نقد ابن رشد لـ”فيزياء” المتكلمين

نقد ابن رشد لـ”فيزياء” المتكلمين

د. عزيز بوستا

مقال سبق نشره بمجلة(( “الصورة” مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))،
السنة الخامسة، العدد الخامس، شتاء 2003. دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب.

تعتبَر نظرية الجزء الذي لا يتجزأ من أهم الأسس التي قامت عليها تصورات المتكلمين لكل الظواهر الطبيعية، حيث استندوا عليها، إلى جانب نظريات ومفاهيم أخرى، لتفسير كيفية كون وفساد واستحالة وتغير كل الأشياء الطبيعية الواقعة في هذا العالم. لذلك ارتأينا أن نبدأ في تبيُّن معالم التصور “الفيزيائي” للمتكلمين بعرض هذه النظرية من خلال قراءة ابن رشد وانتقاده لها، وبمساعدة بعض النصوص الكلامية وبعض الدراسات الحديثة في الموضوع.

نظرية الجزء الذي لا يتجزأ لدى المتكلمين:
يَرى المتكلمون أن كل “المخلوقات” تنقسم إلى أجزاء لا تتجزأ، “سواء أكانت أجساما أم أعراضا أم مكانا أم زمانا. وكلُّ حادث يقع في الزمان، فهو ينقسم إلى أجزاء منفصلة بعضُها عن بعض تمام الانفصال” (1). و يَرى المتأخرون منهم أن الأعراض لا تَبقَى زمانين، وأنها تخلق في كل وقت (2).
ويختلف تصور المتكلمين المسلمين للأجزاء التي لا تتجزأ عن تصور الذرِّيين اليونانيين لها؛ فإنْ كان ديموقريطس وأبيقورس في نظريتهما الذرية يَفترضان “أن الطبيعة تَعمل مِنْ تلقاء نفسها، وأنها تفسِّر ذاتَها بذاتها دون تَدَخُّل من الله” (3)، فإن المتكلمين المسلمين، لجأوا إلى هذه النظرية لإثبات القدرة الإلهية (4)، كما وُظفت من طرفهم لإثبات “حدوث العالم” كمقدمة ضرورية لإثبات وجود الله ووحدانيته ومخالفته لكل المخلوقات (5). وهذا ما دعا ابن باجة إلى القول بأن نَظر المتكلمين في الأجزاء التي لا تتجزأ لم يكن نظرا طبيعيا محضا؛ أي لم تكن غايته البحث في أسباب “الأمور الطبيعية”، بل كان وسيلة لمناقضةِ خصومهم (6).
وقد قام ابن رشد، بالكشف عن تناقضات هذه النظرية والمُحالات اللازمة عنها من خلال:
* إظهار عجزها عن تفسير التغيّرات الحاصلة في العالم الطبيعي.
* نقد القول بتناهي قِسْمَةِ الأجزاء التي لا تتجزأ.
* وتبين فشل توظيفها في إثبات حدوث العالم.
فبخصوص النقطة الأولى، يَرى ابن رشد أن نظرية الجوهر الفرد هذه عاجزة عن تفسير كل ظواهر التغيّر في عالم الكون والفساد، سواء كانت هذه التغيرات جوهرية أو عَرَضية، وذلك بسبب عدم قابلية الأجزاء التي لا تتجزأ للفعل والانفعال والاستحالة (7)، لأنها لا ترتبط ببعضها سوى بعلاقةِ تَجَاوُر، ولا تتألف الأجسام منها إلا باجتماعها أو ائتلافها (8). فمن شأن أيِّ تغير يَلحق هذه الأجزاء التي لا تتجزأ أن يهدِّد بانقسامها، سواء كان ذلك التغير لاحقا بالجوهر الفرد بمفرده، أو كان لاحقا له مِنْ جهةِ علاقته بجواهر أخرى. ففي الحالة الأولى يَلحقه الانقسام لأن الجوهر الفرد “إنْ قبل التغيير كان مُرَكّبا من مادة وصورة، وكلُّ مُرَكّب من مادة وصورة فهو منقسم” (9). أما في الحالة الثانية، فإن أيَّ تأثير يقع على الجوهر الفرد مِنْ قِبَل جواهرَ أخرى، يقتضي منها (مِنْ هذه الجواهر كلها) أن تكون مُتَمَاسَّة. وإنْ جَوَّزْنا تَمَاسَّها “لم يكن لنا مَحِيصٌ مِنَ التسليم بانقسام الجوهر إلى أجزاء، لأن جزأه الذي يماسّ جوهرا غَيْرُ جزئِه الذي يماسّ جوهرا آخَر” (10). وهكذا يتبين أن عجز نظرية الجزء الذي لا يتجزأ عن تفسير التغيّرات الطبيعية يعود، في النهاية، إلى قولها بتناهي قسمة الجواهر الأفراد، وبذلك نصل إلى النقطة الثانية، وهي نقد ابن رشد لتناهي انقسام هذه الجواهر.
يؤدي القول بتناهي انقسام الأجزاء التي لا تتجزأ، في نظر ابن رشد، إلى استحالة تفسير كيفية وجود المتصل (11)؛ فما دامت تلك الأجزاء منفصلة عن بعضها، وغير منقسمة، وليس بينها تَمَاسّ، فإنها لا يمكن أن تؤلف متصِلا، إذ “لا يمكن للمتصِل أن يتألف مِنْ غير المنقسم لأنه يفتقد إلى الأجزاء والأطرف” (12) التي يَحْصُل من خلالها التمَاسّ، فالاتصال. مما أدى بأصحاب نظرية الجزء الذي لا يتجزأ إلى إنكار وجود المقدار (13)، وبالتالي إبطال الاتصال.
لذا اعتبَر ابن رشد القول بلا انقسامية الجواهر قولا غامضا وغيرَ برهاني على الإطلاق (14). كما أن الأدلة التي يستعملها المتكلمون لإثبات الأجزاء التي لا تتجزأ “هي خَطابية في الأكثر” (15)، منها مثلا إرجاعُ سببِ كِبَر حَجْم الفيل بمقارنته بحَجْم نملةٍ إلى اختلافٍ كمّي في عددِ الأجزاء التي لا تتجزأ التي تألف منها جسمُ كلٍّ منهما (16). ويكمن خطأ المتكلمين هنا، حسب ابن رشد، في عدم تمييزهم بين الكمّ المنفصل والكمّ المتصل، وخلطِهم بينهما. أو بتعبير أدق، تعاملهم مع الكمّ المتصل كالكمّ المنفصل، وذلك لاعتقادهم “أنّ ما يَلزمُ في المنفصلة يَلزمُ في المتصلة” (17). وهذا خطأ شنيع في رأي فيلسوفنا، يَنجُمُ عنه اعتبارُ كل أشياء العالم أعدادا، وانعدامُ وجودِ عِظم متصل، فتستحيل صناعة الهندسة التي تقوم على مفهوم المتصل، أو “تكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينِها” (18). كما يستحيل علمُ الطبيعة الذي يَقوم هو أيضا على مفهوم المتصل ومفاهيم أخرى يُبنَى عليها هذا الأخير، كالتمَاسّ والفعل والانفعال والاختلاط (19).
وبخصوص النقطة الثالثة، ينتقد ابن رشد طريقة توظيف المتكلمين لنظرية الجزء الذي لا يتجزأ من أجل إثبات حدوث العالم ووجود الله، وذلك بدحض أصول حُجَجهم المبنية على ثلاث مقدمات: “إحداها أن الجواهر لا تنفكُّ من الأعراض (أي لا تخلو منها). والثانية أن الأعراض حادثة. والثالثة أنّ ما لا ينفك عن الحوادث حادثٌ، أعني ما لا يخلو من الحوادث هو حادث” (20).
يتساءل ابن رشد: حينما يَحدث الجزءُ الذي لا يتجزأ، ما القابلُ لحدوثه؟ فإنْ كان الحدوث عَرَضٌ، ووُجد الحادثُ يَرْتَفِعُ الحدوث، كيف نفسر هذا في ضوء المقدمة الكلامية القائلة بأن الأعراض لا تفارق الجواهر؟! فإنْ تعلق الحدوث بالشيء وقتَ عَدَمِه، لزم كونُه موجودا معدوما في نفس الآن، وإنْ تعلق به وقتَ وجودِه “لزم تحصيلُ الحاصل ووجودُه مَرَّتيْن” (21). وهذا المأزق، حسب ابن رشد، هو الذي اضطر المعتزلة إلى القول بأنّ العدمَ ذاتاً ما (22)، لأن إحداث أيّ جوهر “ينبغي أن يتعلق بذاتٍ متوسِّطةٍ بين العدم والوجود” (23)، هي ما يسميه الفلاسفة المشاؤون عموما بالوجود بالقوة، أو هيولى الشيءِ المستعِد للخروج إلى الفعل. وهي ليست ذاتا موجودة بالفعل (24)، كما أنها ليست عدما مطلقا كما يذهب إلى ذلك الأشاعرة. وهكذا يَرى ابن رشد بأن طرح علماء الكلام بخصوص حدوث الأجزاء التي لا تتجزأ، بشقيه المعتزلي والأشعري، يؤدي إلى مأزق لا يمكنهم حله بطرُقهم الجدلية.
ويتشكك ابن رشد في المقدمة الثانية القائلة بأن جميع الأعراض مُحْدَثة، منتقدا موقف المتكلمين في تعميمهم لِمَا يُشاهَد مِنْ أجسام وأعراض مُحْدَثة على جميع الأجسام والأعراض على الإطلاق (25)، بينما هناك أجسام وأعراض ليست حادثة، كالأجسام السماوية (26). كما أن “الزمان من الأعراض ويَعْسُرُ تَصَوُّرُ حدوثِه” (27)، وكذلك الشأن بالنسبة للمكان (28). ويَعْزُو ابن رشد سببَ خطأ أدلة المتكلمين في قولهم بحدوثِ جميع الأعراض “إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خَطابي لا يَصِحُّ إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواءِ طبيعةِ الشاهد والغائب” (29).
أما المقدمة الثالثة، القائلة: “ما لا يَخلو من الحوادث فهو حادث”، فتفهم حسب ابن رشد بمعنيين: “أحدُهما ما لا يَخلو مِنْ جنس الحوادث ويَخلوا مِنْ آحادها، والمعنى الثاني ما لا يَخلو مِنْ واحدٍ منها مخصوص مشار إليه” (30). واعتبَر فيلسوفنا المعنى الثاني صادقا، فما لا يَخلو مِنْ عَرَض حادثٍ ومشار إليه، يجب ضرورةً أن يَكون الموضوعُ الحاملُ له حادثا (31). أما المعنى الأول، وهو المتداوَل لدى المتكلمين المسلمين، فليس بالضرورة صادقا، لأن “ما لا يَخلو من جنس الحوادث لا يَلزمُ عنه حدوثُ مَحَله” (32). إذ “يمكن أن يُتَصَوَّرَ المحلُّ الواحدُ –أعني الجسم- تتعاقبُ عليه أعراضٌ غيرُ متناهية” (33). وهذا ما انتبه له المتأخرون من المتكلمين، فزعموا “أنه لا يمكن أن تتعاقب على مَحَلٍّ واحد أعراضٌ لا نهاية لها” (34). واحتجوا لذلك بقولهم بأنه في حالةِ وجود أعراض لا نهاية لها متعاقبةٍ على مَحَلٍّ معيَّن، لا يوجَد عَرَضٌ مشار إليه في ذلك المحل، إلا بعد أن تتعاقب عليه (أي المَحَلّ) أعراضٌ لا نهاية لها، وبما أنّ ما لا نهاية له لا يَنقضِي، يَستحيلُ، إذن، وجودُ ذلك العَرَض المشار إليه (35).
ويؤكد ابن رشد، عكسَ ما يزعمُه المتكلمون، وهو القول بإمكانيةِ وجودِ شيءٍ بعد وجودِ أشياء لا نهاية لها، وذلك على نحويْن: “إما على جهةِ الدَّوْر، وإما على جهةِ الاستقامة” (36). والأشياء التي توجَد على جهةِ الدَّوْر، كتصاعد البخار من الأرض، وسقوط المطر، تكون غيرَ متناهية، إنْ لم يعترضْها عائقٌ يَحُولُ دون استمراريتها. أما الأشياء الكائنة على جهةِ الاستقامة “مثلَ كَوْنِ إنسانٍ مِنْ إنسان، وذلك الإنسانُ مِنْ إنسان آخَر” (37) فإنْ كان بالعَرَض عن فاعل أوَّل “يَفعلُ فعلا لا نهاية له أنْ يَفعل بآلاتٍ متبدلةٍ أشخاصا لا نهاية لها” (38). أما إنْ كان بالذات “لمْ يَصِحّ أنْ يَمُرَّ إلى غير نهاية” (39).
وبالإضافة لنظرية الجوهر الفرد، يَعرض ابن رشد لِمَا يسميه “بالطريقة الثانية” التي يُثبت بها المتكلمون حدوث العالم، ويُسندُها لأبي المعالي الجويني (40)، وتقوم على مقدمتين: “إحداهما، أنّ العالم بجميع ما فيه جائزٌ أنْ يَكون على مقابل ما هو عليه (…) والمقدمة الثانية أنّ الجائزَ مُحْدَثٌ وله مُحْدِث –أي فاعل- صَيَّرَه بإحدى الجائزيْن أوْلى منه بالآخَر” (41).
وقد اعتبَر ابن رشد هذه الطريقة خَطابية، ومبطِلة لحكمةِ الصانع التي تَقضِي أنْ يَكون الكونُ قائما على قوانين ثابتة و“أسبابٍ ضرورية تقتضي وجودَه على الصفة التي هو بها (…) موجود” (42). فمنطق الجواز المتضمَّن في المقدمتين يُسقط الكونَ في فوضى وجودية من جهة، ويَجعل العِلم به مستحيلا من جهة أخرى، ما دام العلمُ بالشيء هو علمٌ بأسبابه (43). وبذلك تنتفي العلاقات السببية بين الموجودات، فتصبح بكاملها جائزة لا ضرورية، ويكونُ مُرجِّحُ كونِها على ما هي عليه هو الله تعالى، فيكونُ فِعْله هو الفعل الوحيد الضروري والفعال لجميع الموجودات على الإطلاق. وهذا ما يجعلنا نتساءل: ما طبيعة تصور المتكلمين للفعل بأنواعه: الإلهي، والإنساني، والطبيعي؟ وما هي أهم الانتقادات التي وجَّهها لهم ابن رشد بخصوص هذا المفهوم؟

مفهوم الفعل:
أهم ما يميز مفهوم الفعل لدى المتكلمين عموما، هو عدم انسحابه على الأشياء الطبيعية التي لا تمتلك إرادة، فالفعل في نظرهم لا بد أن يكون صادرا مِنْ “فاعل مريد قادر مختار حيّ عالِم” (44). وأهم هذه الصفات لديهم، تتمثل في أن يَكون الفاعل حيّا، لأن “ما سوى الحيّ فهو جماد وميت، والميتُ لا يَصْدُر عنه فعل” (45). وهم بذلك يُنكرون صدور الأفعال عن الأشياء الطبيعية (46)، ويقلصون مفهوم الفعل إلى أقصى الحدود لينحصر فقط في فعل الكائن الحي عموما، والإنسان على الخصوص.
وقد أقر المتكلمون للإنسان بالقدرة على إصدار أفعال، و”متولدات” عن هذه الأفعال، رغم اختلافهم في نسبتها إلى الإنسان. فالأشاعرة يَنسبونها إلى قدرة الله مباشرَة (47)، أما معظم المعتزلة فيُجَوِّزُون نِسْبَتَها إلى القدرة التي أحدثها الله في الإنسان، والتي إليها تَرجع أفعاله (48). وهكذا يمكننا أن نقول على المتكلمين نفس ما قاله باري كوجان على الغزالي، أن مفهوم الفعل لديهم ضيقٌ وواسعٌ في نفس الوقت؛ هو مفهوم ضيِّق لأنه يتجاهل الأفعال الملاحَظة في الطبيعة غير الحية، ويَقتصر فقط على من يتصف بالحياة والقدرة والإرادة. كما أنه واسع، لأنه يُطبِّقُ نفس المفهوم وبنفس المعايير على عالمين مختلفين: عالم الموجودات الكائنة/الفاسدة كالإنسان، وعالم الألوهية (49). وهذا ما تفاداه ابن رشد باعتباره الفعلَ: إخراجا للشيء من القوة إلى الفعل، والفاعل هو كلُّ ما يَجعلُ أشياء تنتقل من القوة إلى الفعل. وهذا الإخراج إلى الفعل، لدى ابن رشد، يأتي أحيانا مِنْ إرادةٍ حرة، وأحيانا مِنَ الطبيعة (50). ويتميز هذا التعريف الرشدي للفعل، كما يذهب إلى ذلك كوجان، بميزتين: تتجلى الأولى في مساواته بين الفعل الطبيعي والإرادي، لأنهما معا يمارسان تأثيرا على الأشياء، والثانية تتمثل في أنه مُصاغ بشكل يجعله قابلا للتطبيق على الفاعل الأول (الله)، كما يطبَّق على الفاعل في عالم الكون والفساد، دون أن يضطر إلى عقد أية مقارَنة بينهما (51).
والمتكلمون عموما، والأشاعرة منهم بالخصوص، رغم إسنادهم القدرة على القيام بالأفعال للإنسان، إلا أنها قدرة مستمَدة من قدرة الله الفاعل “لجميع الموجودات بلا واسطة” (52)، والقادر على الفعل متى شاء وكيفما شاء (53). إذ أن الفاعل الحقيقي لديهم و“الخالق المبدِع ربُّ العالمين، ولا خالق سواه، ولا مخترع إلا هو” (54). وهذا التأكيد من طرف المتكلمين لأحاديةِ الفعل الإلهي، الذي يَفعل كلَّ ما في الكون وفق إرادتِه ومشيئتِه وعلمِه المطلق (55). وبذلك تَحدث كل التغيرات عموما، والكون والفساد بالخصوص، من الفعل الإلهي مباشرة، دون حاجة إلى موضوع أو مادة حاملةٍ له من جهة، وفي غِنى عن أيِّ تفاعل محتمَل بين الموجودات، من جهة أخرى. وهذا في رأي ابن رشد مخالِفٌ لِمَا يشاهَد في العالم الطبيعي من تأثير الموجودات بعضِها في بعض (56).
وقد ركز ابن رشد انتقاداته لتصور المتكلمين للكون، في مجموعة من النقاط الجوهرية؛ وهي قولهم بالكون من لا شيء، ونفيهم للسببية وإنكارهم لتقدم القوة أو الإمكان على الشيء المتكوِّن بالفعل.

ج- قول المتكلمين بالكون من لا شيء:
قولُ المتكلمين بكون الكائنات من لا شيء يُعتبَر، حسب ابن رشد، خروجا عن الطبع والعقل، لأن الكائن متغير ضرورة، أما اللاشيء أو العدم فلا يتغير (57). وبالتالي فإن قولهم هذا “يَلزَمُ عنه ألا يَكون (العالم) مُكوَّنا، وذلك أن الكون لا يَصِحُّ أن يَكون من العدم بالذات” (58)، لأن العدم لا ينقلب وجودا (59).
وما جَعَل المتكلمين، في نظر ابن رشد، يدافعون عن الخَلق من عدم، اعتقادُهم أنّ المُكَوِّن لشيءٍ يَفعل مادتَه وصورتَه، إنْ كان مركبا، “أو يفعله بجملته إن اعتقدوا أنه بسيط كما يَعتقدون في الجوهر الذي لا يتجزأ” (60)، أي أن الفاعل يُخرجُ الكائنَ من العدم إلى الوجود، من اللاشيء إلى شيء معيّن. فهل ينعكس هذا الفعل لدى المتكلمين عند فساد الشيء، بنقل الفاعل له من الوجود إلى العدم؟ يجيب ابن رشد على هذا السؤال بالنفي، حيث يَنسب لهم القول بـ“أن الفاعل لا يَقدِر على إعدام الشيء قالوا، لأن فِعْلَ الفاعل إنما يتعلق بالإيجاد والاختراع لا بالإعدام. فانظر كيف امتنع عندهم نقلة الفاعل للموجود مِنَ الوجود إلى العدم، ولمْ يمتنعْ عندهم نقلته مِنَ العدم إلى الوجود؟!” (61). وذلك لأن فعل الفاعل لا يَخلق العدم، ما دام ـ هذا الأخير ـ يَحْصُلُ عندما يتوقف الفاعلُ على الاستمرار في خلق الشيء. ففعله الوحيد، على هذا الأساس الاختراع، أما الإعدام والإفناء فيَعْرضُ للأشياء حينما يَتوقف فعلُ الفاعل فقط.
وقد أدى هذا التصور لكون الأشياء وفسادِها بالمتكلمين إلى جهل أو تجاهل ما يوجَد في عالم الكون والفساد “من الأمور الفاعلةِ بعضِها في بعض … (فـ) قالوا إن هاهنا فاعلا واحدا لجميع الموجودات كلها هو المُبَاشِر لها مِنْ غير وَسَط” (62). وذلك ليتجنبوا القول بتسلسل تأثير الأشياء في بعضها إلى ما لا نهاية، مما يؤدي إلى مُحال إنكار الفاعل الأول (الله). وهذا، في رأي ابن رشد، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، مخالِفٌ لِمَا يشاهَد من ظواهر طبيعية يؤثر بعضُها في بعض (63).
وإلى جانب هذه الأدلة العقلية، يورد ابن رشد في نصوص أخرى أدلة نقلية مستمَدة من ظاهِر الشريعة تفنِّد مزاعمَ المتكلمين في قولهم بالخَلق من عدم (64)، مبيِّنا أن قولهم هذا راجعٌ لتأويلهم الخاطئ لِمَا يَنُصُّ عليه ظاهِرُ الشرع، وأن الشريعة لا تحتوي مطلقا في ظاهرها على ما يدل على خَلق الله للعالم من عدم محض (65). ويورد ابن رشد بعض الآيات التي يدل ظاهرُها على أن العالم خُلِقَ مِنْ شيءٍ لا مِنْ عدم محض، حيث يقول: “إن قوله تعالى: “وهو الذي خَلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء” يقتضي بظاهره أنَّ وُجودا قبْلَ هذا الوجود، وهو العرشُ والماء، وزمانا قبْلَ هذا الزمان، أعني المقترنَ بصورةِ هذا الوجودِ الذي هو عَدَدُ حركةِ الفلك. وقوله تعالى: “يَوْمَ تبَدَّلُ الأرضُ والسماوات” يقتضي أيضا بظاهره أنَّ وجوداً ثانيا بعد هذا الوجود. وقوله تعالى: “ثم استوى إلى السماء وهي دخان” يقتضي بظاهره أنَّ السماوات خُلِقت مِنْ شيء” (66).
“فالخَلق” والكون، في نظر ابن رشد، لا يَكونُ مِنْ عدم مطلق (67)، بل مِنْ عدم مضافٍ إلى الوجود (68)، كامن في موجود بالقوة، هو عبارة عن هيولى؛ أي مادة أولى، أو مادة خاصة. وبذلك يتعلق فِعْلُ الفاعل لكون الشيءِ بهذه المادة (موضوع الكون) أوّلا وبالذات لا بالعدم (69). ومن أهم نتائج هذا القول الرشدي/الأرسطي عدمُ الإقرار ببدايةٍ ونهايةٍ لكون العالم (70)، وهو ما يتنافى مع أطروحة المتكلمين بخصوص نفس الموضوع، والقائلة بحدوث العالم من عدم، حيث تتوالى الصور على المادة، لدى ابن رشد، إلى ما لا نهاية، لتشكِّلَ بذلك المادةُ الينبوعَ الذي ينساب منه الكونُ المتجدد لكل موجوداتِ هذا العالم الكائن/الفاسد إلى ما لا نهاية له (71).
وإنْ كان الفلاسفة المسلمون (كالفارابي وابن سينا) ـ بقولهم بقِدَم العالم ـ قد وَقفوا على طرف النقيض مع المتكلمين القائلين بحدوث العالم، فإن ابن رشد قد حاول التخفيف من حدة هذا الاختلاف بين الموقفين: الفلسفي والكلامي، بجَمْعِه بين مَعْنَيَيْ حدوثِ العالم وقِدمِه في صيغةِ “الحدوث الدائم للعالم”، وإرجاعِه الاختلاف بينهما إلى مجرد اختلاف في التسمية (72). إلا أن موقف ابن رشد الخاص من هذه المسألة، رغم ما يَلوح منه من نزعة توفيقية تهدف إلى المصالحة بين الكلام والفلسفة، فإنه يَنِمُّ عن رُؤية جديدة للموضوع، تحاول الجمع بين أهم ثوابت الفلسفة المشائية؛ كاستحالةِ الكون من لا شيء، ولانهائيةِ الزمان والحركة، وبين أهم ثوابت الفكر الديني/الإسلامي كالإقرار بمبدأ خَلق العالم، وعنايةِ الله المستمرة به، دون السقوط في مُحالات الطرفين (73).
د- مفهوم “السببية” لدى المتكلمين:
لا شك أن نفي المتكلمين لوجودِ ترابطٍ بين الأسباب والمسبّبات، كان منسجما مع تصورهم للعالم عموماً، ولعالم الكون والفساد بالخصوص، والذي رأينا بعض عناصره فيما سبق. فمن جهة، أدت نظريتهم في الجزء الذي لا يتجزأ إلى جعل العالم عبارة عن ذَرَّات متماثلة لا قوةَ فيها على الحركة أو على الفعل والتفاعل، ولا إمكانية فيها للاستمرار في الوجود. ومن جهة أخرى، ذهب المتكلمون عموماً، والأشاعرة منهم على الخصوص، إلى أنْ لا فاعلَ في الحقيقة إلا الله، ولا مؤثرَ في الأجزاء التي لا تتجزأ، وبالتالي في كل الموجودات ـ أيّا كان هذا التأثير ـ سواه (74).
وإنْ كان المتكلمون عموما، قد ضحَّوْا بوجود علاقات ضرورية بين الأسباب والمسبّبات من أجل إثبات قدرة الله المطلقة على التأثير المباشر في جميع الكائنات، فإنهم لم يذهبوا، مع ذلك، إلى حدّ إنكار وجود أية علاقة بين الأسباب والمسبّبات، نظرا لثبوتها بالمشاهَدة والحس؛ كارتباط الشبع بالأكل، والارتواء بالشراب. فكيف كان إذن موقف المتكلمين من هذه المسألة؟ وما هي أهم الانتقادات التي وجَّهها لهم ابن رشد بهذا الخصوص؟
يتبين من نصوص كثيرة لابن رشد أن محور الموقف الكلامي بخصوص مفهوم السببية، يتمثل في نفي وجود ارتباط ضروري بين الأسباب والمسبّبات (75)، وإرجاع العلاقة بينها (أي بين الأسباب والمسبّبات) إلى مجرد اقتران ينشأ عن العادة (76). وقد حاول فيلسوفنا الكشف على تهافت هذا الموقف الكلامي بإبراز العواقب “الوخيمة” الناتجة على نفي السببية، على كل المستويات الإبستمولوجية، والأنطولوجية، والثيولوجية. وسنعرض فيما يلي لأهم هذه الانتقادات التي يمكن تصنيفها إلى نوعين: انتقادات فلسفية، وأخرى كلامية (77).

I – الانتقادات الفلسفية:
1 ـ نفيُ السببية أدى بالمتكلمين إلى إنكار وجود أفعال صادرة عن الطبيعة، إذ لا فاعلَ في نظرهم إلا الحيُّ القادر العالم، و“ما سوى الحيّ لا يَصدر عنه فعل” (78). وذهبوا، أكثر من ذلك، إلى أن الأفعال التي تَصدر عن الحيّ في عالم الكون والفساد، لا يفعلها بالحقيقة، وإنما تقترن به فقط في الشاهد، أما فاعلها الأصلي والحقيقي فهو الحيّ الذي في الغائب: الله (79).
2 ـ أدى نفي صدور الأفعال عن الطبيعة بالمتكلمين إلى إنكار وجود الطبائع، فـ“إذا لمْ يكن للموجودات أفعالٌ تَخُصُّها لمْ يكن لها ذواتٌ خاصة” (80)، فتتماثلُ كلُّ الموجودات ما دامت الاختلافات في الأفعال غير نابعة منها، فيصبح الموجود شيئا واحدا، فترتفعُ الأسماءُ والحدود وتنعدمُ المعارفُ والعلوم، مادام العِلم بالشيء هو علمٌ بأسبابه (81).
3 ـ مادامت الطبائع غير موجودة في نظر المتكلمين، فإنهم اعتبَروا “جميعَ الموجودات أفعالا جائزة، ولم يَرَوْا أنّ فيها ترتيباً ولا نظاماً ولا حكمة اقتضتها طبيعة الموجودات” (82)، وجَوَّزُوا أنْ يوجَد الموجودُ بخلافِ ما هو عليه (83)، مما أدى بهم إلى نفي مبدأ عدم التناقض (84). والدليل المعتمَد مِنْ قِبَلهم لإثبات ذلك، هو قولهم بأن الله قادر على جَمْع المتقابلين، وأما عدمُ استساغة العقل الإنساني لذلك، فيَعودُ في رأيهم إلى أنه “طُبع” على ذلك، ولو “طُبع” على عكس ذلك لمَا أنكَرَه (85). ويَرى ابن رشد أن قول المتكلمين هذا يؤدي “ألا يَكون للعقل طبيعة محصّلة ولا للموجودات، ولا يَكونَ الصدقُ الموجودُ فيه تابعًا لوجودِ الموجودات” (86)، مما يعني، في نظر فيلسوفنا، فصلاً للعقل عن الموجود، فلا يصبح العقل مؤهَّلا لتَعَقل الموجود، مادامت مبادئه ومسلماته الأولية ليست سوى “عادات” طُبع عليها ولا مصداقية لها في ذاتها، ومادامت الموجودات أيضاً لا ضرورة لوجودها على ما هي عليه، ولا تأثير لبعضِها في البعض الآخر، ولا نظامَ ولا ترتيبَ يَعودُ إلى طبيعتها (87). بل إن ابن رشد يذهب أبعدَ من ذلك، إلى القول بأنّ “نفيَ السببية مناقضٌ لطبيعةِ العقل الإنساني، بل هو نفيٌ للعقل والعِلم معا” (88).
4 ـ يَنتقد ابن رشد المتكلمين أيضا، في استعمالهم الغامض والمبهَم للفظِ “العادة” متسائلا: “ما أدري ما يريدون باسم العادة. هل يريدون أنها عادةُ الفاعل، أو عادةُ الموجودات، أو عادتنا عند الحُكم على هذه الموجودات؟” (89). ويَستبعِد أن تكون لله (الفاعل) عادة، مادام فعله لا يَقبل التغيّر ولا يَخضع للزمان، مُحتجّاً بالنص القرآني: “ولن تجد لِسُنّة الله تحويلا” (90)، بعكس “العادة” المكتسَبة بفضل تكرار فعل ما على الأكثر (91). كما ينفي أن تكون للموجودات عادة، “فالعادةُ لا تَكون إلا لِذِي نَفْس. وإنْ كانت في غير ذِي نَفْس، فهي في الحقيقة طبيعة..” (92). أما اعتبار العادة مرتبطة بحُكم الإنسان على الموجودات “فإنّ هذه العادة ليست شيئا أكثرَ مِنْ فِعْل العقل الذي يقتضيه طبْعُه وبه صار العقلُ عقلا. وليس تنْكِرُ الفلاسفة مثلَ هذه العادة” (93). وهكذا يُقصِي ابن رشد مفهوم “العادة” الكلامي من المجال الطبيعي عامة، ومن الموجودات غير المتنفِّسة خاصة، ليؤكد وجود الطبائع وارتباط الأسباب بمسبّباتها، لتَحُلَّ الضرورةُ مَحَلَّ العادة (94).
5 ـ أدى إنكار السببية بين الموجودات الطبيعية بالمتكلمين إلى إنكار وجود القوةِ متقدمة على وجود الشيء بالفعل (95)، حيث قال الأشاعرة بأن القوة توجَد مع الفعل لا قبْله، أي أنّ إمكانية وجود الشيء، تتحقق بتزامن مع وجود هذا الشيء، ولا علاقة لهُ بها قبْلَ وجودِه. مما أدى بهم إلى إنكار وجودِ القوةِ أصلاً، لأنها لا تَجتمع مع الفعل في نفس الآن وفي نفس الموضوع (96).
وينسجم موقف المتكلمين هذا مع عدم إيمانهم بالطبائع وإنكارهم لوجود قوَى وخصائص ذاتية في الأشياء، ورفضهم القول بوجود علاقات ضرورية بين الأسباب والمسبّبات (97)، وذلك ليَخْلصُوا إلى “أنّ الطبيعة لا عمل لها أصلاً، بل يَعودُ عملها إلى الله مباشرة” (98).
ومن الحجج التي ردّ بها ابن رشد على منكري تَقَدُّم القوةِ على الفعل، والتي استمدها من فلسفةِ معلمه الأول أرسطو، قوله إن إنكار وجود القوة يؤدي إلى اعتبار البنَّاء مثلا “حينما لا يَبْنِي ليس له قوةٌ على البناء، لأنه إنما توجَد له القوةُ على البناء في وقتِ البناء” (99). لذلك يَلزمُهم المُحالُ التالي، وهو “أنه لا يَصدقُ على البَنَّاء أنه بنَّاءٌ إذا لم يكن يَبْنِي، وذلك في غاية الشناعة” (100). فيَستوي البنَّاءُ الذي لا يَبْنِي مع مَنْ ليست له مهنة البناء، ويَستوي الجاهلُ مع العالِم الذي يتوقفُ عن مزاولةِ صَنْعَتِه (101).
ويَرى ابن رشد أنّ ما جَعَلَ المتكلمين يَنفون وجودَ القوة، هو قولهم “إنّ الفاعل إنما يَفعل بالاختراع والإبداع مِنْ لا شيء” (102)، وبشكل مباشر وبدون وساطة، “وأنّ فِعْلَ هذا الفاعل الواحد يتعلق في آن واحد بأفعال متضادةٍ ومتفقةٍ لا نهاية لها، فجَحَدُوا أنْ تَكون النارُ تحرق، والماءُ يَرْوي، والخبزُ يُشبع قالوا، لأن هذه الأشياء تَحتاج إلى مبدِع ومخترع، والجسمُ لا يبدِع الجسمَ ولا يَخترعُ في الجسم حالا مِنْ أحواله، حتى قالوا إنّ تحريك الإنسان الحَجَرَ بالاعتماد عليه والدفع له ليس هو الدافعُ، لكنّ ذلك الفاعلَ هو المخترعُ للحركة. فإنَّ الاعتماد على الحَجَر لا يَخترعُ منه حركة لمْ تَكنْ، وجَحَدُوا لِمَكانِ هذا وجودَ القوة” (103).
ويَلزم المتكلمين، في نفيهم لوجود القوةِ متقدمة على وجود الشيء بالفعل مُحالٌ آخَر، وهو أنْ لا يَكون الشيءُ ممكنا قبل وجوده. وما ليس ممكنا قبل وجوده يُعدّ ممتنعاً، والممتنعُ يستحيلُ وجودُه. أما قولهم بأنّ الإمكان يوجَد مع الفعل، فمستحيل أيضا، لأن الإمكان والفعل متناقضان ولا يجتمعان في آن واحد. لهذا يَلزمُ هؤلاء المتكلمين حسب ابن رشد “ألا يوجَدَ إمكانٌ، لا مع الفعل، ولا قبْله” (104).
ويشير ابن رشد إلى أن المتكلمين عموما، والأشاعرة منهم بالخصوص، لم يَفهموا من مفهوم الإمكان والقوة إلاّ الإمكان الذهني المطلق، والنابع من إرادة الله المطلقة، وهو إمكانٌ لا يستحيل تحققه إن شاء الله ذلك. ولو انتقل الشيء “مِنْ طبيعةِ الامتناع إلى طبيعةِ الوجود وهو مثلُ انقلابِ الضروريِّ ممكنا” (105). والإلزام الذي أدى بالمتكلمين إلى هذا القول، يتمثل، حسب ابن رشد في اعتقادهم بأنّ استحالة وجود الممتنع غيرُ جائز، وإلا اعتَبَرْنا اللهَ عاجزاً عن فِعْل ذلك. كما أن القول بالتقدم الزماني لإمكانيةِ وجودِ الشيء على تحققه الفعلي يؤدي، في نظرهم، إلى تجويز انتقال “القديم (=الله) من العجز إلى القدرة” (106).
يَعتبر ابن رشد قول المتكلمين هذا خارجا عن حدود التفكير المنطقي والعقلاني، فـ“جَحْدُ تقدُّم الإمكان للشيء الممكن جَحْدٌ للضروريات” (107)، كما “لا يُسمَّى عاجزاً مَنْ لم يَقدرْ على فِعْل الممتنِع” (108). لأن هذه المسلمات والضروريات هي التي تمثلُ القوانينَ الثابتة المنظمة للموجودات، اقتضتها حكمة الله في مخلوقاته، ووجودُها في العقل الأزلي (الله) هو علة وجودِها في الموجودات، وبإدراكها يعتبَر العقلُ عقلا في الإنسان (109). كما أنّ “ترتيب الأسباب ونظامَها هو الذي يَقتضِي وجودَ الشيء في وقتٍ ما، أو عدمَه في ذلك الوقت” (110). فحكمة الله، في نظر ابن رشد، تتجلّى في سَنِّه للقوانين التي لا تَحِيدُ كلُّ الموجودات عن الانقياد لها، والتي لا تتناقض مع الضروريات الأساسية التي يَقوم عليها التفكير العقلاني المتطابق مع معقولاته، على طريقةِ الفلسفة المشائية (111). وذلك عكس التصور الأشعري الذي لم يشأ تقييد الفاعل الأول (=الله) بأيّة ضرورة أيّاً كان مصدرُها، مما دعا فيلسوفنا ـ في نقده لموقفهم هذا ـ إلى اعتبار “الفاعل [لديهم].. متسلطا على الموجودات مِثلَ المَلِك الجائر، وله المَثلُ الأعلى، الذي لا يَعتاصُ عليه شيءٌ في مملكته ولا يُعرَفُ منه قانونٌ يَرجعُ إليه ولا عادةٌ. فإن أفعال هذا الملك يَلزمُ أنْ تَكون مجهولة بالطبع، وإذا وُجد عنه فِعْلٌ كان استمرارُ وجودِه في كل آن مجهولا بالطبع” (112).
ونظرا لِمَا لمفهوم الإمكان والممكن (الذهني والمطلق) لدى الأشاعرة من انعكاسات خطيرة على المستويين المعرفي والأنطولوجي، كما رأينا ذلك سابقا، قام ابن رشد بتصحيح وتحديد معناه الحقيقي بدقة، تفاديا للمُحالات اللازمة عن قولهم، حيث رأى أن حدّ الممكن “هو المعدومُ الذي يَتهيأ أنْ يوجَد وألا يوجَد. وهذا المعدوم الممكن ليس هو ممكنا مِنْ جهةِ ما هو معدوم ولا مِنْ جهةِ ما هو موجود بالفعل، وإنما هو ممكن مِنْ جهةِ ما هو بالقوة” (113). وما دام العدم يُضَادُّ الوجود، وليس يمكن لأحدهما أن ينقلبَ إلى ضده “وَجَبَ أنْ يَكون القابلُ لهما شيئا ثالثا غيرَهما، وهو الذي يتصف بالإمكان والتكوُّن والانتقال مِنْ صفةِ العدم إلى صفة الوجود” (114)، وهذا الشيء لا يُعتبَر معدوما ولا موجودا بالفعل، وهو المادة الأولى، أو الهيولى التي هي علة الكون والفساد (115).
وهكذا يتبين مما سبق، أن نفي الأشاعرة لوجود القوة يؤدي إلى عدم اعتبار “الكون” انتقالا للموجودات من “الوجود بالقوة” إلى “الوجود بالفعل”، وعدم اعتبار “الفساد”، عكس ذلك، انتقالا لها من “الوجود بالفعل” إلى “الوجود بالقوة”، كما يؤدي إلى نفي المادة الأولى التي تعدُّ موضوع النقلة، وإنكار وجود الصانع (116). كما أن عدم إقرار الأشاعرة (ومعهم الغزالي) بمبدأ القوة، جَعَلهم لا يستسيغون قولَ الفلاسفة بقِدَم الحركة من جهة، وحدوثِها من جهة ثانية (117)، لأن إدراك “التمييز بين حركةٍ لا متناهيةٍ بالقوة وأخرى متناهية بالفعل يقتضي وجودَ قابل أصيل لهما يتمثل عند أرسطو بالهيولى الأولى الأزلية: قديمةٍ كليةٍ بالجنس، حادثةٍ جزئيةٍ بالنوع” (118).
وعلاوة على هذه الانتقادات الفلسفية، يوجِّه ابن رشد للمتكلمين انتقادات أخرى كلامية، محتجّا بنصوص مستمَدّة من الكتاب المقدس، دفاعا عن الحتمية السببية، يمكن إجمالها في ثلاث نقاط، وهي:
* إن نفي السببية وضرورتَها يتناقض مع ما جاء في الآية القرآنية: “ولن تَجدَ لسُنّة الله تبديلا ولن تَجدَ لسُنّة الله تحويلا…” (119).
* إن نفي الحتمية السببية يَجعل الدلالة على وجود الله أمرا متعذرا (120)، لأن هذا الترابط الضروري بين الأسباب والمسبّبات هو، في رأي ابن رشد، الحجة لإثبات وجود الله. يقول ابن رشد بهذا الصدد: “والقولُ بنفي الأسباب في الشاهِدِ ليس له سبيلٌ إلى إثباتِ سببٍ فاعل في الغائب، لأن الحكم على الغائب مِنْ ذلك إنما يَكون مِنْ قِبَل الحُكم بالشاهِد. فهؤلاء [يعني الأشاعرة] لا سبيل لهم إلى معرفة الله تعالى، إذ يَلزَمُهم ألا يَعترفُوا بأنّ كلَّ فعل له فاعل…” (121).
* وأخيرا فإن هذا النفي يؤدي حتما إلى الدهرية، لأن العالم، إذا كان ممكنا وليس ضروريَّ الجَرَيَان، فإنّ ذاتَه لا تَتَضَمَّن أدنى حكمة”، (ن. م. ص). كما أن انعدام السببية الطبيعية يؤدي إلى انعدام ضرورةِ وجود الصانع أو الفاعل لهذا العالم. يقول ابن رشد : “وبالجملة، متى رَفَعنا الأسباب والمسبّبات، لم يَكن هاهنا شيءٌ يًرَدّ به على القائلين بالاتفاق، أعني الذين يقولون لا صانعَ هاهنا، وإنما جميعُ ما حَدَثَ في العالم إنما هو عن الأسباب المادية، لأن أحدَ الجائزيْن أحَقُّ أن يَقع على الاتفاق منه أنْ يقع على فِعْل مختار…” (122).

الهوامش:
1) بينيس، س. S. Pines: مذهب الذرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1946، ص: 2. انظر أيضا: الأشعري، أبو الحسن: مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، من إملاء الشيخ الإمام أبي بكر بن فوْرَك، تحقيق دانيال جيماريه، دار المشرق، بيروت، 1987، ص: 202-203. ويرى بينيس أن لمصطلح “الجزء الذي لا يتجزأ” عند المتكلمين المسلمين عدة مرادفات مثل: “الجوهر الفرد”، و”الجزء الواحد”، و”الجوهر الواحد الذي لا ينقسم”. “كما استعملوا لفظي الجزء والجوهر باختصار”، م. م، ص: 4.
2) بينيس س. S. Pines: م. م، ص: 27.
3) فان أيس: “ملاحظات حول الأخذ ببعض أفكار الفلسفة اليونانية في علم الكلام المبكر”، ضمن: أعمال ندوة الفكر العربي والثقافة اليونانية، ص: 250.
4) فان أيس: م. م، ن. ص. ويضيف إلى الفكرة السابقة قوله: “إن الأجزاء إذا ما اتخَذت حجما وحيِّزا، فإنما ذلك متعلق بإرادة الله. والأجزاء لا تملك حجما من تلقاء نفسها إلا إذا تألفت مع غيرها. ولكن لا يمكن حصولُ ذلك إلا بالخَلق الذي مصدرُه الله. إن التأليف عَرَضٌ، وبمجرد أنْ يَفْصِل الله تأليفَ مجموعة من الأجزاء بعضِها عن بعض فإنّ كلها يَصِيرُ إلى العدم، كما يُعدَمُ الشيء الذي انبثق عنها”، ن. م. ص.
5) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ضمن كتاب: فلسفة ابن رشد، يحتوي على كتابي فصل المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، مع تعليقات في الحواشي لابن تيمية. المكتبة المحمودية التجارية، ط2، 1935، ص: 46. انظر أيضا الجابري، محمد عابد: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1986، ص: 182.
6) ألوزاد، محمد: القول الإنسي لابن باجة، مطبعة الأندلس، الدار البيضاء، 1994، ص: 43. ويقول ابن باجة: “ولمّا كانت تلك الآراء [آراءُ الطبيعيين الأوائل] قد سَقطت في زماننا، حتى لا تذكَر إلا مِنْ جهةِ أنها في كتابه، وكان ما يوجَد منها اليوم مِنْ آراءِ المتكلمين مِنْ أهل هذا الزمان، فليس يُعتدُّ بها، لأن هؤلاء القوم لم يَقصدوا النظرَ في الطباع، حتى أنّ منهم مَنْ يُبطِلُ وجودَها، بل إنما عَرَضَ لهم في معارضةِ خصومِهم أنْ تكلموا في شيءٍ يسير منها، كقول مَنْ يَقولُ بالجزء الذي لا يتجزأ. غير أنّ نظرَهم في ذلك لا لأجل أن يُعْطوا أسبابَ هذه الأمور الطبيعية، بل مِنْ أجل ما عَثروا عليه في مناقضةِ بعضِهم البعض…”، شرح السماع الطبيعي، ص: 18.
7) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، تح. موريس بويج، دار المشرق، 1973، ص: 71.
8) “يطلق على حصول الأجسام مِنْ جواهرَ لا تنقسم لفظ التأليف والائتلاف والتركيب والاجتماع. وهذه الألفاظ تستعمَل في كتاب مقالات الإسلاميين (الأشعري) بمعنى واحد”، بينيس S. Pines، م. م، ص: 7.
9) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 71.
10) بينيس س. S. Pines، م. م، ص: 9.
11) يقول ابن رشد: “تَلزَمُهُم [يَقصد القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ] المُحالاتُ التي تَلزَمُ مَنْ قال إنّ جوهر الأشياء هي الأعداد، وذلك أنّ كِلا الفريقيْن لا يَقدِرون أنْ يقولوا كيف يوجَد مِنْ هذه مُتصِل”، تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 71.
12) المصباحي، محمد: جدلية المتصل والمنفصل في نظرة ابن رشد للعالم، ضمن: دلالات وإشكالات، الدار البيضاء، منشورات عكاظ، 1988. ص: 44.
13) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 47.
14) يقول ابن رشد: “وإنْ عَنَوْا بالجواهر الجزءَ الذي لا ينقسم، وهو الذي يُريدونَه بالجوهر الفرد، ففيها شكٌّ ليس باليسير، وذلك أنّ وجود جوهر غير منقسم ليس معروفاً بنفسه، وفي وُجوده أقاويلُ متضادةٌ شديدةُ التعانُدِ، وليس في قوةِ صناعةِ الكلام تخليصُ الحقِّ منها، وإنما ذلك لصناعةِ البرهان”، م. م، ص: 46-47.
15) ن. م، ص:47.
16) يَنسِب ابن رشد للمتكلمين قولهم “إنّ مِنَ المعلومات الأول أنّ الفيل مثلا إنما نقول فيه إنه أعظمُ مِنَ النملة مِنْ قِيَل زيادةِ أجزاءٍ فيه على أجزاءِ النملة. وإذا كان ذلك كذلك فهو مؤلف من تلك الأجزاء وليس هو واحدا بسيطا. وإذا فَسَدَ الجسمُ فإليها يَنحَلُّ، وإذا تَرَكَّبَ فمنها يَتَرَكَّب”، ن. م. ص.
17) و18) ن. م، ن. ص.
19) يقول ابن رشد بأن القول بالجزء الذي لا يتجزأ يؤدي بصاحبه “إلى أنْ يَجْحَدَ كثيرا من علوم التعاليم، وكثيرا من الأمور المحسوسة”، تلخيص السماء والعالم، تح. جمال الدين العلوي، فاس، منشورات كلية الآداب، 1984. ص: 95.
20) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 46.
21) ابن تيمية: تعليق على هامش الكشف عن مناهج الأدلة، هامش1، ص: 49.
22) ابن رشد: م. م، ص: 48-49.
23) ن. م، ص: 48.
24) و25) و26) ن. م، ص: 49.
27) ن. م، ص: 50.
28) ن. م، ص: 51.
29) و30) و31) ن. م، ص: 52
32) ن. م، ص: 52-53.
33) و34) ن. م، ص: 53.
35) “ومَثلوا لذلك برجل قال لرجل: لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لا نهاية لها. فليس يمكن أنْ يعطيَه ذلك الدينارَ المشارَ إليه أبدا”، ابن رشد: م. م، ن. ص. ويُبَيِّنُ ابن رشد خطأ هذا المثال لأنه يَحصرُ مالا يتناهَى داخل مجال متناه، فليس صحيحا “وضعُ مبدأ ونهايةٍ ووضعُ ما بينهُما غيرَ متناه”، ن.م.ص. ويَخلص ابن رشد إلى أنّ “هذا التمثيل بَيِّنٌ مِنْ أمره أنه لا يشْبه المسألة المُمَثلَ بها”، ن.م.ص.
36) ن. م، ص: 53-54.
37) و38) ن. م، ص: 54.
39) ن. م. ص. راجع أيضا رسالتنا لنيل دبلوم الدراسات العليا في موضوع: “الكون والفساد في فلسفة ابن رشد” بخزانة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس/المغرب (مرقونة)، ص: 62-78، و102-103.
40) يقول ابن رشد: “وأما الطريقة الثانية فهي التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعروفة بالنظامية”، ن. م، ص: 54-56.
41) ن. م، ص: 56.
42) ن. م، ص: 57.
43) يقول ابن رشد: “وأيُّ حكمةٍ تَكونُ في الإنسان لو كانت جميعُ أفعالِه وأعمالِه يُمْكِنُ أنْ يَأتيها بأيِّ عضو اتفَق، أو بغير عضو، حتى يَكونَ الإبصارُ مثلا يَأتِي بالأذن كما يَأتِي بالعين، والشمُّ بالعين كما يَأتِي بالأنف. وهذا كله إبطالٌ للحكمة، وإبطالٌ للمعنى الذي سَمَّى به نفسَه حكيما، تَعالى وتَقَدَّسَتْ أسماؤُه عن ذلك”، ن. م. ص.
44) ابن رشد: تهافت التهافت، تح. موريس بويج، بيروت 1987، ص: 220.
45) ن. م. ص. ويقول الباقلاني الأشعري في نفس المعنى: “الفاعلُ لا يكون إلا حيّا عالِما قادرا قاصِدا، إذا كان فِعْله مُحكما؛ فلمْ يَجُزْ أنْ تَكون هذه الطبائعُ فاعلة للعالِم”، الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب: التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة، تح. محمود محمد الخضيري ومحمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1947، ص: 54.
46) ابن رشد، م. م، ن. ص.
47) يقول إمام الحرمين الجويني: “فهذا هو مذهبُ أهل الحقّ، فالحوادث كلها حَدَثتْ بقدرةِ الله تعالى، ولا فرقَ بين ما تَعلقتْ قدرةُ العِبادِ به، وبين ما تَفرّدَ الرّبُّ بالاقتدار عليه. ويَخرجُ من مضمون هذا الأصل أنّ كلَّ مَقدور لقادر، فالله تعالى قادر عليه ومخترعُه ومُنشِؤُه”، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تح. محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي، مصر1950، ص: 187.
48) الجابري، محمد عابد: بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنُظم المعرفة في الثقافة العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1986، ص: 200. ويضيف إلى نفس الفكرة السابقة: “والخلافُ في هذه المسألة امتدادٌ مباشر لمسألة “الأفعال”؛ أفعال الإنسان وما يترتب عنها من مسؤولية، وبالتالي من جزاء”، ن. م، ن. ص.
49) Barry S. Kogan: Averroes and the Metaphysics of causation, State University of New York press, 1985, P. 34.
50) ن. م، ص: 35. ويقول ابن رشد: “الفاعلُ هو الذي يُخرجُ غيرَه من القوة إلى الفعل، ومن العدم إلى الوجود”، تهافت التهافت، ص: 150، س12-13. ويقول أيضا: “الفاعلُ (…) منه ما يَفعلُ بإرادةٍ ومنه، ما يَفعلُ بطبيعة”، ن. م، ص: 6، س13. ونفس الفكرة يكررُها في ن. م، ص: 156، س3، وص: 157س4. كما يقول في موضع آخَر: “فِعْلُ الفاعل عند الفلاسفة ليس شيئا غيرَ إخراج ما هو بالقوة إلى أن يُصيِّرَه بالفعل”، ن. م، ص: 131، س12. أنظر أيضا: تفسير ما بعد الطبيعة، اللام، ص: 1499، س8، 1504، س15، 1652، س8-10.
51) كوجان س. باري (Barry S. Kogan): م. م، ن. ص.
52) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 220.
53) يقول أبو الحسن الأشعري: “إن ذلك كله مخترَعٌ لله مختار. ولو شاء الله أن يَفعل على خلافِ ذلك الوجه كان عليه قديرا”، مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، ص: 134.
54) الجويني، إمام الحرمين: م. م، ص. ن.
55) يُستثنَى أبو القاسم البلخي المعتزلي عن باقي المتكلمين لقوله بالطبائع، وهو أحد أقطاب معتزلة بغداد، والمتوفى سنة 319 هـ. كان يقول بأن “الأجسام التي تَظهر في العالم مكوَّنَة مِنَ الطبائع الأربع، وإنْ كان الله تعالى قادرا على أنْ يُحْدِثها من هذه الطبائع. كما ذكَر أنَّ للأجسام طبائعَ بها تتهيّأ أنْ تَفعلَ فيها وبها ما يفعله الحيُّ القادرُ بقدرته. وذكرَ أنّ في الحنطة خاصية، وأنه لا يَجُوز أنْ يَنبُتَ عنها الشعير، مادامت الطبيعة والخاصية فيها، وأنّ نطفة الإنسان لا يَجُوز أن يَخلق الله منها حيوانا آخر”، عن الجابري، محمد عابد: بنية العقل العربي، ص: 195.
56) يقول ابن رشد: “وَوَضْعُهم أيضا أنّ الفاعلَ الواحدَ بعينِه الذي هو المبدأ الأول هو فاعلٌ لجميع ما في العالم مِنْ غير وسط .وذلك أن هذا الوضع ما يُخالِفُ ما يُحَسُّ مِنْ فِعْل الأشياءِ بعضِها في بعض. وأقوى ما أقنعوا به في هذا المعنى أنّ الفاعل لو كان مفعولا لمَرَّ الأمرُ إلى غير نهاية”، تهافت التهافت، ص: 224، س3-6.
57) يقول ابن رشد :“إذا كان مُجْمَعا عليه عند العقلاء أنه لا يَكونُ كونٌ مِنْ لا شيء، لأن العدمَ لا يَتغير، والكائن متغيّرٌ ضرورةً. ولكنْ قال بهذا، على خروجه على الطبع، المتكلمونَ مِنْ أهل مِلتنا”، نص من “شرح السماء والعالم” لابن رشد، ضمن: تلخيص السماء والعالم، تح. جمال الدين العلوي، فاس، منشورات كلية الآداب، 1984، هامش رقم 369، ص: 145.
58) و59) ن. م، هامش رقم 381 ص: 147.
60) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 222.
61) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، اللام، ص: 1504.
62) ن. م، ص: 1503-1504.
63) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 224.
64) يقول ابن رشد: “وقد بَيّنا أنّ قولهم [المتكلمين] مخالفٌ لِظاهِر الشريعة فيما كتبناه في تصحيح عقائد شريعتنا الأولى وما داخَلها من التغيير”، ابن رشد: شرح السماء والعالم، ضمن: تلخيص السماء والعالم، هامش: 381، ص: 147.
65) يقول ابن رشد: “فالمتكلمون ليسوا في قولهم أيضا في العالم على ظاهِر الشرع، بل متأوِّلون، فإنه ليس في الشرع أنَّ الله كان موجودا مع العدم المحض، ولا يوجَد هذا فيه نصا أبدا، فكيف يُتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع انْعَقَد عليه؟ والظاهرُ الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به فرقة من الحكماء”، فصل المقال، ص: 43.
66) ابن رشد: م. م، ص: 42-43. ويورد ابن رشد بعض هذه الأدلة النصِّية في تهافت التهافت، مع إضافة استشهاد جديد، حيث يقول: “كان القدماء يَرَوْن أن الموجود بإطلاق لا يَتكوَّن ولا يَفسد، فلذلك إذا سُلمَ لهم أنَّ السماوات مُحْدَثة لمْ يَقدِرُوا أن يُبَيِّنوا أنها أوَّلُ المُحْدَثاث، وهو ظاهِرُ ما في الكتاب العزيز في غير ما آيةٍ، مثل قوله تعالى:” أوَ لمْ يَرَ الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانتا رَتقا” الآية، وقوله سبحانه: “وكان عرشُه على الماء”، وقوله سبحانه: “ثم استوى إلى السماء وهي دخان” الآية”، تهافت التهافت، ص: 222.
67) يقول ابن رشد: “فإنه لا يوجَد عَدَمٌ مطلق كما يوجَد موجودٌ مطلق، بل عَدَمٌ مضافٌ، إذِ العَدَمُ عَدَما لشيء”، تفسير ما بعد الطبيعة، الزاي، ص: 801.
68) ن. م، ص: 391.
69) راجع دراستنا: ” شروط ومبادئ الكون والفساد عند ابن رشد”، مجلة: عالم الفكر، الكويت، العدد 3، المجلد 29، يناير/مارس 2001، ص ـ ص: 263-277.
70) يقول ابن رشد: “.. وهُمْ [أي المتكلمون] أيضا متفقون مع القدماء على أنّ الزمان المستقبَل غيرُ مُتَنَاهٍ، وكذلك الوجودُ المستقبَل، وإنما يَختلفون في الزمان الماضي والوجود الماضي: فالمتكلمون يَرَوْن أنه متناهٍ، وهذا هو مذهبُ أفلاطون وشِيعتِه، وأرسطو وفرقته يَرَوْن أنه غيرُ متناهٍ كالحال في المستقبَل”، فصل المقال، ص: 41-42.
71) يقول ابن رشد: “والمادةُ لمَّا كانت غيرَ مُصَوَّرةٍ بالذات، لم تكن لها نهاية تخصُّها، بل متى حَصَلتْ فيها صورة، أمكَنَ أنْ تفارقَ وتحلها صورةٌ أخرى، وذلك ممكن إلى غير نهاية بما هي مادةٌ في الماضي والمستقبَل”، جوامع السماع الطبيعي، ص: 44.
72) ابن رشد: فصل المقال، ص: 40-41.
73) أي دون السقوط في مُحال الفلاسفة القائلين بقِدَم العالم، والمتمثل في الإقرار بوجود قديميْن: الله والعالم، ودون الوقوع كذلك في مُحال المتكلمين (القائلين بحدوث العالم من عدم محض)، والمتمثل في استحالة وجود شيءٍ مِن لا شيء.
74) يقول الجويني: “فالحوادث كلها حَدثت بقدرةِ الله تعالى، لا فرقَ بين ما تَعَلقَتْ قدرةُ العباد به، وبين ما تَفَرَّدَ الربُّ بالاقتدار عليه”، م. م، ص: 187.
75) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 424، 416-417، 220.
76) يقول ابن رشد: “قال أبو حامد الاقترانُ بين ما يُعتقَد في العادة سَبَبا وما يُعتقد مسبَّبا ليس ضروريا عندنا، بل كلُّ شيئيْن ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثباتُ أحَدِهِما متضمِّنٌ لإثباتِ الآخَر، ولا نفيُه متضمِّنٌ لنفي الآخَر، فليس من ضرورةِ وجودِ أحَدِهِما وجودُ الآخر، ولا مِنْ ضرورةِ عَدَم أحَدِهِما عَدَمُ الآخَر مثل الريّ والشرب والشبع والأكل…”، تهافت التهافت، ص: 517. ويقول أبو الحسن الأشعري: “وكان يقول [أي الأشعري] في حدوث الشّبع بعد الأكل، والريّ بعد الشرب، والجوع بعد العطش عند عدم الأكل والشرب على وجهٍ مخصوص أنّ ذلك كله مُخْترَعٌ لله تعالى مختار. ولو شاء اللهُ أن يَفعل على خِلافِ ذلك الوجه كان عليه قادرا. ولكنه تعالى قد أجْرَى العادةَ في إحداثِ ذلك على هذا الوجه، ولو فَعل ذلك لكان نقضا للعادة”، مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، ص: 134.
77) اعتمدنا في هذا التصنيف وفي عرض بعض الانتقادات الواردة فيه على بحث المرزوقي، أبو يعرب: مفهوم السببية عند الغزالي، دار بوسلامة للطباعة والنشر، ط1، 1978، تونس. الطبعة الفرنسية ص: 48-51، وتقابلها في الطبعة العربية الصفحات:51-67.
78) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 220.
79) يقول ابن رشد: “ونَفَوْا مع ذلك أنْ يَكون للأشياء الحية التي في الشاهِد أفعال. وقالوا إن هذه الأفعال تَظهر مقترنة بالحيِّ في الشاهد، وإنما فاعلها الحيُّ الذي في الغائب”، تهافت التهافت، ص: 220.
80) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 1136. ويقول في موضع آخَر: “وأيضا فماذا يقولون [الأشاعرة خصوصا والمتكلمون عموما] في الأسباب الذاتية التي لا يُفهم الموجودُ إلا بفهمها؟ فإنه مِنَ المعروف بنفسه أنّ للأشياء ذواتٌ وصفاتٌ هي التي اقتضت الأفعالَ الخاصة لموجودٍ موجودٍ وهي التي مِنْ قِبَلِها اختلفت ذواتُ الأشياء وأسماؤُها وحدودُها. فلو لم يكن لموجودٍ موجودٍ فِعْلٌ يَخُصُّه، لم يكن له طبيعة تَخُصُّه، ولو لم تكن له طبيعة تَخُصُّه، لمَا كان له اسمٌ يَخُصُّه ولا حَدٌّ…”، منقول عن المرزوقي، أبو يعرب: م. م. الطبعة العربية، ص: 58، تقابلها في الطبعة الفرنسية ص: 49
81) يقول ابن رشد: “الأفعالُ إنما اختَلفت مِنْ قِبَل اختلافِ الذوات، وإذا ارتفعتِ الذواتُ ارتفعتِ الأسماءُ والحدود، وصار الموجود شيئا واحدا. وهذا الرأي هو رأيٌ غريبٌ جدا عن طِباع الإنسان”، ن.م، ن.ص.
82) و83) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 219.
84) المرزوقي، أبو يعرب: م. م، الطبعة الفرنسية، ص: 50.
85) يقول ابن رشد: “وقد ذهب بعض متكلمي الإسلام إلى أن الله تعالى يوصَف بالقدرة على اجتماع المتقابليْن. وشُبْهَتهُم أنّ قضاء العقل منا بامتناع ذلك إنما هو شيءٌ طبع عليه العقلُ. فلو طبع طبعا يَقضِي بإمكانيةِ ذلك لمَا أنكر ذلك ولجَوَّزَه”، تهافت التهافت، ص: 541.
86) ن. م، ن. ص.
87) يقول ابن رشد: “وأكثرُ ما يقع اليقينُ بمثل هذه المقدماتِ إذا تَصَفَّح الإنسانُ الموجودات الكائنة الفاسدة فرأى أنها تختلف أسماؤُها وحدودُها مِنْ قِبَل أفعالِها، وأنه لو صَدَرَ أيُّ موجود اتفَقَ عن أيِّ فِعْل اتفَقَ وعن أيِّ فاعل اتفَقَ لاختَلطتِ الذواتُ والحدود وبَطلتِ المعارف”، تهافت التهافت، ص: 257.
88) المرزوقي، م. م، الطبعة العربية، ص: 57. ويستشهد المرزوقي في نفس الفقرة بالنص التالي لابن رشد: “والعقل ليس هو شيءٌ أكثرَ مِنْ إدراكه الموجودات بأسبابها وبه يَفترقُ عن سائر القوى المدركة. فمَنْ رَفَعَ الأسبابَ فقد رَفَعَ العقل، وصناعة المنطق تَضَعُ وضعاً أن هاهنا أسبابا ومسبّبات، وأن المعرفة بتلك الأسباب لا تكون على التمام إلا بمعرفةِ أسبابها. فرَفْعُ هذه الأشياء هو مُبْطِلٌ للعِلم ورَفْعٌ له. فإنه يَلزَمُ ألا يكون هاهنا شيء معلوم أصلا عِلما حقيقيا، بل إنْ كان فمَظنُون”، تهافت التهافت، ص: 522، (عن المرزوقي: م. م، ص: 57-58).
89) و90) و91) ابن رشد: تهافت التهافت، نقلا عن المرزوقي: م. م، الطبعة العربية، ص: 59.
92) و93) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 523، نقلا عن المرزوقي: م. م، ن. ص.
94) المرزوقي: م. م، الطبعة العربية، ص: 179.
95) يقول جيرار جيهامي: “وَجَدْنا أنّ مَنْ أنكر السببية بين المحسوسات مِنْ جماعةِ الأشعرية أنكرَ معها الإمكانَ في المادة، وجَعَل من الله سَبَبَ الأسباب الوحيد خوفا ربما من الإشراك وتقاسُم الأفعال. وأنّ مَنْ أقرّ هذه السببية من جماعة الفلاسفة والمشائين في الإسلام أثبت معها الإمكان في المادة، فجعلها تنتقل من حال القوة إلى حال الفعل من خلال نظرة اتصالية طبيعية. وهذا ما يدفعنا إلى ربط مفهوم السببية، أكانت طبيعية أم إلهية، ومباشرة، بمفهومي الإمكان والقوة”، مفهوم السببية بين المتكلمين والفلاسفة (بين الغزالي وابن رشد)، بيروت، دار المشرق، 1985، ص: 40.
96) يقول ابن رشد: “ومِنَ الناس مَنْ يُنكِر وجودَ القوةِ المتقدِّمةِ بالزمان على الشيء الذي هي قوية عليه، ويقول إن القوة والشيء الذي توجَد قوية عليه يوجَدان معا. وهذا يَلزَم عنه ألا تكون قوةٌ أصلا، لأن القوة مقابلة للفعل وليس يمكن أن يوجَدا معا. وهذا القول يَنتحِله الآن الأشعريون مِنْ أهل مِلتِنا، وهو قولٌ مخالِفٌ لِطِباع الإنسان في اعتقاداته وفي أعماله”، تفسير ما بعد الطبيعة، ص :1126.
97) و98) جيرار جيهامي: م. م، ص: 40-41. ويَرى جيهامي أن هدف أرسطو من انتقاد الميغاريين الذين يَنفون تقدُّم القوة على الفعل، كان هو رَفضُ جَعْل الثبات مبدءً للكون، أي أن موقفه (وموقف الميغاريين أيضا) أتى في إطار الإسهام في حل المشكلة الفلسفية اليونانية: هل الصيرورة والحركة هي مبدأ الكون وجوهرُه، أم الثبات والجمود؟ أما المتكلمون المسلمون، فلم يحرِّكهم نفسُ الدافع، ولم يكن هدفهم الأول متمثلا في إثبات أو نفي الحركة، بل يَعود نفيُ القوةِ لديهم إلى عدم إيمانهم بالطبائع ونفيهم لوجود سببيةٍ طبيعيةٍ ضرورية. ن. م، ن. ص.
99) و100) و101) ابن رشد: تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 1127. انظر أيضا:
Aristote: La Métaphysique, P. 488-489, (1046b,32-33).
102) ابن رشد، تفسير ما بعد الطبيعة، اللام، ص: 1503.
103) ن. م، ص: 1504.
104) و105) و106) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 94.
107) ن. م، ص: 93-94.
108) ن. م، ص: 94.
109) ن. م، ص: 541-542.
110) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 138.
111) المرزوقي: م. م، ص: 64
112) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 531.
113) و114) ن. م، ص: 105.
115) يقول ابن رشد عن الهيولى: “فهذه الطبيعة اتفق الفلاسفة والمعتزلة على إثباتها. إلا أن الفلاسفة تَرَى أنها لا تتعرَّى من الصورة الموجودة بالفعل، أعني لا تتعرَّى من الموجود، وإنما تنتقل من وجودٍ إلى وجود، كانتقال النطفة مثلا إلى الدم، وانتقال الدم إلى الأعضاء التي للجَنين. وذلك أنها لو تَعَرَّت من الوجود لكانت موجودةً بذاتها، ولو كانت موجودة بذاتها لمَا كان منها كَوْنٌ. فهذه الطبيعة عندهم هي التي يسمونها الهيولى، وهي علة الكون والفساد، وكل موجود يَتَعَرَّى مِنْ هذه الطبيعة فهو عندهم غيرُ كائن ولا فاسد”، ن. م، ص: 106-107.
116) يقول ابن رشد: “والذين يَنفُون القوة يَنفُون المادة الأولى وجميعَ الحركات والكونَ والفساد وجميعَ الصنائع التي تَفعل عن الرَّوية والاختيار الذي يَفعل لرفع الضرر واستجلابِ النفع”، تفسير ما بعد الطبيعة، ص: 1132.
117) و118) جيرار جيهامي: م. م، ص: 37-38.
119 و120 و121) ابن رشد: مناهج الأدلة، عن المرزوقي: م. م، الطبعة العربية، ص: 56.
122) ابن رشد: مناهج الأدلة، عن المرزوقي: م. م، ص: 57.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة: سبق نشر هذه المقالة بالموقع الآتي

http://www.science-islam.net/article.php3?id_article=631&lang=ar    

عزيز بوستا

أستـــاذ بــاحث بالمركز الجــهوي لمــهن التــربية والتــكوين بطــــنجة حـــاصل علــى: دكــــتوراه فـــي عـــلوم الـــتربية، ودبـــلوم الــــــدراسات العــــليا فـــي الفلســـفة. شارك في أنشطة متنوعة (علمية وثقافية عامة) في إطار تظاهرات وندوات وموائد مستديرة، من تنظيم جمعيات ومنظمات وطنية ودولية، ولقاءات إذاعية وإعلامية مختلفة... ساهم فــي التــكوين الأســاس والمســـتمر للمـــدرسين وأطـــر الإدارة التــربوية، بكــافة أســلاك التعــليم المــدرسي، فــي مواضيع ذات علاقة بالتربية والتكوين. له مقالات متعددة في الفلسفة وعلوم التربية، بمجلات وجرائد ومواقع إلكترونية مغربية وعربية. (يعاد نشر بعضها بهذا الموقع).

اخر المقالات
‎اضف رد
الرمز الامني اضغط علي الصورة لتحديث الرمز الامني .