الباراديغم عملي – نظري – عملي بين خصوبة المفهوم وصعوبات الممارسة العملية(1)

الباراديغم عملي – نظري – عملي بين خصوبة المفهوم وصعوبات الممارسة العملية(1)

paradigm

للباراديغم “عملي – نظري – عملي” أهمية محورية في بناء وتنفيذ عدة تكوين الأساتذة المتدربين الحالية بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، وهي أهمية نابعة من جدة مفهوم هذا البارديغم وخصوبته بمنظومتنا التكوينية المغربية، رغم ما يعترض عمليات استيعابه وتطبيقه من صعوبات متنوعة … لذا خصصنا هذه الورقة لمناقشة مدى أهمية هذا المفهوم وإلى أي حد ساهم في بلورة تصور جديد لتأهيل الأساتذة المتدربين بمراكزنا الجهوية لمهن التربية والتكوين ومؤسسات التداريب؟ وما هي العوائق التي تحول دون فهمه وأجرأته؟
تعريف مفهوم “الباراديغم”:
نشير في البداية إلى أننا فضلنا الاحتفاظ بلفظ المصطلح الإغريقي الأصلي (2) (.paradigme .) نظرا لتداول كثير من المصطلحات العربية المترجمة له، كالنموذج، والأنموذج، والصيغة، والمنظور، والرؤية والمعتقد والتصور… ولعل هذا ما حذا بالباحثين الغربيين أنفسهم للاحتفاظ بأصل المفهوم الإغريقي وتحميله بدلالات جديدة تجاوزت معانيه اللغوية الأصلية كمعنى “النموذج” المستعمل من قبل أفلاطون في محاورته “طيماوس”.
يعرف بيربوم الباراديغم باعتباه مجموع المعتقدات والتصورات والقيم التي تكون نموذجا مفاهيميا تنتج عنه كل خطابات شخص معين أو اتجاه ما، باعتبار هذا الأنموذج نسقا تفسيريا . (Berbaum,J.1982.) مما يجعل منه تصورا اختزاليا (Réductionniste) وشموليا (Globaliste) كما يعبر عن منظور بنيوي تكويني أيضا (Piaget, J. 1975.) (3).
وإن كان مفهوم الباراديغم يعبر عن خطاطة الفعل ( schème d’action ) التي يدرك ويستوعب بواسطته شخص ما من مجتمع ما شيئا معينا أو ممارسة محددة أو فعلا خاصا، بشكل يجعله في كثير من الأحيان مختلفا عن باراديغم أشخاص آخرين تجاه نفس الشيء أو نفس الممارسة (4)، وذلك بفعل تأثير عوامل التنشئة الاجتماعية والاختلافات السوسيوثقافية بين الأفراد والمجتمعات…؛ وإذا كانت هذه الباراديغمات ذات صبغة فردية، فثمة براديغمات أخرى تعبرعن مجموع المعتقدات والتمثلات المتكونة خلال حقبة معينة ضمن نظرية مهيمنة. مشكلة بذلك عقيدة مهيمنة. وتنظم هذه العقيدة أو الإيديولوجيا التوجهات وتكنولوجيات البحث إلى حين ظهور ثورة علمية تغير الرؤية للأمور لتشكل بالتالي براديغمات جديدة.(5)
وعلى صعيد آخر يعني “الباراديغم” لدى المجتمع العلمي النظريات المعتمدة كنموذج لدى مجتمع من الباحثين العلميين في عصر بذاته، علاوة على طرق البحث المميزة لتحديد وحل المشكلات العلمية وأساليب فهم الوقائع التجريبية (6)، وهو ذو طبيعة توجيهية وإرشادية للحفاظ على شروط وضوابط البحث العلمي الأكاديمي في كل حقل علمي على حدة… ولعل هذا المعنى الأخير هو الأقرب للتداول في مجال الباراديغم عملي- نظري – عملي الذي نحن بصدده كما سيتضح لنا لاحقا.
براديغمات تكوين المدرسين السائدة قبل البراديغم (عملي- نظري- عملي):
بالنظر لعدد التكوين السابقة التي اعتمدت في تأطير المدرسين – وطنيا وعالميا – والممارسات المهنية الراسخة لدى الفاعلين في هذا المجال من أساتذة مكونين وأساتذة متدربين، يمكننا اختزال باراديغمات تكوين المدرسين السائدة قبل البراديغم (عملي- نظري- عملي) في نموذجين اثنين هما:
أ‌- النموذج الأكاديمي الكلاسيكي، ويعطي الأولوية للجانب النظري- الأكاديمي، وتمتد جذوره النظرية إلى التييوروس(théoros) الأفلاطوني. وهمه الأساسي هو تكوين مُدرس ذو دراية جيدة بالمضامين التخصصية والبيداغوجية ونماذج البحث التطبيقي. ويختزل في الباراديغم: نظري – عملي. حيث يتم فيه الاعتماد على العلوم النظرية المدرسة بمراكز تكوين المدرسين، لإنتاج نماذج قابلة للتطبيق عبر: ( تعليم مصغر، ومدارس تطبيقية نموذجية) لتعميمها تدريجيا…
ب‌- النموذج الحرفي التقليديArtisanal، ويعطي الأولوية للممارسة العملية، أو البراكسيس(Praxis) ذي الأصول الأرسطية، ليتم تكوين المدرسين بالممارسة الميدانية، عبر تقليد وإعادة إنتاج ممارسات المدرسين المتمرسين؛ و المصاحبة المكرسة للممارسات الجيدة للمدرسين النموذجيين، و إعادة إنتاج الممارسات العملية السابقة اعتمادا على المعارف الموسوعية المتداولة في المنهاج … ويمكننا اختزاله في الباراديغم :عملي ـ عملي.
وإذا كان النموذج الأول (الباراديغم: نظري – عملي) ظل سائدا، ولا يزال، في أغلب مؤسسات تكوين المدرسين، حيث تختص هذه الأخيرة بالتكوين النظري المتين للطلبة الأساتذة، وتزويدهم بالنماذج النظرية قبل الشروع في تطبيقها في مؤسسات التداريب العملية التي كانت تسمى بمؤسسات التطبيق؛ فإن النموذج الثاني (الباراديغم :عملي ـ عملي) باعتبار الأولوية التي يوليها لجانب الممارسة العملية، مثل ردة فعل ضد الباراديغم الأول، وتشبث به المدرسون الممارسون في الميدان، بحجة أن أهم ممارساتهم الجيدة في التدريس اكتسبوها من خلال عملية التدريس نفسها، أما الطروحات النظرية المُدرّسة بمراكز التكوين فلا علاقة لها بالواقع، وهي لمجرد الاستهلاك المدرسي بمراكز التكوين كما قد تصلح ـ في أحسن الأحوال، في نظرهم ـ لاجتياز امتحانات الترقية… أما الكفايات المهنية فتقزم لدى هؤلاء في التقنيات والممارسات العملية المكتسبة بفعل تقليد المدرسين النظراء والاحتكاك بالواقع اليومي…

البراديغم (عملي- نظري- عملي) من أجل مهننة التكوين:
يعتبر هذا الباراديغم الممارسة المهنية موضوعا للتكوين وليست مجرد لحظة بسيطة لتطبيق النظريات البيداغوجية أو الديداكتيكية لمزاولة المهنة(7)؛ وذلك باعتماده على نموذج ذي أقطاب ثلاثية، وترتبط بعلاقة جدلية:(Trialectique) وهو نموذج يُفعل وفق السيرورة :(( من الممارسة إلى الممارسة، مرورا بالتحليل النظري، المفسر والمهيكل لخطاطات الفعل.)).وبذلك تقوم مراكز التكوين – التي تحولت إلى مراكز للتأهيل المهني- بتجاوز مهامها التقليدية التي تجلت سابقا في تدريس المعارف المدرسية؛ إلى التركيز على تعبئة معارف للتدريس، ومعارف بكيفية التدريس؛ أما مؤسسات التداريب فتساهم بفعالية في ترسيخ معارف حول الممارسة، ومعارف ناتجة عن الممارسة… وبذك يمثل الانطلاق من الممارسة المهنية، والعودة لها ضمانا لعدم الإغراق في التأمل النظري الأكاديمي، كما يمثل الفعل النظري أساسا لممارسة مهنية متبصرة ومؤهلة لصقل مهاراتنا بكل ما يستجد في ميادين علوم التربية والديداكتيك المرتبطة بالمهنة (8).
وتتم عملية بناء الكفايات المهنية للأساتذة المتدربين عبر تطور جدلي ولولبي الاتجاه، من ممارسة أقل احترافا إلى فعل نظري متأمل في تلك الممارسة ومحلل لها، من أجل عودة ثانية لتلك الممارسة بأداء أفضل، ومنها ننتقل للنظري لنعود للممارسة بإتقان واحترافية أكبر … وهكذا يتم النماء التدريجي للكفايات المهنية عبر مراحل متصاعدة نحو مزيد من الاستقلالية وتحمل المسؤولية للأستاذ(ة) المتدرب(ة) (9).
وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن الفهم الجيد لهذا الباراديغم (عملي- نظري- عملي)، يقتضي النظر إليه في السياق العام الذي يوظف فيه، في ظل التغيرات الأخيرة التي طرأت على أدوار كافة المؤسسات التي لها علاقة، مباشرة أو غير مباشرة، بتكوين وتأهيل وتدريب الأساتذة؛ فوفق التصور الجديد لعدة التكوين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، يفترض أن يتم التكوين الأساس للطلبة الوافدين عليها بالجامعة والمعاهد العليا، على مستويي مادة التخصص وبعض المواد المرتبطة بمهنة التدريس كعلوم التربية والديداكتيك والتشريع المدرسي في إطار ما سمي بالإجازات المهنية؛ وبعد اجتياز هؤلاء الطلبة لكل مراحل امتحانات الدخول للمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، يصبحون أساتذة متدربين (10)، ليستفيدوا من سنة من التأهيل المهني ـ وليس التكوين كما جرت العادة على تسميته سابقا ـ، تمثل فيه المجزوءات التأهيلية المنجزة بالمراكز 40 % بينما تشمل التداريب الميدانية بالمؤسسات التعليمية (الابتدائية أو الثانوية بشقيها الإعدادي والثانوي)60 %من زمن التأهيل؛ وبعد اجتياز هذه المرحلة بنجاح، ينطلق الأستاذ المتدرب في مسيرته المهنية معتمدا على التكوين المستمر في تنمية وتطوير كفاياته المهنية …فلا بد إذن من مراعاة هذا التمفصل بين التكوين الأساس بالجامعة والتأهيل المهني بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين رفقة مؤسسات التداريب، والتكوين المستمر بمختلف مؤسسات التعليم المدرسي الابتدائية أو الثانوية؛ وأي خلل في وظائف أي طرف من هذه الأطراف الثلاثة الرئيسة، يؤدي لا محالة إلى خلل في المخرجات المتوخاة من هذه المنظومة التكوينية/التأهيلية.

مهمة المراكز

ولعل أهم ما يرمي إليه الباراديغم الذي نحن بصدده، في ظل التصور الجديد لعدة التكوين بكافة المؤسسات المتدخلة في المنظومة التكوينية؛ هو ترسيخ التكوين الممهنن، وذلك بتحويل أزمنة التأهيل بالمراكز ومؤسسات التداريب إلى أزمنة للتأمل في الفعل، من أجل إدماج مختلف المعارف المهنية، وتطوير «خصوصية معرفة التدريس Savoir-enseigner» ، التي تؤكد على أهمية «المعرفة من أجل التدريس» إلى جانب إتقان «المعرفة المدرسة»، والتمفصل بين المعارف العملية والنظرية.
إنه تكوين يؤكد على خصوصية مهنية التدريس، كممارسة تفاعلية في وضعية بيداغوجية، وفي سياق هادف. لأن التدريس مهنة معقدة ، لا يمكن حصره في مهام أو طرائق أو تقنيات مخطط لها مسبقا، ومطبقة آليا؛ والتكوين الممهنن في هذا السياق، يتخلى عن مثالية الإتقان العقلانية – التي أعطت أكلها في أزمنة سابقة ، قبل حصول التغيرات العارمة التي اجتاحت كافة المنظومات التربوية – لفائدة التكيف المستمر مع الوضعيات المستجدة … وهكذا ننتقل من مدرس يمارس تقنيات إلى مهني محترف ل «معرفة التديسsavoir-enseigner» ، خبير في السيرورات التفاعلية…
نتساءل بعد هذه التوطئة: إلى أي حد استطعنا استيعاب وممارسة هذا البراديغم الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي بنيت عليها عدة التكوين الجديدة؟ وما هي أهم العراقيل التي تحول بيننا وبين الاستفادة من إمكاناته الخصبة المشار إليها أعلاه؟
ولمحاولة الإجابة على هذا السؤال قمنا باستطلاع آراء عينة من الأساتذة المتدربين، بعد خوضهم لتجربتهم الأولى في التداريب (المرحلة الأولى ) في إطار رزنامة التكوين الحالية برسم السنة التأهيلية 2014/2015. وذلك من أجل الكشف عن التمثلات السائدة بمراكزنا – لدى جميع الأطراف الفاعلة فيه مكونين ومرشدين ومتدربين – عن العلاقة بين الجانبين النظري والعملي، وإلى أي حد تساهم مؤسسات التداريب في أجرأة التصور الجديد لتأهيل الأساتذة المتدربين والذي يشكل فيه الباراديغم (عملي- نظري- عملي) عموده الفقري؟
معطيات إحصائية عن المستجوبين:

معطيات إحصائية

مثلت نسبة المستجوبين 27,69 % من كافة الأساتذة المتدربين بمختلف أسلاكهم بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة (المركز)، موزعة بين الأسلاك الثلاثة كما يلي: 46% بالابتدائي، و 25,12% بالثانوي الإعدادي، و 24,35% بالثانوي التأهيلي.
وقد شمل الاستبيان الموزع عليهم أحد عشر سؤالا الآتي:
1- مدى ملاءمة الأنشطة التدريبية للأهداف المسطرة؟
2- مقدار التركيز على تخطيط الوضعيات الديداكتيكية في المحطة التدريبية الأولى؟
3- مقدار الاستفادة من أنشطة الحياة المدرسية؟
4- مدى الانسجام بين التكوين بالمركز الجهوي والتداريب الميدانية بمؤسسة التدريب؟
5- مدى فعالية تأطير المرشدين التربويين؟
6- مقدار مساهمة الأساتذة المتدربين بمجموعتي؟
7- مقدار مشاركتي الفردية؟
8- درجة الرضى والارتياح العامة من هذه التداريب؟
وقد كانت إجاباتهم على هذه الأسئلة وفق سلم تقديري تصاعدي من(0: منعدم أو لا شيء) إلى (5: كثير أو ممتاز)، في حين ظلت الإجابات على الأسئلة الثلاثة المتبقية أسفله مفتوحة:
9- ما هي أهم الجوانب التي راقتك في هذه التداريب؟
10- ما هي أهم الجوانب التي لم ترقك في هذه التداريب؟
11- ما هي أهم المقترحات لتحسين أعمال التداريب مستقبلا؟
ومن أجل استثمار أفضل لنتائج إجابات عينة الأساتذة المتدربين سنقدمها مختصرة عبر عرض معدلات الإجابات على الأسئلة التسعة الأولى باستعمال البرنام الإحصائي (SPSS) لننتقل بعد ذلك لتحليلها قبل التطرق لإجابات عينة البحث عن الأسئلة المفتوحة.

الأسئلة المطروحة

بما أن السلم التقديري لهذه الأسئلة يتراوح بين 0 و5 كالآتي:(( 0:منعدم،و1: ضعيف، و2: ناقص ، و3: متوسط، و4: مستحسن، و5: ممتاز))؛ فإن أول ملاحظة يمكننا استنتاجها من القراءة الإجمالية الأولى للجدول أعلاه هي اعتبار عدم تجاوز عتبة التقدير للمعدل المتوسط المتمثل في الرقم:3 يدل على ضعف قناعة أغلب الأساتذة المتدربين بجدوى التداريب العملية في ظل التصور الجديد لتأهيل الأساتذة المتدربين، وستكشف لنا إجابات أفراد العينة عن الأسئلة المفتوحة اللاحقة، عن الأسباب الكامنة وراء هذا التقدير المتواضع….
وبالعودة لبعض تفاصيل الجدول أعلاه، نلاحظ تدني معدل: (مقدار الاستفادة من أنشطة الحياة المدرسية؟) خلال المرحلة التداريب العملية، حيث وصل ل: 1,35، إذ تراوحت أغلب الإجابات على هذا السؤال بين المنعدم والضعيف. وهذا يعكس مستوى الضعف ـ أو الغياب في كثير من المؤسسات- لأنشطة الحياة المدرسية !. ولنا أن نتصور مدى الانعكاس السلبي لضعف هذا العنصر الفعال على حياة التلاميذ والأساتذة بمؤسساتنا التعليمية، كما لا يسلم أساتذتنا المتدربين من التأثر السلبي بهذا المناخ التربوي الذي تضعف فيه هذه الأنشطة الحيوية …(11)
ويأتي في المرتبة الثانية، ضعف تقدير الأساتذة المتدربين بعينة البحث لمدى الانسجام بين التكوين بالمركز الجهوي والتداريب الميدانية بمؤسسات التداريب؛ إذ وصل لمستوى: (2,52) وهو تقدير تحت المتوسط. ويليه (مقدار التركيز على تخطيط الوضعيات الديداكتيكية)ب (2,7) باعتبار كفاية التخطيط للوضعيات الدياكتيكية أولى أولويات التداريب في هذه المحطات الأولى …(12)
ولعل إجابات أفراد العينة على الأسئلة الثلاثة المفتوحة والمتبقية، هي التي ستكشف لنا النقاب عن الخلفيات التي تحكم تقييمهم لتجربتهم الأولى في التداريب، لنجيب بالتالي عن سؤالنا السابق: إلى أي حد استطعنا استيعاب وممارسة هذا البراديغم (عملي- نظري-عملي) الذي يمثل أحد الأعمدة الأساسية التي بنيت عليها عدة التكوين الجديدة؟
السؤال التاسع: ما هي أهم الجوانب التي راقت أفراد العينة في هذه التداريب؟

الجوانب التي راقت

السؤال العاشر: ما هي أهم الجوانب التي لم ترق أفراد العينة في هذه التداريب؟

الجوانب التي لم ترق

السؤال الحادي عشر: ما هي أهم مقترحات أفراد العينة لتحسين أعمال التداريب مستقبلا؟

المقترحات

استنتاجات :
لعل مقارنة بسيطة بين ما طرحناه في بداية هذه الورقة حول المفهوم الخصب الذي يتضمنه الباراديغم (عملي- نظري-عملي) في ظل التصور العام لعدة تأهيل الأساتذة المتدربين الجديدة بمراكزنا، وبين ما أدلى به الأساتذة المتدربون المستجوبون؛ لكفيل بجعلنا نضع الأصبع على مكمن الخلل: فأغلب الإجابات المفتوحة أعلاه تدل بما لا يدع مجالا للشك أن الباراديغم الذي يحكم تصورات أساتذتنا المتدربين لم تخرج بعد من دائرة النموذج الأكاديمي الكلاسيكي (نظري-عملي) بسبب استعمالهم لمصطلحات كانت تنتمي لذلك النموذج: كمطالبتهم بإعداد مؤسسات تطبيقية نموذجية لإنجاز تداريبهم، والفصل الضمني بين جانبين: مركز تكوين للدروس النظرية، في مقابل مؤسسات التداريب لتطبيق محتويات تلك الدروس… وعدم استساغة أغلبهم البداية بالتداريب الميدانية قبل تدبير الوضعيات التأهيلية بالمراكز…الخ.
ولعل استمرارية حضور الباراديغم السابق في تصورات أساتذتنا المتدربين، في السنة الثالثة لتنفيذ عدة التأهيل “الجديدة” بمراكزنا ! يجعلنا نتساءل عن أسباب هذا التناقض الصارخ المتمثل في سبب استمرارية تحكم النموذج الأكاديمي الكلاسيكي في تصوراتنا ، وتصريفنا لعدة تأهيل بنيت على نموذج آخر؟
لن نكتفي في جوابنا على هاذا السؤال الحارق بتحميل المسؤولية لأطراف دون أخرى؛ فالكل يتقاسمها، بدءًا من المسؤولين على تدبير منظومة تكوين وتأهيل أساتذتنا المتدربين، وانتهاءً بكل الفاعلين في هذا المجال على مستوى مؤسسات التكوين والتأهيل والتدريب.
على مستوى تدبير منظومة التكوين والتأهيل:
 هناك بطء شديد في تنفيد مقتضيات المرسوم المحدث للمراكز على كافة المستويات، وخاصة ما يتعلق منه بالنصوص القانونية المنظمة للتداريب العملية، وأدوار كافة الأطراف المشاركة فيها (مكونون ومرشدون ومفتشون ومتدربون)، بالإضافة إلى التحديد الدقيق لعلاقة المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، كمؤسسات للتعليم العالي غير الجامعي، بوزارة التربية الوطنية، والأكاديميات الجهوية (13)… وهو بطء يجعلنا نطرح حوله عدة علامات استفهام وتعجب، خاصة ونحن في السنة الثالثة من تنفيذ عدة التأهيل الجديدة؟
وعلى مستوى مراكز التأهيل ومؤسسات التداريب:
 ضعف تفعيل الإجازة المهنية بكل المسالك الجامعية … أدى إلى نقص وتفاوت ملحوظ في الموارد المكتسبة (ملامح الدخول) لدى الأساتذة المتدربين، مما يضطر المراكز للعودة لمهام التكوين النظري في كافة التخصصات، تحت ما يسمى بدعم التكوين الأساس، وكذا في باقي المجزوءات الرئيسية الأخرى؛ وهو أمر لا تتيحه المدة الزمنية التي حددت في 40 في المائة من زمن التأهيل. إذ كان من الأفضل التعامل مع هذه المرحلة – التي وصفت بالانتقالية- بتوزيع زمني يراعي خصاص أغلب المتدربين للتكوين الأساسي…
 ضعف التواصل بين الفاعلين الأساسيين في مجال تأهيل الأساتذة المتدربين بالمراكز ومؤسسات التداريب والمفتشين، ويعود في جوانب منه إلى ضعف الترسانة القانونية المنظمة لهذا المجال (14)، من جهة، وعدم الانكباب الجدي والمسؤول لحل هذه المشاكل، بالانخراط في كافة المبادرات الممكنة كالتكوينات المستمرة لهؤلاء الفاعلين في كافة المستجدات المتعلقة بمنظومتنا التأهيلية والتكوينية، وتشجيع البحوث العلمية المساهمة في البحث عن حلول وبدائل قابلة للتنفيذ في هذه المجالات المستعصية.
 صعوبة التخلي عن الممارسات الموروثة من المدرسة التقليدية… من طرف كثير من الفاعلين في هذا المجال؛ وهي من قبيل المقاومات الطبيعية لأي تغيير يفرض على أي جماعة دون توفير شروطه المادية والمعنوية، وهي صعوبات يمكن التغلب عليها بتدبير استراتيجي يعتمد المقاربة التشاركية الحقيقية، والحوافز المادية والمعنوية والتعبئة الفعلية والفعالة للجميع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:
1 ـ هذا المقال في أصله مداخلة قدمتها في اليوم الدراسي المنعقد بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة، في 29 نونبر 2014 حول موضوع ((البااديغم عملي- نظري-عملي؛ إشكالات وحلول)) وتم نشره بالعدد الأول من مجلة ” معارف تربوية العدد الأول 1 ماي 2015″ التي يصدرها المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة/ المغرب.
2 ـ Le mot paradigme tient son origine du mot grec ancien παράδειγμα / paradeïgma qui signifie « modèle » ou « exemple ». Ce mot lui-même vient de παραδεικνύναι / paradeiknunaï qui signifie « montrer », « comparer » construit sur δείκνυμι / deiknumi désigner. Le terme grec et sa signification sont centraux dans le Timée de Platon.in:http://fr.wikipedia.org/wiki/Paradigme
3 ـ غريب، عبد الكريم؛ المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية، الجزء الثاني، مادة باراديجم Paradigme منشورات عالم التربية، الدار البيضاء ، ص.704
4 ـ ولتبسيط هذه الفكرة نورد المثال الآتي: إذا ما نحن عرضنا قطعة لوح خشبي بعرض 40 سنتيم وطول 80 سنتيم على مجموعة أشخاص من أوساط ومهن مختلفة، لنطلب منهم في عجالة: ما وظيفة هذا اللوح في نظركم؟، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن فنانة تشكيلية هو اعتبار قطعة الخشب مشروع لوحة فنية تشكيلية، بينما تعتبره ربة بيت تقليدية أداة لحمل الخبز للفرن “وصلة عجين الخبز”، وقد يعتبره مدرس : أحد جناحي السبورة في حجرة الدرس… والاختلاف هنا مرده لتنوع الباراديغمات التي كونها هؤلاء الأفراد بفعل تنشئتهم الاجتماعية وممارساتهم المهنية حول كافة مجالات إدراكنا …
5 ـ (.Parisot J.C 1990.) أورده: غريب، عبد الكريم؛ المرجع السابق ص704
6ـ (Khuhn,T.S.1992.) أورده: غريب، عبد الكريم؛ المرجع السابق ص 704
7 ـ MARGUERITE ALTET; La relation dialectique entre pratique et théorie dans une formation professionnalisante des enseignants en IUFM: d’une opposition à une nécessaire articulation. In:

http://riviste.unimc.it/index.php/es_s/article/viewFile/48/19

8 ـ ولا شك أن الدراسات الأكاديمية البحتة في كافة العلوم التي لها صلة بالمعارف المدرسية والتربوية تفيدنا في تطوير رصيدنا النظري ليواكب آخر المستجدات العلمية، من جهة؛ كما تساهم – من جهة أخرى- في تحديث ممارساتنا المهنية بفعل النقل الديكتيكي لها من النظري إلى الممارسة العملية…
9 ـ من الأخطاء الشائعة في التداريب العملية للأساتذة المتدربين تكليفهم ـ أحيانا ـ منذ بداية السنة التأهيلية بتحمل المسؤولية كاملة في تدبير بعض الدروس، مما قد ينعكس سلبيا على تطور أدائهم المهني… كما سنشير لذلك لاحقا.
10 ـ ويتقاضون أجرة، بعدما كانت تسميتهم في ظل نظام التكوين السابق “طلبة أساتذة”، حيث كانوا يتقاضون آنذاك منحة ، ويقضون أغلب فترات التكوين بالمراكز، وبعضها بمؤسسات التداريب التي كانت تسمى في أزمة مضت بالمدارس التطبيقية أو النموذجية…
11 ـ ويجدر التذكير بهذا الصدد بأن عدة تأهيل الأساتذة المتدربين خصصت ما لا يقل عن أربع ساعات للاستفادة من أنشطة الحياة المدرسية في كل محطة تدريبية بمؤسسات التداريب، وموازاة مع ذلك توجد من ضمن مجزوءات التأهيل بالمراكز مجزوءة خاصة بالحياة المدرسية. وهذا يدل على الأهمية البالغة التي أصبحت عدة تأهيل الأساتذة المتدربين توليها لتنشيط الحياة المدرسية في جانبيها النظري والعملي…
12 ـ وقد تبين لنا، من خلال الورشات التي نظمها المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة بمناسبة اليوم الدراسي المنعقد به، في 29 نونبر 2014 حول موضوع ((البااديغم عملي- نظري-عملي؛ إشكالات وحلول))، تين لنا أن هناك نقصا في التنسيق بين المكونين والمرشدين التربويين بمؤسسات التداريب، بخصوص الأهداف المحددة بدقة لكل محطة تدريبية على حدة، فيما يسمى بدفتر التحملات… وهذه إحدى الصعوبات التي تعيق تطبيق الباراديغم الذي نحن بصدده، مما يتنافى مع البناء التدريجي للكفايات المهنية للأساتذة المتدربين كما أسلفنا أعلاه.
13 ـ وتجدر الإشارة هنا إلى تقادم النصوص القانونية المعمول بها في هذه المجالات، وقصور بعضها، مما أشاع جوا من الفوضى : فالقوانين الأساسية لمختلف فئات الأساتذة العاملين بالمراكز لا تشير إلى مهمة تتبع تداريب الأساتذة المتدربين بمؤسسات التداريب، مما جعل مساهمتهم في هذا المجال تكتسي طابعا تطوعيا ومحفوفا بالمخاطر (دون تغطية قانونية)… أما أغلب المرشدين التربويين الذين قاموا بالأدوار المنوطة بهم خلال السنة المنصرمة ، فلم يتقاضوا لحد الآن التعويضات الهزيلة المخصصة لهم ، مما جعل الكثيرين منهم يمتنعون عن الاستمرار في أداء هذه المهام “التطوعية”… أما المراكز – بكل مكوناتها- التي تتمكن من إطلاق عملية التداريب في الأوقات المخصصة لها، فتقوم بصولات وجولات مكوكية لمؤسسات التداريب للعثور على الأساتذة المرشدين الذين يقبلون التضحية “لإنجاح” هذه العملية… في غياب الهيكلة القانونية لهذا المجال بضمان حقوق جميع الفاعلين فيه.
14 ـ انظر الهامش السابق.
الإحالات:

– غريب، عبد الكريم؛ المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية، الجزء الثاني، مادة باراديجم Paradigme منشورات عالم التربية، الدار البيضاء .ط 1 سنة 2006.
– Philippe Perrenoud; La formation des enseignants entre théorie et pratique; Paris, L’Harmattan, 1994.

– MARGUERITE ALTET; La relation dialectique entre pratique et théorie dans une formation professionnalisante des enseignants en IUFM: d’une opposition à une nécessaire articulation. In:

http://riviste.unimc.it/index.php/es_s/article/viewFile/48/19

– Former des enseignants réflexifs: Obstacles et résistances ; Sous la direction de : Marguerite Altet, Julie Desjardins, Richard Etienne, Léopold Paquay, Philippe Perrenoud ; Collection : Perspectives en éducation et formation ; in : http://www.lirdef.univ-montp2.fr/node/456

– http://www.mawhiba.org/articles/pages/Details.aspx?str=287,46bc51e2-4c4b-451a-8688-21c444f8fdda http://fr.wikipedia.org/wiki/Paradigme

مجلة معارف بيداغوجية

 

عزيز بوستا

أستـــاذ بــاحث بالمركز الجــهوي لمــهن التــربية والتــكوين بطــــنجة حـــاصل علــى: دكــــتوراه فـــي عـــلوم الـــتربية، ودبـــلوم الــــــدراسات العــــليا فـــي الفلســـفة. شارك في أنشطة متنوعة (علمية وثقافية عامة) في إطار تظاهرات وندوات وموائد مستديرة، من تنظيم جمعيات ومنظمات وطنية ودولية، ولقاءات إذاعية وإعلامية مختلفة... ساهم فــي التــكوين الأســاس والمســـتمر للمـــدرسين وأطـــر الإدارة التــربوية، بكــافة أســلاك التعــليم المــدرسي، فــي مواضيع ذات علاقة بالتربية والتكوين. له مقالات متعددة في الفلسفة وعلوم التربية، بمجلات وجرائد ومواقع إلكترونية مغربية وعربية. (يعاد نشر بعضها بهذا الموقع).

اخر المقالات
‎اضف رد
الرمز الامني اضغط علي الصورة لتحديث الرمز الامني .