوسط الحضري إلى الوسط القروي.
الفرضية الثالثة: << توجد علاقة بين مستوى الرضا عن العمل لدى المديرين ودرجة التعاون والدعم الذيْنِ يلقيانه من رؤسائهم (بالنيابات والأكاديميات ومصالح الوزارة)، ومرؤوسيهم (الأطر الإدارية والتربوية العاملة معهم). >>
بخصوص الشق الأول المتعلق بمستوى الدعم الذي يلقاه مديرو العينة من رؤسائهم، توصلنا للنتائج الآتية:
هناك علاقة ترابط بين المتغيرين؛ كلما ارتفع مستوى رضا المديرين عن التعاون والدعم الذي يلقونه من رؤسائهم بالنيابات والأكاديمية ومصالح الوزارة؛ كلما ارتفع مستوى رضاهم عن عملهم، والعكس صحيح أيضا؛ كلما تدنى مستوى هذا التعاون والدعم، إلا وقلّ مستوى رضاهم عن عملهم.
ونظرا للعلاقة التي تربط الجهاز الإداري بالأكاديميات والنيابات بأطر المراقبة التربوية (المفتشون)، بالنسبة لكافة مستويات التعليم؛ وبمفتشي ومستشاري التوجيه والتخطيط التربوي بالمؤسسات الثانوية بشقيها الإعدادي والتأهيلي؛ وبسبب أهمية دور المفتشين ومستشاري التوجيه والتخطيط في توجيه وتأطير ومراقبة الأداء التربوي والإداري للمؤسسات التربوية؛ حاولنا قياس درجة رضا المديرين تجاه أدوارهم بمؤسساتهم، ومدى تعاونهم معهم، فتوصلنا إلى أن أدنى درجات الرضا والارتياح لدى مديري العينة سُجلت بخصوص تعاون المفتشين معهم (1,55) ويليها درجة ارتياحهم من تعاون مستشاري التوجيه والتخطيط معهم (1,86)، وقد استنتجنا من ذلك أن ضعف مستوى ارتياح مديري العينة عموما من أداء المفتشين، يعكس الأزمة التي تعيشها منظومتنا التربوية على مستوى المراقبة والإشراف التربويين؛ وهي أزمة تتفاقم كلما اتسعت قاعدة المؤسسات وأصبحت أكثر انتشارا على المستوى الجغرافي، لتشمل المناطق النائية في الوسط القروي… كما سجلنا أيضا تدني مستوى ارتياح مديري الثانويات الإعدادية والتأهيلية بخصوص دور مستشاري التوجيه والتخطيط التربوي بمؤسساتهم، وذلك بسبب ضعف وعدم انتظام أنشطتهم في جل المؤسسات، وغيابهم الكلي في بعضها.
وقد تبين لنا في هذا السياق، أن درجة ارتياح مديري العينة من أساليب تعامل وتواصل مصالح الأكاديمية والنيابة الإقليمية، وكذلك المفتشون ومستشارو التوجيه والتخطيط معهم، تزداد انخفاضا كلما انتقلنا من المستوى الأعلى (الثانوي) إلى المستوى الأدنى (الابتدائي)، كما لوحظ نفس الانخفاض كلما انتقلنا من الوسط الحضري إلى الوسط القروي؛ وهي خلاصة منسجمة مع مضمون الفرضية الثانية.
وبخصوص الشق الثاني من الفرضية الثالثة؛ تأكدنا من وجود علاقة ترابط بين مستوى الرضا عن العمل لدى المديرين، ودرجة تعاون الأطر التربوية والإدارية – التي يرأسونها بمؤسساتهم – معهم؛ فكلما ارتفع مستوى الانسجام والتعاون بين هذه الأطر العاملة بالمؤسسة إلا وارتفع بالمقابل مستوى الرضا العام عن العمل لدى رؤسائهم؛ فالمديرون الذين سجلوا أدنى مستوى لتعاون المدرسين معهم (متمثلا في الرقم1 الذي يمثل المستوى الضعيف)، كان مستوى رضاهم العام عن العمل هو 1,33، ومعدل مواقفهم من الإدارة والإصلاحات الجارية بالمنظومة التربوية: 1,47، ومعدل مقاومة التغيير بمؤسساتهم: 2,67؛ بينما المديرون الذين سجلوا أعلى مستوى لتعاون المدرسين معهم (متمثلة في الرقم3)، كان مستوى رضاهم العام عن العمل هو: 1,88، ومعدل مواقفهم من الإدارة والإصلاحات الجارية: 1,65، ومعدل مقاومة التغيير بمؤسساتهم: 1,93.
وبخصوص تعاون الأطر الإدارية مع رؤساء مؤسسات العينة، لم يُسجَّلْ نفس الانخفاض الملحوظ في تعاون المدرسين مع المديرين، حيث كان أدنى مستوى متمثلا في المعدل اثنان (2)، ولعل هذا راجع لكون غالبية الإداريين (من النظار والحراس العامين) يميلون إلى التعاون مع رؤسائهم بفعل طبيعة عملهم التي تجعلهم أكثر ارتباطا بهم، عكس المدرسين الذين يعتبرون أغلب أنشطتهم متمركزة داخل الفصل الدراسي مع تلامذتهم. ورغم هذه الملاحظة سجل المديرون الذين لديهم نسبة منخفضة في تعاون الإداريين معهم؛ سجلوا نسبة منخفضة في درجات رضاهم العام عن العمل وفي مواقفهم تجاه الإصلاحات الجارية بمنظومتنا التربوية، كما أن مؤسساتهم سجلت أعلى نسبة في مقاومة التغيير، وذلك عكس النسب المسجلة لدى المديرين الذين حقق تعاون الإداريين معهم نسبا عالية. كما لاحظنا أيضا أن غالبية المؤسسات التي سجلت ضعفا في تعاون الأطر التربوية مع مديريها تنتمي للوسط القروي بنسبة 75%.
الفرضية الرابعة: << توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين المديرين ذوي المواقف الإيجابية من الإصلاحات والتحديثات الجارية، والمديرين ذوي المواقف السلبية تجاهها، تُعزى إلى المتغيرات الشخصية (السن، الجنس، الخبرة السابقة في الإدارة، مستوى التكوين الإداري قبل استلام المهام الإدارية، الرضا العام عن العمل…الخ).>>
أهم ما استوقفنا، خلال البحث، بخصوص مواقف المديرين المستجوبين من الإصلاحات والتحديثات الجارية بمنظومتنا التربوية؛ هو انحصارها في مستوى متوسط، بحيث لم تصل إلى حدود متقدمة في الاتجاه الإيجابي، مما يعكس وُجود مشاكل يعاني منها مديرو المؤسسات التربوية، من جهة، ووجود نوع من التردد والتشكيك في قيم الإصلاح الجاري لدى فئة عريضة من مديري العينة، من جهة أخرى؛ ولعل هذا ما قلص من حدة الفروق بين المديرين بخصوص هذه المواقف، وهي فروق تُفسر أيضا بتأثير بعض المتغيرات الشخصية، نذكر منها:
عامل السن:
تبين من خلال تحليل المعطيات الإحصائية لعينة البحث، أن معدل مواقف المديرين من الإصلاحات الجارية، سجل 1,60 لدى فئة المستجوبين الذين تقل أعمارهم عن 41 سنة، وهو معدل يفوق المتوسط المحدد في 1,50 بالسلم المعتمد لقياس هذه المواقف؛ لكنه ينخفض لدى الفئة العمرية (مابين 41 سنة و 45 سنة) إلى معدل: 1,41 ، ليصعد ثانية بعد نهاية العقد الرابع إلى 1,76. ولعل ما يفسر هذا الاختلاف في مواقف المديرين من الإدارة والإصلاحات الجارية مقارنة بفئاتهم العمرية، هو تأثير عامل الحماس والاندفاع للعمل بجدية لدى المديرين الشباب ذوي العقد الثالث، يجعل مواقفهم بخصوص هذه الإصلاحات معتدلة إن لم تكن فوق المتوسط، لكن المشاكل المتعددة التي تعترضهم في حياتهم المهنية ، تجعل مواقفهم تلك تنحدر إلى أقل مستوى مع بدايات العقد الرابع من أعمارهم، لتبدأ في الارتفاع الطفيف ابتداءً من نهاية العقد الرابع تعبيرا عن نوع من الاستقرار المهني الذي يطبع حياة معظم المديرين في هذه المرحلة… وهذا ما أكدته دراسات سابقة أشرنا إليها في متن البحث.
ب – عامل الجنس:
لم يسجل التحليل الإحصائي بهذا الصدد أي اختلاف يذكر بين المديرين والمديرات بخصوص مواقفهم من الإدارة عموما والإصلاحات الجارية على وجه الخصوص؛ حيث كان معدل مواقفهم هذه متقارب جدا، حيث تمثل في: 1,63 للإناث و1,61 للذكور. ولعل ضعف تمثيلية الإناث التي لم تتجاوز ثمانية مديرات في كل مستويات عينة البحث، في مقابل 203 من المديرين الذكور، يعد من الأسباب التي تُضعف تأثير عامل الجنس في تبين الفروق بين المديرين والمديرات في تحديد مواقفهم من الإدارة والإصلاحات الجارية بالمنظومة التربوية؛ وهي نفس الأسباب، أيضا، التي تجعلنا لا نعول على مثل هذه المقارنة غير المتكافئة.
ج- عامل الخبرة السابقة في الإدارة:
ظلت مواقف المديرين من الإصلاحات الجارية متوسطة عموما، مع ارتفاع طفيف في معدلاتها، بحيث تزيد بضع أجزاء من المائة كلما ازدادت سنوات الخبرة الإدارية لدى أفراد عينة البحث كما يتضح من الجدول أدناه:
د- علاقة “مستوى التكوين الأساسي خلال السنة الأولى لاستلامهم المهام الإدارية”، بمواقف المديرين بالإصلاحات الجارية:
لوحظ من نتائج التحليل الإحصائي أن مواقف المديرين من الإدارة والإصلاحات الجارية تزداد إيجابية – ولو بوثيرة بطيئة- كلما ازداد مستوى رضاهم على مستوى التكوين الذي تلقوه خلال السنة الأولى لاستلامهم لمهامهم الإدارية؛ كما يتضح من الجدول الآتي:(مع الإشارة إلى أن الدرجة المتوسطة تساوي:1,50)
هـ – علاقة “مستوى الرضا العام للمديرين عن مختلف جوانب حياتهم المهنية”، بمواقفهم من الإصلاحات الجارية:
يلاحظ من تحليل المعطيات الإحصائية لعينة البحث، وجود ترابط بين مستوى الرضا والارتياح العام الذي يشعر به مديرو العينة ومدى إيجابية مواقفهم من الإدارة والإصلاحات الجارية؛ بحيث كلما ارتفع مستوى الأولى، إلا وارتفع معدل الثانية؛ فلدى مديري الابتدائي بعينة البحث، سجل معدل الموقف من الإصلاحات الجارية: 1,43 لدى ذوي الرضا العام الضعيف، بينما ارتفع إلى مستوى: 1,72 لدى ذوي الرضا العام المتوسط، وقفز إلى مستوى: 2,26 لدى ذوي الرضا الجيد. ونفس النتيجة نجدها لدى مديري التعليم الثانوي الإعدادي، حيث سجل معدل مواقفهم من الإصلاحات: 1,44 عند ذوي الرضا العام المتوسط، أما ذوو الرضا الجيد، فوصل معدل مواقفهم من الإصلاحات: 2,53، وهو مستوى جيد أيضا. ولم يستثنى مديرو الثانوي التأهيلي من هذه القاعدة إذ تميز معدل الرضا العام لديهم جميعا في مستوى متوسط، ومقابل ذلك كان معدل موقفهم من الإصلاحات الجارية متوسطا أيضا.
ويمكنني أن أخلص في هذه الورقة المركزة، إلى أن المنظومة التربوية المغربية، ظلت غارقة في “تدبير الأزمات” بدل “تدبير التغيير”، وذلك لعدة أسباب أجملها في ما يلي:
صعوبات مادية مرتبطة بضعف التجهيزات والبنيات التحتية بالمؤسسات التربوية العمومية؛
صعوبات تعود لأسباب هيكلية وتنظيمية مرتبطة بعلاقات المؤسسات التربوية بالأجهزة الإدارية الإقليمية والجهوية والمركزية، واستمرارية التعامل مع المديرين – في أغلب الحالات- بأسلوب بيروقراطي، يعتمد بالدرجة الأولى على تنفيذ الأوامر والمساطر الإدارية والمذكرات؛ في حين يُطالب المُديرون – من خلال تكويناتهم الأساسية والمستمرة والتوجيهات الواردة في كافة الإصلاحات الأخيرة- باتِّبَاعِ أسلوب التدبير التشاركي والديموقراطي المبني على التشاور وإشراك كافة الفاعلين بالمجتمع المدرسي في تدبير شؤون المؤسسة. ولعل هذا النوع من الصعوبات يُعدُّ من الأسباب التي تجعل الكثير من المديرين غير مقتنعين بعمق وجدية الكثير من التغييرات والإصلاحات الجارية بمنظومتنا – رغم أهميتها النظرية-، ما داموا لا يلمسون أثرها الإيجابي في تعامل رُؤسائهم معهم، مما يُؤدي بهم إلى رفضها ومقاومتها أحيانا، أو إفراغها من محتواها في أحسن الحالات، لتُصبح مجرّد شعارات للاستهلاك “الرسمي”، لا للتطبيق الواقعي والميداني…
ويدخل ضمن هذا النوع من الصعوبات؛ غموض بعض الأدوار، والتداخل الحاصل بين مهام المديرين داخل مؤسساتهم ومهام باقي الأطر الإدارية العاملة معهم، كالنظار والحراس العامين، بالنسبة للتعليم الثانوي بشقيه الإعدادي والثانوي، وغموض بعض أدوار مجالس المؤسسة الأربعة – بكافة المستويات التعليمية- وتداخل اختصاصاتها أحيانا، وعدم تفعيلها واقعيا في كثير من المؤسسات التربوية؛ بالإضافة للتراجع الكبير الملحوظ في أدوار جهاز المراقبة التربوية (المفتشون)، و”جهاز” التخطيط والتوجيه التربويين… كل هذه العوامل – التي يمكننا التوسع فيها لاحقا- تدفع بأغلب مديري المؤسسات التعليمية إلى الاضطرار إلى ممارسة تسيير إداري تقليدي، غارق في السعي المستمر لحل المشاكل والأزمات التي تخلقها الاختلالات المشار إليها أعلاه، فيحُلُّ تدبير الأزمات والمشاكل الإدارية الروتينية واليومية، بدل تدبير التغيير الذي ينشد الرقي بمؤسساتنا إلى مستوى يجعلها قادرة على مواجهة مختلف التحديات التي يشهدها عصرنا.
ج- صعوبات ثقافية مرتبطة بالعقليات، ومتجذرة في شعور ولاشعور أغلب الفاعلين بمنظومتنا التربوية، وتتمثل في رفض جل التغييرات والإصلاحات التي لا تنسجم مع نمط العلاقات والمهام التقليدية التي ألفها هؤلاء الفاعلون … ومما يزكي التشبث بهذه النمطية الجامدة؛ عاملان أساسيان: الأول يتمثل في فشل إصلاحات سابقة للمنظومة التربوية، في وقت تزداد فيه أزمة التعليم استفحالا، مما أدى إلى التشكيك في نجاعة جلّ الإصلاحات التي تقترحها سلطات التربية والتكوين، خاصة وأن قضايا التعليم ببلادنا لم تسلم من التوظيف السياسي من قبل كافة القوى السياسية ببلادنا… والعامل الثاني يتمثل في الكيفية التي يتم بها تدبير الإصلاحات بالاعتماد على أساليب إدارية تقليدية، وبواسطة أجهزة إدارية لم تتلقى تكوينا وتدريبا يؤهلانها لتدبير التغيير المنشود… ولعل أخطر مظهر من مظاهر تجذُّرِ هذا النوع من الصعوبات الثقافية لدى مديري مؤسساتنا ورُؤسائهم ومرؤوسيهم، يتمثل في سيادة نوع من الخطاب المُعبِّر عما يُشبه ازدواجية في الشخصية؛ ظاهره الرحمة وباطنه العذاب؛ يتحدث – في المناسبات الرسمية- عن التدبير التشاركي والديموقراطي والتشاوري والشفاف…، لكنه يُمارس نقيض هذه الشعارات، حينما يتعلق الأمر بتعامل الرئيس مع مرؤوسيه!.
ولعل أهم خلاصة عامة ومركزة، يمكننا استنتاجها من هذه الورقة، هو أن تدبير عملية التغيير بمؤسساتنا التربوية بكافة مستوياتها؛ عملية معقدة جدا، تتداخل فيها عوامل عديدة؛ سياسية واقتصادية واجتماعية وسيكولوجية وثقافية. وتزداد هذه العملية تعقيدا كلما انتقلنا من تدبير الموارد المادية إلى تدبير الموارد البشرية، كما هو الشأن بالنسبة لتدبير مؤسساتنا التربوية.
كما أن نجاح عملية تدبير التغيير، تتطلب وضع استراتيجية محكمة لهذا التغيير، اعتمادا على مقاربة تشاركية حقيقية، تُعبِّئُ جميع المستهدفين بهذا التغيير، وتحفزهم للتغلب على كافة الصعوبات التي تعترض أي إصلاح أو تغيير؛ وتوفير الحد الأدنى الضروري – على الأقل- من الإمكانيات المادية واللوجيستيكية التي يتطلبها الإصلاح المنشود؛ وإعداد فرق قيادة متمرنة على تدبير التغيير، وقادرة على امتصاص كل المُقاوَمات التي تنتج عن تنفيذ هذه الإصلاحات والتغييرات في الميدان العملي، بعيدا عن التعامل البيروقراطي الجاف، المبني على الأمر والنهي والزجر.
وإذا كان توفر الإمكانيات المادية واللوجستيكية، وكذا النصوص التنظيمية والتشريعية المهيكلة لأي إصلاح، يُعدّ من الشروط الضرورية لإنجاحه؛ فإنها لوحدها غير كافية، ولن تمنع مقاومة هذا الإصلاح وفشله. فتدبير التغيير الناجح – كما أكدت على ذلك تجارب رائدة في العديد من الدول – ينبني على رؤية استراتيجية متكاملة، تُخطِّط لإنزال أي إصلاح إلى أرض الواقع عبر مراحل، بتهييء الأرضية المادية والنصوص القانونية، والتدريب القبلي لفرق القيادة الميدانية، والتهييء السيكولوجي للفئات المستهدفة بالتغيير، عبر تكثيف التواصل معهم بشتى الوسائل الممكنة، وإشراكهم – بصيغة أو بأخرى- في إعداد وبناء هذا التغيير، أو على الأقل، تمكينهم من إبداء آرائهم حول مستجداته، والأهم من كل ذلك تحفيزهم للانخراط في تنفيذه عن قناعة. فالإصلاحات التي تنفذ عن قناعة ورغبة حقيقيتين يكون مآلها النجاح، عكس الإصلاحات التي تُفرض بالقوة، والتي غالبا ما تفشل وتنحرف عن أهدافها الأصلية.
كما أن تمكين تدبير التغيير من استتباب نجاحه، رهين – بالإضافة لما سبق ذكره- بتتبع مسار بناء هذا التغيير، في أهم مراحله؛ قبل إنجازه، وأثناء تجريبه واختباره، وخلال مرحلة اعتماده النهائي، وبعد إتمام إنجازه. وهو تتبع يفترض انفتاح قمة هرم التدبير على قاعدته المنفذة له، لتتمكن قيادة التدبير من الاستفادة من “التغذية الراجعة”Feed back” التي تنقلها لها بأمانة أجهزة القيادة “الوسيطة” من الواقع الميداني في قاعدة هرم المنظمة أو المؤسسة. لتتمكن من إعادة النظر في كافة نقاط الضعف التي قد تشوب عملية أجرأة الإصلاح على أرض الواقع.
وتوخيا للموضوعية والإنصاف، علينا أن نُقرّ – كما أشرنا لذلك في صلب بحثنا المشار إليه أعلاه – أن التدبير الإداري لمؤسساتنا التربوية بصفة عامة، وتدبير التغيير فيها، على وجه الخصوص؛ عرف تطورا نسبيا، لمسناه لدى عينة بحثنا التي شملت ثلث رئيسات ورؤساء المؤسسات التعليمية العمومية بمختلف مستوياتها بجهة طنجة تطوان، من خلال:
وعي المديرات والمديرين المستجوبين بأهمية الإصلاحات الجارية بمنظومتنا التربوية، وإقرارهم بوجود مقاومة للتغيير بمؤسساتهم، تعود للأسباب الآتية – مرتبة حسب أهميتها لديهم-:
1. فقدان المقاومين للتغيير لبعض الامتيازات، وعدم ارتياحهم للتغييرات التي تكلفهم مجهودا أكبر.
2. عدم فهمهم وتقديرهم لأهمية هذه الإصلاحات.
3. عدم إشراك العاملين بالمؤسسات التربوية في تخطيط واقتراح وبرمجة هذه الإصلاحات والتغييرات.
4. نقص في التواصل بين أطر المؤسسة والإدارة.
5. انعدام أو نقص التحفيز المادي والمعنوي، والإحساس بالإحباط.
6. الارتجال والتسرع في إعداد بعض الإصلاحات وتنفيذها، وعدم وضوح رؤيتها، وضعف أو انعدام وجود تتبع لإنجازها وتقييمها…
يتبين أيضا من اقتراحات مديري العينة للحدّ من مقاومة التغيير، أن غالبيتهم على دراية بأهم الأساليب الحديثة في تدبير التغيير، حيث نجد أن “التواصل” و”الحوار” و”الاجتماعات”، تصدرت قائمة الإجراءات المقترحة من طرفهم للتخفيف من حدة مقاومة التغيير بمؤسساتهم. وقد اتضح لنا أن ميل المديرين إلى الحوار والتواصل مع العاملين معهم، يَقوى كلما ارتفع لديهم متوسط الرضا عن العمل، كما يضعف كلما تدنى مستوى ذلك الرضا… كما أن ميل المديرين لأسلوب “التواصل والحوار”، له علاقة بمواقفهم من الإدارة والإصلاحات الجارية؛ بحيث كلما كانت مواقفهم هذه سلبية، كلما كانوا أقل ميلا للتواصل والحوار مع العاملين معهم.
ومن الإجراءات المقترحة من طرف عينة البحث للحدّ من مقاومة التغيير، يأتي في الدرجة الثانية “أسلوب الإقناع والترغيب”، وفي الدرجة الثالثة “إشراك العاملين بالمؤسسة في اتخاذ القرارات” أو “اعتماد المقاربة التشاركية”؛ ثم في الدرجة الرابعة:”التوجيه والتوعية والتحسيس”… فقلة قليلة من المديرين المستجوبين هم الذين أشاروا إلى إجراءات زجرية للحدّ من مقاومة التغيير “كالصرامة في تطبيق القوانين”، و”عدم التساهل مع المتهاونين”…
ورغم أننا لمسنا – في صلب بحثنا- أن كثيرا من المفاهيم المتداولة لدى مديري العينة، تُستعمل بشكل فضفاض، حيث تقتصر المقاربة التشاركية لدى البعض في مجرد إخبار رئيس المؤسسة لمرؤوسيه بما يعتزم القيام به من تدابير، بينما يعتبرها البعض الآخر مجرد تشاور معهم في شأن من شؤون تدبير المؤسسة، ويرى فيها آخرون أخذا بعين الاعتبار لاقتراحات العاملين معهم…الخ … رغم ذلك يُعتبر مجرّد تداول هذه المفاهيم الحديثة، تطورا – ولو نسبيا- في مجال التدبير الإداري بمنظومتنا التربوية، ولعل الفضل الأكبر في ذلك يعود للمصوغات التكوينية في مجال التدبير الإداري والتربوي لمؤسسات التربية والتكوين العمومية، التي أصبحت إلزامية في تكوين المديرين الجدد، في تكوينهم الأساسي، والمديرين القدامى في التكوينات المستمرة التي أكد عليها الإصلاح الأخير للمنظومة التربوية، الذي يُؤطره الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
ولعل في تركيز نقد المديرين المستجوبين -لأساليب المديرين القدامى الذين عملوا تحت رئاستهم سابقا – على سلطوية المديرين التقليديين، ورغبتهم المعلنة في تفادي هذه السلبية، لدليل على حصول تطور نسبي في ممارسة التدبير الإداري للمؤسسات التربوية العمومية ببلادنا؛ مواكبة منهم – عن وعي أو بدونه- لاتساع رقعة الحريات العامة وانتشار ثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان بكل تفرعاتها في العقود الأخيرة ببلادنا.
ومن أجل مواكبة منظومتنا التربوية لمختلف التطورات التي يشهدها العالم بأسره، علينا أن نصاحب أي إصلاح جاد لهذه المنظومة بتدبير جيد للتغيير، بعيدا عن الأساليب البيروقراطية التي ثبت فشلها.
cimqusef2012 programme fr v19102012
أعدت نشر نفس المقالة مع بعض التعديلات والإضافات بمجلة البيداغوجي التي تصدرها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بطنجة تطوان:بالعدد الأول أكتوبر 2014
يمكنكم الولوج إليها عبر الموقع الإليكتروني للمجلة عبر أحد الرابطين الآتيين:
http://revues.imist.ma/index.php?journal=lepedagogue&page=article&op=view&path%5B%5D=3963















