حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الأول
حوار مع الدكتور محمد المصباحي
حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول
نُشر بمجلة(( “الصورة” مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))
السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999 دار النشر المغربية بالدار البيضاء المغرب.
أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي
لعل ما يميز الدكتور محمد المصباحي، من بين جمهرة المشتغلين بالفلسفة الإسلامية، منهجُه العلمي المتفرد في قراءة واستنطاق مكنونات النصوص التراثية؛ منهج نقدي إشكالي يتوجه إلى المتون الفلسفية في نَصِّيتها، مع انفتاح متيقظ على فتوحات العقلانية الفلسفية المعاصرة وما تثيره من إشكالات وتطرحه من رهانات وآفاق، وذلك بعيدا عن أي تعصب مذهبي أو تصلب دوغمائي. ومافتئت اجتهاداته النظرية تتراكم على امتداد سنوات طويلة، خصوصا في حقل الفلسفة الرشدية التي تعتبَر مجالَ تخصصِه بامتياز، حيث أثمرت أبحاثه لحد الآن المؤلفات الآتية:
ـ إشكالية العقل عند ابن رشد، بيروت/الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1988.
ـ دلالات وإشكالات، الرباط، منشورات عكاظ، 1988.
ـ من المعرفة إلى العقل، بحوث في نظرية العقل عند العرب، بيروت، دار الطليعة، 1990.
ـ تحولات في تاريخ الوجود والعقل، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1995.
ـ الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، بيروت، دار الطليعة، 1998.
ـ أنحاءُ الوحدة وتجلياتها عند ابن رشد، (قيد الطبع).
كما أن له مقالات متعددة نُشرت في دوريات متخصصة مختلفة يصعب حصرُها، فضلا عن أبحاث شارك بها في عدة ندوات وملتقيات فلسفية داخل المغرب وخارجه؛ مما يجعل منه شخصية علمية ذات حضور فاعل في إثراء وتعميق المشهد الثقافي من خلال اضطلاعه بالمهام الآتية:
ـ عضو مؤسِّس لمركز الدراسات الرشدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس.
ـ عضو المكتب الإداري للجمعية الفلسفية المغربية.
ـ عضو هيئة تحرير مجلة “مدارات فلسفية” التي تصدرها الجمعية المذكورة.
ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط،
ورئيس وحدة للتكوين والبحث بها في محور: “فضاءات الفكر في الحضارة العربية”.
لهذه الاعتبارات، حرصت المجلة على لقائه ومناقشته بصدد جوانب من مشروعه الفلسفي، لتقريبه من القراء وإشراكهم في بعض انشغالاته وأجوائه، فكان هذا الحوار.
* * * * *
&الصورة: أعلنتم في مناسبات عديدة (حوار مع صحيفة “المنعطف”، عدد 11، 08/08/1996، ص: 12-13، وأيضا في حوار مع الملحق الثقافي لصحيفة “الاتحاد الاشتراكي”، عدد 511، 25/04/1997، ص: 3) أنكم تَعتبرون نفسَكم رشديا. والمعروف أن ابن رشد من جهته كان يَعتبر نفسَه أرسطيا، بينما كان أرسطو واضحا في إعلان تحالفه مع الحقيقة أينما وُجدت ولو ضد أستاذه أفلاطون.
نستأذنكم في العودة مجدَّدا لتوضيح هذه النقطة: هل يتعلق الأمر بولاء لروح فلسفة ابن رشد العقلانية المتفتحة؟ أم بولاء للمرجعية الأصلية لهذه العقلانية، أعني للأرسطية التي بلغت من حيث العقلانية والانفتاح المنهجي شأوا بعيدا، إلى درجة تبدو معه وكأنها بعيدة عن أية نسقية دوغمائية متصلبة، بحيث أصبح الباحثون (أمثال J aejer, Fr. Nuyens .W)، يتحدثون اليوم عن ثلاثة نماذج أو أكثر لأرسطو.
وفي كلتا الحالتين، هل يتعلق الأمر بولاء لإبستيمية عربية إسلامية، أم لإبستيمية غربية؟ أم أن شعار الرشدية بالنسبة إليكم يتسعُ لهذا كله؟
p د. المصباحي: أشكركم على هذا السؤال العميق والماكر، والذي يثير كثيراً من القضايا الشائكة المتعلقة بدراسة ابن رشد. في الحقيقة، عندما كنت أعلن بصفة غير مباشرة بأنني رشدي، لم أكن أفعل ذلك للتعبير عن تعلق مذهبي بابن رشد، كالذي أبداه هو حيال أرسطو والذي آل به إلى اعتباره “الرجلَ الذي كمُل عنده الحق”، بل إن تعلقي بأبي الوليد هو تعلقُ محبة ، لكنها ليست محبة عمياء لا تترك لنفسها حرية أخذ المسافات الفاصلة التي تسمح بالحق في ممارسة النقد والتفكير. إن تعلقي بابن رشد ليس تعلقا من أجل ابن رشد نفسِه، ولا من أجل أرسطو، كما أن تعلقي به لا يعني تعصباً مذهبياً لوجهة نظره في فهمه لأرسطو وللفارابي ولابن سينا ولابن باجة. بل إن محبتي لابن رشد هي أولا محبة لرجل استطاع أن يجمع بين ولائه لثقافته الفقهية والأصولية من جهة، وتفتحه على علوم الآخر المخالِف لنا في الملة والمصيبِ في الحق؛ وثانيا لمحبته العميقة للفلسفة وما يتصل بها من علم وطب وفلك؛ والوجه الثالث لمحبتي له هو مراعاته، بل وصرامته في مراعاته لشروط الصناعة الفلسفية في النظر إلى القضايا الطبيعية والإلهية والنفسية وقضايا المدينة؛ وأخيرا فإن تعلقي به هو تعلق منهجي، تعلق بزاوايا النظر التي كان يَنظر من خلالها إلى العالم. إذن ، محبتي لابن رشد هي في الحقيقة محبة للفلسفة، هي حنين لعادة أسلافنا في تعظيم العلم والفكر وتقدير ذويه، إيماناً مني أننا عندما ننسى الفلسفة فإنما ننسى وجودنا وتاريخنا وإرادتنا في التحدي والبقاء، وننسى مروءتنا وأخلاقنا. وأعتقد بأنه بدون هذه المقدمات لا نستطيع اليوم أن نقيم لأنفسنا أسس صرح حضاري جديد.
إن محبتي لابن رشد إذن هي محبة بالعرَض لا بالذات. لكننا ينبغي أن لا ننسى تلك الفضيلة التي رفعها أبو الوليد إلى مرتبة “الواجب الفلسفي”، وهي فضيلة حب الأوائل وتقديره إياهم. فقد أوجب ابن رشد على صاحب الفلسفة أن يُعرب عن حبه للأوائل من الفلاسفة والعلماء، لأنهم في نظره هم الذين خلقوا عقولنا في مقابل آبائنا الذين خلقوا أبداننا. وهذا لعمري أحد الشروط الأولى للدخول إلى عالم الفلسفة. وبالفعل، فإن كل مُطلِع على الإنتاج الأرسطي لا يملك إلا أن تصيبه الدهشة من عظمة هذا الرجل وكمال مقاله ونفاذ فكره ودقة عبارته في كل ما أبدعه أو تطرق إليه من علم أو فن. ومع ذلك فبوسعنا أن نبرهن بأن تعلق ابن رشد بأرسطو لم يكن تعلقاً أعمى، أي على حساب الحقيقة، لأننا كثيرا ما نلفيه يلاحظ على المعلم الأول تقصيرَه في هذه النقطة أو وقوفَه دون الكمال في تلك، بل إننا يمكن أن نَعتبر بأن إقدامه على كتابة شروحه الكبرى دليلا على رغبته في تجاوز أرسطو عن طريق الغوص فيه. لقد كان تعلقه به تعلّقاً في الجوهر، في الأمر المشترَك بينهما، وهو محبة الحكمة، من حيث هي ممارسة للعقل في أقصى تجلياته وصرامته وإبداعه، أي ذلك العقل الذي يراعي تقاليد الصناعة الفلسفية الملتزمة بقواعد البرهان بمعناه الواسع.
لقد أشرتم في تساؤلكم إلى بعض الاتجاهات المنهجية الحديثة في دراسة الفكر الأرسطي التي برهنت، بالاعتماد على جملة من المعطيات الفيلولوجية الدقيقة، على أن أرسطو لم يَظهر فجأة مكتمِلَ المذهب متناسقَ الأفكار في زمن محدَّد، بل إنه مر بمخاض طويل وعسير أسهم فيه تفاعله مع الاتجاهات الفكرية في زمانه كالأفلاطونية والديمقريطية والسفسطائية… كما أسهم فيه بحثه الشخصي واجتهاده الأصيل. هكذا أدت هذه الرؤية الجينيالوجية إلى تغيير جذري في نظرتنا إلى فكر وإنتاج أرسطو، حيث تم استبعاد النظرتين النسقية والانتحالية لنصه وتعويضُهما بنظرة جينيالوجية جعلته نصاً مختلفا مكوَّناً من ثلاث طبقات مختلفة في قاموسها ومذهبها.
ولا شك أن ما قيل عن أرسطو يمكن أن ينطبق على ابن رشد مع قدر كبير من التحفظ. فهو، كأي مفكر، لا بد أن يمر بتطور في فهمه للنصوص وفي نظرته إلى الوجود. وهذا ما يسمح لنا بالكلام عن ابن رشد سينيوي، وعن ابن رشد فارابوي، وعن ابن رشد باجوي، وعن ابن رشد إسكندري، بالإضافة إلى ابن رشد الرشدي. لكن الاعتراف بمزايا المنهج الجينيالوجي ينبغي أن لا يُنسينا، في حالة ابن رشد، أن الأمر يتعلق أساسا بشارح لنصوص غيره من الفلاسفة والأطباء والفلكيين والأصوليين والفقهاء، لذلك من الصعب في هذه الحالة الكلام عن تطور حقيقي للرجل. لكن ينبغي أن لا يُفهم من قولنا هذا أننا ننكر عليه أي مظهر للتطور في لغته وفهمه لأعمال الآخرين، فوجود أكثر من شرح واحد لنفس الكتاب، أو عودته المتكررة لنفس المسألة، أو مراجعته المتعددة لبعض نصوصه، دليل على حصول تطور عميق يَعترف به هو نفسُه أحيانا. وهذا ما يجعل من الصعب قراءة بعض أعمال ابن رشد لِما فيها من طبقات مذهبية يصعب فرزُ بعضها عن بعض. ففي هذا السياق الخاص يمكن الكلام عن أكثر من ابن رشد واحد، لكن هذا لا يعني أنه من حقنا اعتماد ابن رشد الذي جَبَّ ما قبله، لأنه يُمْكننا إثباتُ جيوب سينوية في فكره حتى وهو في عز انتقاده للشيخ الرئيس.
إن مشكلة ابن رشد هي أنه لم يشأ أن يكتب مقدمة في الفلسفة على غرار “مقدمة” ابن خلدون، أو كتابا في “إحياء علوم الفلسفة” نظير لكتاب الغزالي بالنسبة لعلوم الدين، أو قصة يحكي فيها تاريخ الفلسفة على شاكلة رسالة “حي بن يقظان” لابن طفيل… لقد كان قاضي قرطبة مغرَماً بالنصوص، شاعراً بواجب شرحها وتبيينها بحسب قواعد البرهان، خوفاً عليها من ضياعها وفساد صناعتها. لقد كان واعياً بشرف رسالته وحدودها في نفس الوقت.
&الصورة: منذ أن كرست منظمة اليونسكو السنة الماضية سنة عالمية مخَصَّصة لابن رشد بمناسبة الذكرى المائوية الثامنة لوفاته، تواترت المؤتمرات والندوات حول فلسفة ابن رشد شرقا وغربا، كما نشطت حركة استثنائية على مستوى الطباعة والنشر حول تراث الرجل تأليفا وتحقيقا ونقدا وترجمة إلى لغات متعددة. فكانت مناسبة تابعنا فيها جهات مختلفة ومتضاربة من النظر إلى الفلسفة الرشدية، كان فيها من انتصر لِما يَعتبره جوانب للتنوير والعقلنة والعلمانية والحداثة، وكان فيها من انتصر، في مقابل ذلك، لِما يَعتبره جوانب للمحافظة والإيمان والأصالة…
نود أن نستطلع رأيكم بصدد الحصيلة العامة لفعاليات هذه الاحتفالية، خصوصا وأنكم تعتبَرون من المتخصصين في الدراسات الرشدية بحكم تجربتكم الشخصية الطويلة في التمرس العميق والمعايشة النقدية المتأنية لنصوص المتن الرشدي منذ سنوات طويلة، وبحكم حضوركم الفاعل في أعمال الكثير من تلك الندوات عربيا ودوليا.
ـ هل يمكن الحديث عن إضافات علمية نوعية وسط هذا التراكم الدولي؟ وإلى أين وصلت أبحاث الرشديين العرب مقارنة بنظرائهم من جمهرة الرشديين المستعربين في الغرب؟
p د. المصباحي: لقد جَعلت مؤتمراتُ ولقاءاتُ السنة الدولية (1998) من ابن رشد مكانا عاما التقى فيه كلُّ محبيه من باحثين ومفكرين وشعراء وأدباء للتداول في الشأن الرشدي الذي هو في الحقيقة جزء من شأنهم وشأن زمانهم. إن القيام بهذه المبادرة الدولية هو في حد ذاته حدث جديد، بغض النظر عن الوقع الذي أحدثه. أولا بالنسبة للعالم العربي، أعتبر أن هذا الاهتمام الكثيف بابن رشد ـ وإن كانت الخلفيات التي حركته متعددة ومتباينة ـ هو بمثابة محاولة لتجاوز خطيئة ولتقديم اعتذار لابن رشد ولآل ابن رشد، خطيئة نسيان هذا الرجل وعدم الاهتمام به، بل والتنكيل به وبفكره أحيانا بواسطة النسيان وعدم الاهتمام. لقد كان من المفروض أن يقام هذا الاحتفال في إبَّانه، أي في القرن الثالث عشر، لكننا لم نفعل ذلك لا في ذلك القرن ولا في القرن الرابع عشر أوالخامس عشر أوالسادس عشر، بل تجاهلنا جملة هذا الرجل، وبتجاهله تجاهلنا العِلمَ وتجاهلنا العقلنة، فتجاهلنا وجودَنا، فأصابنا الضعفُ والخذلان التاريخي.
إذن فإعادة الاعتبار لهذا الرجل هو حدث جديد على الساحة العربية الإسلامية ويجب أن تعطى له أهميته وقيمته، لأن الجرأة على هذا الرجل والاستئناسَ به وإعادة نشر تراثه علامة على أننا بدأنا فعلاً في القطع مع مرحلة الخمول والتخاذل والتراجع والبؤس العقلي والفكري والعلمي الذي كانت تعاني منه مجتمعاتنا العربية الإسلامية.
أما بالنسبة للغرب، فلا يخفى أن هناك محرِّكات أخرى تدفعه للاهتمام بالرجل، ولكن على الرغم مما يمكن أن يقال في هذا الصدد، فإن الغرب باهتمامه هذا يريد أن يُعرب عن إرادته في إعادة النظر إلى تاريخَه الفكري من ناحيتين على الأقل:
أولا إعادة الاعتبار لفلسفة القرون الوسطى بعامةٍ، هذه الفلسفة التي طالما تعرضت إلى الإهمال والإنكار. وعودةُ بعض الجهات العلمية والفكرية مؤخراً إلى هذه الفلسفة كان استجابة لروح “ما بعد الحداثة” التي تعمل على إعادة الاعتبار لكل ما كان ينتمي إلى منطقة الظل والهامش، وذلك من أجل استثمار بعض كنوزها المنسية. لقد صارت القرون الوسطى مصدرَ إخصاب لخيال وفكر كثير من المفكرين المعاصرين.
لكن الغرب، بالإضافة إلى كون اهتمامه بابن رشد يندرج أساساً ضمن تصالحه مع تاريخه الفكري الخاص، فإنه يعبِّر أيضاً عن رغبة في التصالح مع تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية والاعتراف لها بحقها في الإسهام في بناء شروط الحداثة الأولى للغرب. فبفضل ابن رشد، وغيره من الفلاسفة العرب المسلمين، استطاع الغرب أن يَعقد اتصاله من جديد باليونان، هذا الاتصال الذي هيأه لتحقيق قفزاته الجبارة إلى الأمام وتأسيس حضارة جديدة. لقد صار الاهتمام بابن رشد وبالفلسفة العربية-الإسلامية في الغرب أمراً جديا، حيث تباشيرُ العودةِ إلى إدراج تدريسِها في المدارس الثانوية الفرنسية مثلاً.
أما الشطر الآخر من سؤالكم والمتعلق بالجديد التي أتت به هذه المؤتمرات والندوات الدولية حول ابن رشد، فإنه من الصعب الإجابة عليه بدقة، لأن كثرة تلك الندوات والأعمال تحول دون الإحاطة بها. نعم، لقد كانت هذه اللقاءات الرشدية مناسَبة لاستعادة جملة من النصوص الرشدية إما عن طريق تحقيقها أو إعادة تحقيقها أو ترجمتها إلى اللغة العربية أو إلى اللغات الحية الأخرى (كترجمة كتاب “تلخيص السياسة”، و”شرح كتاب النفس”)، كما كانت هذه المؤتمرات والندوات بدون شك فرصة لتناول موضوعات رشدية لم يتم التطرق إليها سابقاً، وللاجتهاد في توظيف مقارَبات جديدة في النظر إلى مسائل سبق التطرقُ إليها فيما مضى. ولكن الأهم من كل ذلك أن يَبقى ابن رشد حيا فينا من أجل أن نحلله ونَدرسه، بل وربما من أجل تجاوزه، لأننا مضطرون، لكي نعود إلى المدينة وإلى العصر الذي نعيش فيه، أن نفكر في المشاكل التي نعانيها اليوم، والتي تختلف جذريا عن المشاكل التي كان يفحصها ابن رشد في القرن الثاني عشر. نحن الآن على مشارف القرن الحادي والعشرين، ومشاكلنا تقريبا لا علاقة لها بتلك التي كان يفكر فيها ابن رشد. فالعلم قد تطور تطورا خارقا وأجاب عن كثير من الأسئلة التي كانت آنذاك من باب المطلسَمات والمستغلقات. لقد حققت الفلسفة قفزات هائلة، مواكِبة في ذلك تطورَ العلم، وخصوصا التطورَ الذي حصل في العلوم الإنسانية التي اقتَطعت عدة أطراف من أرض الفلسفة لتلحِقها بميدان العلم… الوضعُ المعرفي والوضعُ الفلسفي، وبالتالي وضع الإنسان، قد تغيَّر، مما يَحملنا على إعادة النظر في ابن رشد من أجل تجاوزه. ولكن لا يمكن لنا أن نتجاوزه دون النظر إليه نظرة علمية فاحصة، ولذلك فإن توافد هذا العدد الكبير من الدارسين والنُّظار من حقول وآفاق مختلفة للبحث في ابن رشد والكتابة فيه سيكون مفيدا للغاية. فهناك من أتى من علوم الخطابة والبلاغة والسيميائيات المعاصرة، وهناك من أتى من مجال السياسة، وهناك من أتى من حقل تاريخ العلوم، وهناك من أتى من ميدان تاريخ الفلسفات الوسطوية (من عربية أو عبرية أو لاتينية)، وهناك من أتى من مجال تاريخ الفلسفتين الحديثة والمعاصرة، وهناك من أتى من مجال تاريخ الفقه والأصول، وهناك من أتى من مجال القانون والمنطق… إلخ. لكن علينا أن لانخفي وجود كتابات سريعة وانطباعية وسهلة هدفها تلبية طلبات الجمهور الآنية، هذه الكتابة التي أعتقد أن لا مستقبل لها، لأن المستقبل سيطالبنا بالجودة في الدراسة التي تستجيب للمقاييس الدولية والتي تمَكننا من المنافسة العلمية في هذا المجال.
&الصورة: صرحتم في صحيفة “العلم الثقافي” (مقالكم:”أنحاء الوحدة وتجلياتها عند ابن رشد”،12/10/1996): “… لقد كنا فيما مضى ننتصر للنسقية الصارمة للفكر الرشدي القائمة على نوع واحد من الوحدة، لكننا بعد أن تعرفنا عن كثب على حقيقة الوحدة بوصفها حاملة للتعدد والمفارَقة، تبين لنا أن فكر ابن رشد بعيد عن النسق والبنية المغلقة، لأنه قائم على مجموعة من الوحدات المختلفة والمتعارضة التي تنطوي على ثغرات وخروم يَدخل منها الاختلافُ والاستثناء”.
فهل بإمكانكم أن تحدثونا عن هذا التطور الحاصل في رؤيتكم للفلسفة الرشدية؟ وهل هذا الابتعاد عن النسق الفلسفي المغلق ينفرد به ابن رشد وحدَه دون باقي الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن باجة؟ وكيف نفهم هذه المسألة في زمن الأنساق الفلسفية الكبرى؟
p د. المصباحي: صحيح، إن الذي كان يحركني في وقت مضى هو البحثُ عن العقل في الفلسفة العربية، لأن ما كان يعاب علينا من قِبل الغرب ونحن على أهبة الخروج من عهد الاستعمار هو أن حضاراتنا ليست حضارة عقل، مما كان يعني بالنسبة لنا أننا غيرُ قادرين على رفع التحديات التي يطرحها علينا هذا الزمان؛ ولكن، بعد ذلك، أي بعد معاينة التجربة التاريخية للعالم العربي في عقدي الستينات والسبعينات، وبعد استخلاص العبر من التجربة التاريخية الشاملة للعقل خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، تبين أن استعمال العقل غيرُ كاف، بل قد يكون استعماله مضرّا بالحضارة البشرية. فغطرسة العقل وجبروته وهيمنته خلال القرنين السابقين أدت إلى القضاء على ثقافات وحضارات، وإلى حروب وأهوال ونزعات خطيرة كالنازية والفاشية والصهيونية… وباسم العقل جرى التنكيلُ بالإنسان، بقيَمه وأبعاده، وباسمه جرى تدميرُ الطبيعة وتخريب مناعتها وتلويث محيطها؛ وباسم العقل، أقصد العقل الأنواري المتغطرس، جرت التضحية بالجسم والعواطف والبعد الروحي في الإنسان…
إذن، إذا كنا نقول في الماضي بأن مَن لا عقلَ له فليس على شيء، فإننا اليوم نقول: من لا وحدةَ له، من لا يستطيع العدّ والإحصاء، أي من لا يملك العلوم التي تَقوم على الواحد، لا يمكن أن يبقى موجودا وجودا حقا، أي وجودا فاعلا في هذا الزمان. هذا هو الذي دفعني إلى أن أنظر في مسألة الوحدة عند ابن رشد، لأنها أصبحت هي المحرك لفكر وحضارة اليوم. وأنتم تعلمون أن الوحدة تنتمي إلى مقولة الكم لا إلى مقولة الجوهر، مما يجعل حضارة اليوم أبعد ما تكون عن الاعتقاد في الماهيات والحقائق الثابتة، وأقرب ما تكون إلى حضارة الكم والمقدار، حضارة النسبة والعَرَض. وبهذه الجهة صار الإنسان شيئا فشيئا مقياسَ كل شئ، وصرنا نبتعد شيئا فشيئا عن الرؤية الرشدية.
أما فيما يتعلق بمسألة النسقية ووجود عدة أشكال من الوحدة، فأولاً عليّ أن أوضح أن زماننا هذا ليس زمنَ الأنساق الفلسفية الكبرى، بل بالعكس هو زمن تشظي الأنساق وانفجار المذاهب وتجاوز الفلسفة إلى ما بعدها. أما عن القولة التي تفضلتم بذكرها، فالذي قصدته منها هو أنه بَعْدَ أن عايَنّا أدوات الوحدة التي كان يستعملها ابن رشد، وهي أدوات تقبل الاحتمال والنسبة والإضافة والحركة والتجاوز، أمكننا أن نقول إن فلسفته ليست برهانية كما كان هو يَدَّعِي، بل إنها فلسفة قلقة مضطربة متطورة. حقا إن ابن رشد كان دائم التنويه بالبرهان، ولكن، في الواقع وفي الحقيقة، كانت نصوصُه ملأى بالجدل، ومما يزكي هذا أنه لم يشأ أن يُنشئ لنفسه مذهبا، وإنما فضَّل أن يَبقى قريبا من التأويل ومن الشرح.
ملحوظة: لمتابعة قراءة الجزء الثاني من هذا الحوار، انقر على الرابط أسفله:
رابط الجزء الثاني من الحوار














إذ أشكرك لك الأخ عزيز إقدامك على نشر هذا الحوار الجميل، أتأسف لعدم استمرار تجربة مجلة الصورة، أقول هذا انا الذي كنت أحد قرائها.
فؤاد بن أحمد
fouadphilo@hotmail.com