وجهة نظر حول اللغتين الفصحى والدارجة “العامية”، والتعدد اللغوي.

للتعبير بشكل أوضح عن وجهة نظري بخصوص ما يروج هذه الأيام حول بعض استعمالات اللغة الدارجة في الكتب المدرسية المغربية، سأسرد لكم حكايتين واقعيتين:

الحكاية الأولى: كان من بين جيراننا بحيّ شعبي بمدينة القصر الكبير، في نهاية عقد السبعينات، موظف بسيط له بضعة أبناء صغار، أكبرهم في سن السابعة. أراد أن يُنشئهم على تعلم أصول اللغة العربية الفصحى، ونبذ كل ما له علاقة باللغة الدارجة منذ ولادتهم، بل دأب على معاقبتهم على استعمال كلمات دارجة ك: “بابا” و “ماما” وغيرها… فتعوّد بعض أطفاله على ذلك، حيث كثيرا ما سمعنا ابنه الأكبر ينادي أباه: ” أبي أبي تعالى إلى المنزل، أمي تريدك” … فما كان على أقران هذا الطفل من أبناء الحي سوى الاستهزاء به باستبدال اسمه الأصلي باسم “أبي” مما جعله ينفر منهم ولا يغادر منزله إلا صحبة أبيه أو أمه… أما أسرة هذا الجار، فأطلق عليها أطفال “الدرب” “فاميلة الرسوم المتحركة”….

الحكاية الثانية، حدثت منذ قرابة عشر سنوات بطنجة، حيث عُدت ذات مساء لشقتي بالعمارة التي كنت أقطنها، فوجدت بمدخلها حشدا من سكان العمارة يحتجون بشدة على رئيس نقابة السكان (السانديك) لاقتنائه لسجاد أرضي وضعه بالمدخل الرئيسي، كُتِبتْ عليه كلمة  ” مرحبا”. أما سبب الاحتجاج فهو استنكار هؤلاء السكان لوضع حروف عربية على سجاد أرضي والدوس عليها بالنعال والأحذية… فما كان على رئيس “السانديك” سوى استبداله بسجاد آخر كُتب عليها (Welcome ) …

ولعل أهم ما يمكن أن يستوقفنا في الحكايتين الواقعيتين، هو – باختصار شديد- أهمية اللغة العربية الدارجة،  في التواصل بين أبناء شعبنا في الحكاية الأولى؛ أما الحكاية الثانية فتؤكد تقديس الحرف العربي لدى الإنسان المغربي ولو لم يتقن العربية…

وما قلته بخصوص اللغة العربية الدارجة ينسحب أيضا على اللغة الأمازيغية الدارجة بالنسبة للناطقين بها.

ولعل كل من يتأمل في خطابات سياسيينا ومثقفينا ومتعلمينا بكل هاته اللغات (العربية الفصحى والعربية الدارجة، والأمازيغية) لا بُدّ أن يستوقفه مُعاناةُ أَغلبهم مما قد نُسميه “عُسْرَ التّعبيرِ” و”الارتباك” الملحوظ، يصل لدى بعضهم للتمتمة والتأتأة و عدم إكمال الجمل، أو إنهائها بعبارات “اسْمو عليه” أو “داكْ الشِّي” أو “يعني  يعني   يعني”، “افهمتيني ولاّلاّ”….الخ إلا حالات نادرة ممن رحم ربي…

أما جرائدنا ونشرات أخبارنا بجميع اللغات فمليئة بالأخطاء، إلى درجة تجعلك تشك في ما تعلمته من قواعد من شدة تداولها…

خلاصة القول: أن لا مناص لنا من الاهتمام بلغتنا العربية الفصحى كلغة للعلم والآداب والفنون، وتطويرها، دون احتقار باقي لغاتنا الوطنية وعلى رأسها الأمازيغية والدارجة والحسانية… وعاش وطننا المغرب متعدد الهوية واللغة والثقافة، مما يشكل مصدر غناه وقوة حضارته.

(تدوينة نشرتها على صفحتي بالفيسبوك بتاريخ يوم 8 شتنبر 2018)

عزيز بوستا

أستـــاذ بــاحث بالمركز الجــهوي لمــهن التــربية والتــكوين بطــــنجة حـــاصل علــى: دكــــتوراه فـــي عـــلوم الـــتربية، ودبـــلوم الــــــدراسات العــــليا فـــي الفلســـفة. شارك في أنشطة متنوعة (علمية وثقافية عامة) في إطار تظاهرات وندوات وموائد مستديرة، من تنظيم جمعيات ومنظمات وطنية ودولية، ولقاءات إذاعية وإعلامية مختلفة... ساهم فــي التــكوين الأســاس والمســـتمر للمـــدرسين وأطـــر الإدارة التــربوية، بكــافة أســلاك التعــليم المــدرسي، فــي مواضيع ذات علاقة بالتربية والتكوين. له مقالات متعددة في الفلسفة وعلوم التربية، بمجلات وجرائد ومواقع إلكترونية مغربية وعربية. (يعاد نشر بعضها بهذا الموقع).

اخر المقالات
‎اضف رد
الرمز الامني اضغط علي الصورة لتحديث الرمز الامني .