حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الثالث

  حوار مع الدكتور محمد المصباحي

حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثالث

نُشر بمجلة(( “الصورة” مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))

 السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء

أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي

&الصورة: أصبحتم معروفين داخل الجامعة المغربية وفي أوساط الباحثين العرب في الفلسفة الإسلامية بانتصاركم لمنهج فريد قوامُه إعادة النظر في مسألة تأريخ الفلسفة. ذلك أن القصد الأول عندكم من تاريخ الفلسفة “هو النصُّ لا سياقه، بل المهم في هذا القصد الأول هو النصُّ ذاته لا معناه بالنسبة لعصره أو حتى بالنسبة إلينا. ومن ثم فإن النظر إلى النص من حيث هو نص يَرومُ الوقوفَ على فعاليته الحية لإنتاج الشكوك وتنويع الدلالات وتفريعها وبناء الاستراتيجيات القولية وتحديثها. ولذلك لن يكون الغرضُ الأساسي من التأريخ الفلسفي هو إضفاءُ هذا اللون أو ذاك على نظريةٍ أو موقف أو إشكالية، بل هو متابعة قدرةِ النص على الدفاع عن نفسه والتعبير عن قضاياه والكشفِ عن تجربة كاتبه المتميزة. أما دلالته على وضع تاريخي أو اجتماعي أو عقائدي معيَّن، فهو أمر يهم علوما إنسانية أخرى أكثرَ مما يهم تأريخ الفلسفة”. (كتابكم: تحولات في تاريخ الوجود والعقل، ص: 315-316).
          بيد أن هذا المنهج، الذي يستنكف عن التاريخ، مجتهدا في التنقيب والبحث عما هو أصيل وعميق في حقيقة النص خارج معطيات زمنيَّتِه السوسيولوجية، لماذا نجده يلوم فلسفة الفارابي مثلا باستنكافها عن التاريخ وعن المدينة، ليطالعنا بخلاصات صادمة مفادها أن فلسفة الفارابي “مضادة للإنسان” (كتاب: من المعرفة إلى العقل، ص: 33)، أو هي “فلسفة ابتلاع الإنسان” (ن. م، ص: 42 و44)؟ ولماذا يلوم فلسفة ابن باجة أيضا، لنفس الاعتبارات السالفة، واصفا إياها بكونها “فلسفة عدمية” (ن. م، ص: 116)، وبأنها “لا مدنيّة لكونها تَنشُد التوحُّدَ، ولا تاريخيّة بحكم ارتباطها بالمطلق، ولاأخلاقية لأنها تدَّعي أنها توجَد فوق القيم والفضائل، ولا معرفيّة نتيجة سعيها نحو الحقيقة، ولا إنسيّة لأن الذي يهمُّها ليس هو الأنا في كائِنِيَّتِه وفعاليته، بل هو الأنا حين يَتحول إلى كينونة عقلية خالصة” (ن. م، ص: 125
          الحقُّ أننا قد نتفهم انتقاداتٍ من هذا القبيل كانت تَصْدُر عن مناهج مغالية في مُنافَحَتها للنزعة التاريخية، لكننا نجد صعوبة كبيرة في فهمها من جانب منهجكم الذي يبدو أكثر تفهما واقترابا من عمق التجربة الفلسفية والوجودية لمثل هذه الفئة من الفلاسفة.
ألا يمكن اعتبار الدعوة إلى التعالي عن التاريخ وعن المدينة، حين يلوثها تسلط القيم والمعارف الجمهورية اللافلسفية، بمثابة جرأةٍ فلسفية تؤمِّن للذات حصانة في مواجهة جبروت اللاعقل؟ وبعبارة أخرى ـ نستأذنكم في استعارتها من روح منهجيتكم ـ ألا يمكن أن نرى في دعوةٍ مِن هذا القبيل رغبة جامحة في شق معالم “استراتيجية قولية جديدة”؟
 
p د. المصباحي: أود في البداية أن ألفت الانتباه إلى ضرورة مراعاة زمن الكتابة. ومع ذلك عندما كنت أُصدر الأحكام على هؤلاء الفلاسفة فليس من أجل لومهم وتوبيخهم، بل لأنوه بتجربتهم، بجرأة ابن باجة والفارابي في تخلصهما من المدينة ولوازم المدينة، لتوسيع مجال الحرية وفضاء القول المستقل عن الجمهور وعن السائد في مجتمع ما. وعندما أصف تجربة ابن باجة بأنها تجربة “عدمية”، فإنني لاأفعل ذلك من أجل انتقادها، بل من أجل تقريبها من التجربة الوجودية الحديثة، من أجل الترويج لقول ولخطاب فلسفي يكون غاية لذاته، لا غاية لسلطةٍ من السُّلط الإيديولوجية أو السياسية. إن هذا تنويه بمثل هذه التجارب. وهذا هو معنى الدعوة إلى منهج يَنظر في الجانب الفعال من النص، أي باعتباره دينامية خلاقة تنتِج نفسَها من أجل نفسِها، من أجل خلق كائنات ومفاهيم ومبادئ فكرية، من أجل خلق فضاءات للإبداع وأوراش للنقاش. وقبل ذلك وبعدَه من أجل صياغة أسئلة جديدة لم يكن لنا عهد بها… لكن في نفس الوقت إذا كنتُ أقف ضد كل نزعة تشجع على الخضوع للسلط، فليس معنى هذا أنني أتساهل في التخلي عن الإنسان في سبيل المطلق.
القصدُ إذن من دعوتي إلى عدم الركون إلى النظر إلى النص الفلسفي من خلال سياقه أو من خلال المدينة إنما هو تعبير عن غِيرة على الفلسفة من أجل أن تكون مستقلة عن كل السُّلط، و من أجل أن لاتستجيب لرغباتٍ جاهزة وقبْليّة يفرضُها سوقُ “التداول الفكري”. ينبغي أن يكون القولُ الفلسفي مستقلا عن هذه السوق، وهذا هو شرط ريادته وقدرته على التعبيئ وقيادة الأجناس القولية الأخرى.
لقد تم تجريب القول الإيديولوجي ـ وما زلنا نكتوي به ـ هذا القول الذي أدى في نهاية الأمر إلى الإفلاس بكيفية مروعة وعلى نحو شامل لم نحصد منه غير خراب المدينة والذات. قد تكون الفلسفة في كنهها محتاجة إلى هذا الفشل وهذا الشقاء من أجل أن تنطوي على نفسها وتفكر وجها لوجه في الوجود في معزل عن السلط والقيود التي ينتجها التاريخ من أجل إنتاج رؤى جديدة تغذي أحلامنا من جديد. فالإنسان لايستطيع أن يعيش بدون حلم، لأنه امتداد لجسده ووجودِه. وسببُ فشل القول الإيديولوجي هو أنه خاطب الذاتَ التاريخية، وفي مخاطبته لها خاطب النخبة في الذات السياسية، وفي مقابل ذلك تم نسيان الذات الفردية. إننا هنا والآن محتاجون إلى “أنوات” فردية، لا إلى “أنا” جمعي ينوب عن الكل. وهذا لن يتحقق إلا إذا تخلصنا من ثقل الآني، ثقل السلط التي أرهقتنا بمطالباتها اللامتناهية بالطاعة .
 
&الصورة: تستحضرون دائما أثناء مجهودكم النقدي تجاه التراث العربي تحقيقَ مقصدين استراتيجيين متوازيين ومتكاملين: استنطاق النص الفلسفي في نصِّيتِه وتفكيك عناصر ديناميته النظرية الداخلية بما هو خلاصة خصبة تعكس جدلَ علاقته المتوترة بشتى مكونات تاريخ ذاكرته الفلسفية من جهة، وهو ما يمكن تسميته بلحظة الاتصال أو التواصل مع النص لجعله يبوح لنا بمكنوناته وبواطنه؛ ثم العمل، من جهة أخرى، على استفزاز هذا النص القديم عبر الزَّجِّ به في معمعة سؤال أو أسئلة الحداثة لبيان حدوده، وكذا لإخصاب ما ينطوي عليه من إمكانات ظلت سجينة دائرة المنسيات واللامفكر فيه (Impensables)، وهو ما يمكن تسميته بلحظة الانفصال التي يشير إليها تواترُ أسماء أعلام الحداثة والمعاصرَة الغربية: ديكارت، كانط، سبينوزا، هيجل، فرويد، هيدجر
          بيد أنه على الرغم من أن العملية الأولى تستغرق معظم مجهودكم، بحيث لاتحضر العملية الثانية إلا في شكل إشراقات ولمع خاطفة غالبا ما تكون في خواتم أبحاثكم، فإننا نلاحظ أن حضورها يظل حاسما وموجِّها بالنظر إلى أن الهزات العميقة التي بلورتها الحداثة الفلسفية المعاصِرة عبر ثوراتها المتراكمة تبدو بالنسبة إليكم حقائقَ حاسمة لارجعة فيها؛ بل “إن ما نشعر به، ونحن نقرأ الخلاصات النقدية التي يعلق بها د. المصباحي على المذاهب الإسلامية، هو أن نقطة الانطلاق عنده تصبح هي الإشكالات الفلسفية المعاصرة، حيث يتم انطلاقا من هذه الإشكالات اتخاذ مواقف من مذاهب الماضي” (محمد وقيدي: الدلالة وبناء المذاهب الفلسفية، العلم الثقافي، 30/12/1995، ص: 8).
          ألا ترون أن هذه الوضعية تجعل موازين القوى مختلة وفي غير صالح النص الفلسفي القديم، خصوصا وأنكم تكتفون بالإلماح إلى بعض أطروحات الفلسفة الغربية المعاصِرة دون إخضاعها لذلك النمط من النقد العلمي الصارم الذي يَطبع تعاملكم مع التراث العربي، وأن الأمر يؤول إلى نوع من الحوار اللامتكافئ بين مقولاتٍ فلسفية معاصِرة مازالت متوهِّجة وواعِدة وتمتلك طاقات خصبة لم تستنفَذ بعد، وبين نص تراثي أضحت كثيرٌ من مقولاته وبديهياته في ذمة التاريخ؟
 
p د. المصباحي: الملاحظة المنهجية التي طرحتموها في هذا السؤال، والمتمثلة في فقدان التوازن بين الاتصال والانفصال في منهجية مقاربتنا للنص، ملاحظة وجيهة ودقيقة. لقد فهمتُ من سؤالكم أنكم تطالبون بضرورة إعادة التوازن بين عنصري الاتصال والانفصال بإخضاع الفلسفة الحديثة والمعاصرة نفسِها لنوع من النقد والمراجعة كما نفعل بالنسبة للنص الفلسفي العربي القديم.
أعتقد بأن مشكلتنا بالنسبة لتاريخ الفلسفة العربية الإسلامية هو أننا لم نقم بمسعى الاتصال مع النص مباشرة بما فيه الكفاية. المجهودات التي أقيمت كانت تدور في الغالب على محاولة استخلاص معاني النص بالنسبة لعصره من أجل خدمة أغراض عصرنا، بينما ظلت محاولات الدخول في حوار مع النص قليلة جدا. طبعا، هذا الحوار فيه مخاطرة، لأن اتخاذ جانب الاتصال بالنص أو التماسِّ معه، قد يؤدي بنا إلى الحلول فيه، فنصبح مجردَ ناطقين باسمه وبأجوائه الوُسْطوية والسكولائية. لكن الانفصال عن النص بصفة نهائية والنظرَ إليه من خلال الإشكاليات الفلسفية الحديثة والمعاصرة قد يجعلنا في المقابل نُنطِق النصَّ بما لم يكن له عهدٌ به. الموقفُ العدلُ بالنسبة لنا هو الذي ينطلق من افتراض أن النص القديم ـ كأي نص كان ـ يحتوي على إمكانيات غير منتظـَرة، وعلى أفكار توجَد بالقوة، أو على أفكار توجَد بالفعل ولكن في منتصف الطريق. فالمطلوبُ منا، نحن أبناء هذا الزمن، أن لانواجه هذا النص حفاةً عراة، بل أن نحاول الاتصالَ به انطلاقاً من خلفية فلسفية ومنهجية معاصِرة. نعم، لهذا التواصل مقصد علمي هو التعرفُ على طبيعة الفكرة كما هي في سياقها النصي. ولكن هذا المقصد لا يكفي، بل لا بد من إنجاز مطلب آخر ذي طبيعة فلسفية، وهو تطويرُ النص القديم بفتح أقواس وآفاق وخروم في داخله، وذلك من أجل أن يَستثيرَنا لحل مشاكلنا أو للاستمرار في التفكير من خلال مَوْقِعِنا.
أما عن الجانب الأخير من سؤالكم، وهو لماذا نكتفي بالمصادرة على الأوجه المشرقة للفلسفة المعاصرة دون الدخول معها في حوار ونقد وفحص علمي، فينبغي أن أعترف لكم بأن هذا المشروع وارد، وإن كنت أعتقد بأن إنجازَه لا يمكن أن يكون بنفس المعاملة التي عاملتُ بها النصوصَ القديمة. والسبب في ذلك أنني لا أومن بمنهج المقارَنة في الفلسفة وإنما بمنهج الإيقاظ، إيقاظ أفكار وعناصر للتفكير موجودة في نصوصنا. فعدم التكافؤ الذي تحدثتم عنه هو واقع موضوعي ولا يمكن تجاوزه بإرادةِ المقارَنة وكَيْلِ النصوص القديمةِ والمعاصِرةِ بنفس المِكيال.  فالعُدَّة الفلسفية في نصوصنا القديمة قد تكون ما زالت صحيحة، لكن أساسَها الثقافي ولَّى ولا يُمْكن بعثُ الروح فيه من جديد.
 
&الصورة:  ثمة أطروحة مركزية مافتئتم تؤكدون عليها باعتبارها فيصلَ تفرقةٍ إبستمولوجية بين تيارين أساسيين خَيَّما بظلالهما على تاريخ الفلسفة الإسلامية بشتى تلاوينِه ومذاهبه، وهي القولُ بوجود تعارض مبدئي بين ما تسمونه بتيار “مشائي منحرف” (كتابكم: “تحولات في تاريخ الوجود والعقل”، ص: 214)، يتزعمُه الفارابي وابن سينا، يَرفع شعار فصل الوجود عن الماهية ويقول بعرضية الواحد، في مقابل ما تسمونه بتيار “مشائي مخلص”، يتزعمه ابن رشد، يَرفع شعار وحدة الماهية بالوجود، ويقول بذاتية الوجود.
          الواقع أن هذه الأطروحة تذكِّرُنا بأطروحةٍ شهيرة طالما دافع عنها الأستاذ د. محمد عابد الجابري، وهي أطروحة “القطيعة الإبستمولوجية التي تمس المنهجَ والمفاهيم والإشكالية” (د. محمد عابد الجابري: نحن والتراث، ص: 212) بين فلسفة مشرقية أفلوطينية غنوصية قائمة على قياس الغائب على الشاهد وبالتالي على دمج الدين في الفلسفة من جهة، وبين فلسفة مغربية مشائية برهانية قائمة على مناهضة ذلك القياس وبالتالي على الفصل الإبستمولوجي بين مجالي الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية.
          نود أن نغتنم مناسبة هذا الحوار لنَعرف منكم عناصرَ وحدود الاتصال والانفصال الممكنة بين الأطروحتين
 
p د. المصباحي: لايمكن للمرء عندما يعاين عن كثب التيارات والاتجاهات المذهبية في العصور الوسطى إلا أن يعترف بوجود اختلافات بين هذا الفيلسوف أو ذاك، وبين هذه المدرسة أو تلك. فكل متتبع لفلسفتي الفارابي وابن سينا لا يملك إلا أن يسجل بنوع من الإعجاب إرادتَهما في الانفصال عن أرسطو والأرسطية وتأسيسَ أفق فلسفي خاص بهما. لكنني عندما كنت أنعت منتوج إرادة الخروج عن الأرسطية “بالمشائية المنحرفة”، فليس لغرض لوم الفارابي وابن سينا، بل لغرض المدح غير المباشر، لأن الانحراف أحيانا عن المذهب هو الذي يسمح للفيلسوف بأن يغامر بأسئلة جديدة وبطروحات جديدة وبخلق مناخ فلسفي جديد. وهذا بالفعل ما حَصل بالنسبة للفيلسوفين المذكورين. فابن سينا يُعتبَر فيلسوفا جباراً لأنه استطاع أن يؤسس لنظر فلسفي جديد قائم على عرضية الوجود على الذات وانفصال الماهية عن الوجود.
إذن كلما انحرفنا عن المنبع وانفصلنا عن الأصل  ـ ولكن بعد استيعابه ـ استطعنا أن نحقق ذلك الاستقلال الذي يمَكِّننا من الأداة الفلسفية التي ننشئ بها أقوالا جديدة. إذا خُيِّرتُ بين المطلب العقلاني والمطلب الإبداعي فقد أفضل هذا الأخير. فالمطلب الإبداعي في مجال الفلسفة لايقل أهمية بالنسبة لي عن المطلب العقلاني، بل إني، أكثر من ذلك، أفضِّل المطلبَ الإبداعي حتى ولو رَكِبَ مَرْكَبا لاعقلانيا، فقد أفضِّل نيتشه أو شوبنهور على كانط أو سبينوزا. لأن الفلسفة بنحو ما هي تلك القدرة على تغيير بل وزلزلة المشهد القولي الدلالي لأسماء الفلسفة، وليست القدرة على الوفاء لخط مذهبي معيَّن. إني أفضل رجلا مثل الملا صدرا الشيرازي الذي استطاع فعلاً أن يحقق خروجَه من الأفق الأونطولوجي الأرسطي عندما أدرَج الحركة تحت مقولة الجوهر، ففتَح بذلك إمكانية التغيير حتى على صعيد ماهيات الأشياء. أقول إني أفضل مثل هذا الرجل على من يَستنكر عليه جعلَ إحدى لواحق الوجود في مرتبة الجوهر، لأن في ذلك تهديدا لقانونية الأشياء وضرورة الطبيعة. إن الانقلاب الذي أحدثه الشيرازي في ميدان الفلسفة الإسلامية من شأنه أن يؤدى إلى جعل الحركة جوهرَ الوجود بدل اعتبارها عَرَضا من أعراضه. ولم يكن للشيرازي أن يتأتى له هذا التغيير في المشهد الفلسفي لولا استمدادُه من نور العرفان. الأمر الهام بالنسبة لي هو أنه أبدع مفهوما جديداً للوجود قريبا منا، وجود من النوع السيّال الذي لا تنفصل فيه الحركة عن الزمان. ونفس الأمر يقال بالنسبة لفصل الماهية عن الوجود أو ربطها به، فأطروحة عرضية الوجود بالنسبة للماهية قد تبدو أكثر خصبا من القول بوحدتهما. ليس معنى هذا أننا صرنا ننتصر للعرفان على حساب المعرفة، أو نفضل اللاعقلانية على العقلانية، وإنما غاية ما في الأمر اقتناعُنا أنه من الأجدى فتحُ كل الأبواب والمنافذ على الخَلق والإبداع. وكلامي هذا ليس موجَّهاً لأحد، فأنا أقدِّر المجهود الهائل الذي قام به الأستاذ الجابري في تغيير وجه دراسة التراث الفكري العربي، والفرضيات الخصبة التي حَرَّك بها البحثَ في هذا المجال. لقد راهن الجابري على العقلانية كمكيال للتمييز بين أنصار التقدم وأنصار التبعية والتقليد، غير أن المثال الذي ضربناه يبرهِن كيف أن الفكر العرفاني يمكن أن يكون أكثرَ قدرة على ممارسة القطيعة من الفكر البرهاني.
 
&الصورة: ورد في مؤلفكم “تحولات في تاريخ الوجود والعقل” أن “القول بمفارَقة العقل ووحدتِه وارتباطِه الصميمي بالوجود وبالبرهان، أفضى بالتراث إلى تصور صُوري جامد للعلم أو للحقيقة وإلى تقديس السلطة المعرفية، التي أدت على صعيد المقارَبة إلى التعلق بالتفسير بدل الميل إلى التجاوز والإبداع”. فهل استطاع الفكر العربي المعاصر تجاوز هذه الرؤية لركوب غمار التجاوز والإبداع؟ أم أنه مازال خاضعا لتأثير عقلانيتنا التقليدية العاجزة عن صياغة أفق جديد لفكرنا وحياتنا؟ أم أن سيطرة حضارة الغرب ـ التي نعيش على هامشها ـ على كافة الوسائل التقنية والعلمية والتي تجعله في المركز والصدارة، لاتسمح لنا بتجاوز تبعيتنا لها على كل الأصعدة؟
 
p د. المصباحي: دعني أقول لكم بصراحة إن سؤالكم هذا هو من جهة سابق لأوانه، لأننا لا نستطيع أن نقارن بين فكر وصل إلى مرتبة الربط الصميمي بين الوجود والعقل، وبين فكر يبحث عن وجوده وعقله! إننا الآن مازلنا نعيش مشكلة استعمال العقل في النظر إلى الوجود، هذه المشروعية التي صارت مهدَّدة يوميا، وخاصة في هذه الأزمنة الأخيرة، فأحرى أن نتكلم عن محاولة تجاوز الربط الصميمي بين العقل والوجود.
لكن سؤالكم من جهة أخرى يَطرح ضرورةَ الفصل في تشخيص الفكر العربي المعاصر بين حدي التقليد والتجاوز، سواء بالنسبة لعقلانيتنا التقليدية أو بالنسبة لحداثة الغرب .
يجب الاعتراف منذ البداية ورفعاً لأي التباس أن العقلانية التقليدية لم تعد نافعة، لم تعد قادرة على أن تكون حاملة لمشروع حضاري فأحرى ثقافي. لقد انتهى الأساسُ الحضاري لوجودنا ولا يمكن أن يعود. ولذلك نجد حتى أولئك الذين ينادون علناً بالاكتفاء الذاتي بالتراث حضارةً وثقافة فيما يسمونه بجوانبه المشرقة، يضمرون شيئا آخر في قرارة أنفسهم وأثناء ممارستهم الفعلية. فالحضارة الغربية ـ ورديفتها الثقافة ـ موجودة هناك ولايستطيع أي أحد الاستغناءَ عنها أو تجاهلها أو إزاحتها من الطريق. ومن ثم فلا يمكن أن نبدع وأن نفكر إلا داخلها وفي طريقِها. إن التلويح بتقديم بديل حضاري وثقافي وتنموي للحضارة الغربية هو من باب الأوهام والتخاييل المريضة التي لا يمكن أن توضَع اليوم في برنامج أمة من الأمم، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بخطابات سياسية وإيديولوجية يُقصَد منها الاستهلاكُ واستثارة أحلام الجماهير لاستجلاب أصواتها من أجل السيطرة على السلطة. إذن لم يعد فكرنا العربي خاضعا لما سميتموه بعقلانيتنا التقليدية.
لقد فَهمتِ الطلائع الأولى من المفكرين العرب هذا الوضعَ جيداً، ولذلك وجَدناها تَعكف على الانخراط مباشرة في تجربة فكرية رائدة غيرَ مُقِيمةٍ وزناً للثقافة التقليدية. هكذا بدأ الإنتاج الفلسفي يَظهر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي هذا الصدد أتذكر الوجودي عبد الرحمن بدوي، والشخصانيين محمد عزيز الحبابي ورينيه حبشي، والتوماوي يوسف كرم، والبرغسوني نجيب بلدي، والوضعي المنطقي زكي نجيب محمود… الخ.
ولكن ما فتئتِ الرِّدة عن الفلسفة قد انتشرت، لتطغى على الإنتاج الفلسفي الاهتماماتُ السياسية والإيديولوجية. ولكن الساحة الثقافية شهدت في مقابل ذلك  ازدهارَ الكتابة في العلوم الإنسانية الذي سَلب من الفلسفة جانبا من دورها في مقابل تدعيمها على نحو غير مباشر. إن الإبداع الفلسفي في العالم العربي ما زال يشق طريقه، لكن آفات الإيديولوجيا وسوق العمل وغير ذلك من الأمور المرتبطة بالسياسة تحول دون اللحاق بالركب الفلسفي العالمي. إن الخوف من الفلسفة يترجـِم في الحقيقة خوفا من مواجهة الذات، من استعمال الفكر والعقل، من التصدي للمصير بتحدّ ومسؤولية. لقد صارت ممارسة الفلسفة في العالم العربي اليوم وكأنها ممارسة للتطبيع مع الغرب! إنها نفس الإشكالية التي كان يعاني منها فكرُنا في القديم عادت للظهور، وهي إشكالية علاقتنا بالآخر. ومن جديد لايمكن الخروج من هذا الإشكال إلا بالحل الذي قدَّمه كل من الكندي وابن رشد كلٌّ بطريقته الخاصة: النظرُ إلى علاقتنا بالآخر من خلال الحقِّ. فلا وجودَ للآخر في الحقِّ!
 
&الصورة: ما فتئتم في السنوات الأخيرة تبدون اهتماما خاصا بالفكر الصوفي، كما نلمس ذلك مثلا في تلك القراءة المشرقة لجانب من رباعيات سيدي عبد الرحمن المجذوب والقطب مولاي عبد السلام بن مشيش (بحثكم: “من تجاهل الشخص إلى مناهضة الكائن” المنشور ضمن كتابكم: “تحولات في تاريخ الوجود والعقل” ص ـ ص: 292-311)، وكذا بحثكم: “حول فشل لقاء الشعر والفلسفة بالتصوف” (مجلة “فكر ونقد”، عدد6، فبراير1998).
فهل كان في إمكان فلسفة ابن رشد، والفلسفة العربية الإسلامية عموما، أن تتفادى ما أشرتم إليه من فشل اللقاء بالتصوف؟ والحال أنها فلسفة التزمت ـ بدرجات متفاوتة ـ بالتقليد المشائي القائم على البرهان وعلى المنطق الصوري…؟ وبما أنكم في خاتمة بحثكم الأخير تثمِّنُون اللقاءَ بين الفلسفة والتصوف، فما الذي يمكن أن تستفيدَه الفلسفة من التصوف؟
 
p د. المصباحي: بالفعل، أجد نفسي هذه الأيام، وبعدما أخذت جرعة قوية من العقلانية، أنزاح شيئا فشيئا عن أرض العقل والعقلانية للمغامرة في أرض الخيال، أرض القلب. إنه لامفر من لقاء الفلسفة بالتصوف، إنه لقاء قدَريٌ، قد يَفشل أحياناً، قد يكون ماكرا وفيه كثير الحجابات غير المرئية، ولكنه مع ذلك منذور أن يكون.
إن التجربة الصوفية مغرية لاسيما إذا كانت لا سقف لها يحميها أو يَحدُّ من جموحها. إنها تجربة مُغرية لأن اللغة فيها تلتبس بالوجود، والإنسان بالمطلق؛ مُغرية كذلك لأن الطريق فيها قد يكون أفضلُ من الوصول، أو لأنه في نقطة الوصول قد يكون الواصلُ هو الوصول. إن التجربة الصوفية طريق من بين طرق نحو الفلسفة، طريق في قلب الوجود يسير نحو الوجود. إنها تجربة مغرية لأن الوجود فيها ملتبس بالخيال إلى حد يَصير فيه الخيال جوهرَ كل وجود. إنها تجربة رُؤْيَويّة تحوِّل الوجودَ إلى مرآة، إلى حلم، إلى صورة صادرة عن الذات ومنعكسة عليها. فتَصير الذاتُ في هذه التجربة هي ذلك المجال الشفاف الذي تَظهر فيه الأشياءُ والموجودات. أليس الفرقُ بين الفلسفة والتصوف هو الفرقُ بين النظر والرؤية؟ لكن النظر لايَسمح بالحلم، وحتى إذا سَمح به فإنه يتحول إلى كابوس، في حين تسمح الرؤية بالحلم في زمن نهاية الأحلام!
إن التصوف يَسمح للخائض فيه برؤية هيراقليطية للكون، رؤيةٍ تمكِّنُه من حرية أكبر حيال السقوف والسدود المفهومية والقولية الحابسة لجريان الفكر، حرية تحث على خرق العادة في القول والفعل. إن الجانب القوي من العقل هو بالضبط جانبُه الضعيف، فالصرامة في الاستدلال والانسجامُ في مراعاة المبادئ والمقدمات قد يؤديان إلى إجهاض فعل التوليد الدلالي والقولي، في حين يدفعك التصوف، الذي يستمد عُدَّتَه من الخيال، نحو القيام بمغامرات دلالية قد لاتخطر على البال.  
 
&الصورة: يشعر القارئ المتتبع لمسيرتكم العلمية الطويلة ولاجتهاداتكم الفلسفية الرائدة وكأنكم بصدد بلورة هادئة ومتأنية لمشروع نظري متكامل يستوعب جُماع التجربة الفلسفية العربية، أو تجربة الخطاب الفلسفي بالغرب الإسلامي على وجه التدقيق، في شتى تجلياته ومكوناته الصوفية والعلمية والكلامية والفلسفية؛ وكأن أبحاثكم المونوغرافية الدقيقة بصدد إشكالات العقل والوجود والإنسان إنما هي مقدماتٌ واعدة، بما تفتحه من آفاق رحبة ومن جرأة على استشراف أسئلة نوعية مغايرة، تبشر بإنجاز مشروع فلسفي طموح يُثري ما هو متداوَل حاليا من مشاريع علمية.
ـ هل تتفقون معنا في أن أبحاثكم تروم تحقيقَ هذا الاتجاه؟
p د. المصباحي: إن فضل مثل هذا الاستجواب المستوعِب واليقظ أن ينبِّه المعنيَ بالأمر إلى كليةِ إنتاجه، بصعوباته وتناقضاته وتطوراته والآفاق التي يمكن أن يَفتحها. نعم، إنني ما زلت في هذه المرحلة متعلقاً بالنص، بعد أن كنتُ متعلقاً بالمدينة وبما يَليها، لِما أجدُه فيه من قدرة على خزن الوجود والمشاغَبة عليه. وسيأتي الوقتُ الذي سيَكون عليَّ فيه أن أنتقلَ من النص إلى الوجود، للعودة عبرَه إلى المدينة. من مغارةٍ إلى مغارةٍ، من مغارةِ المدينة إلى مغارةِ النص، وكأننا لا نُطيقُ شمسَ الوجود، فنكتفي بالنظر إليه من وراء حجاب.  
&الصورة: لو التمسنا منكم التفضلَ بكلمة تقويمية نقدية في حق التوجه الثقافي العام الذي اختارته المجلة، فماذا تقولون؟
p د. المصباحي: إن الأمر الذي أثارني في مجلتكم، والذي بُحت به لعدة أصدقاء، هو هذه الإرادة القوية والثابتة التي تقف وراء هذا المشروع الواعد، لأنني أعلم بأن هناك مؤسسات وجمعيات ومنابر تقف وراءها جهات قوية تتلقف منها أشكالا مختلفة من الدعم، ومع ذلك لا تستطيع أن تصدر مجلة بهذا الرونق، وبهذا التنوع والعمق، وبهذه النظرة الواضحة إلى المجال الثقافي. إن الإرادة المحرِّكة للمجلة تبعث على الدهشة وتبشر بالخير. إن صدور هذه المجلة عن هذه الطاقات الشابة يبرهن أن المجتمع المدني في بلدنا ما زال حيّاً، وأن الإرادات الفردية قادرة، بإيمانها وتفانيها، على أن تؤسس في هذا البلد تيارا ثقافيا وتقليدا فلسفيا فاعلاً. فهذا هو الجانب الذي أعجبتُ به، بغض النظر عن محتويات العدد الأول، فالأملُ وطيد في أن تستمر هذه الإرادة، إرادة التحدي والخَلق.
أما بالنسبة للمحتويات وللتبويب، فأعتقد أن جعل المجلة منفتحة على آفاق متنوعة من أدب وفلسفة وفنون، وفتحَها أمام اللغات الحديثة له أكثرُ من دلالة حضارية. وأود هنا أن أشدد على رمزية الأرض التي تَصدر منها هذه المجلة، وهي مدينة القصر الكبير، التي هي جزء مما يمكن أن أسميه بـ”الأندلس الكبير” الذي يبتدأ من قرطبة أو من جنوب مدريد وينتهي في أرض لوكوس، هذه الأندلس التي تشكل تجربتها الثقافية والتاريخية نموذجا فذا للقاء الثقافات ولحوار الحضارات وللتعايش بين مختلف ألوان التفكير وأجناس القول.
 
 
 
                        أجرى الحوار: محمد الشلي/ عزيز بوستا.

 

عزيز بوستا

أستـــاذ بــاحث بالمركز الجــهوي لمــهن التــربية والتــكوين بطــــنجة حـــاصل علــى: دكــــتوراه فـــي عـــلوم الـــتربية، ودبـــلوم الــــــدراسات العــــليا فـــي الفلســـفة. شارك في أنشطة متنوعة (علمية وثقافية عامة) في إطار تظاهرات وندوات وموائد مستديرة، من تنظيم جمعيات ومنظمات وطنية ودولية، ولقاءات إذاعية وإعلامية مختلفة... ساهم فــي التــكوين الأســاس والمســـتمر للمـــدرسين وأطـــر الإدارة التــربوية، بكــافة أســلاك التعــليم المــدرسي، فــي مواضيع ذات علاقة بالتربية والتكوين. له مقالات متعددة في الفلسفة وعلوم التربية، بمجلات وجرائد ومواقع إلكترونية مغربية وعربية. (يعاد نشر بعضها بهذا الموقع).

اخر المقالات
‎اضف رد
الرمز الامني اضغط علي الصورة لتحديث الرمز الامني .