حوار مع الدكتور محمد ألوزاد
حوار مع الدكتور محمد ألوزاد
حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الأول
وهو آخر حوار أجري مع المرحوم د. محمد ألوزاد قبل وفاته بأشهر، ونُشر ب< مجلة الصورة- مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي> السنة الرابعة ، العدد الرابع، شتاء 2002، دار النشر المغربية بالدار البيضاء
وأعيد نشره ب: “مدارات فلسفية” مجلة الجمعية الفلسفية المغربية
العدد 14 صيف 2006 دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط
أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي
الدكتور محمد ألوزاد أحد المتخصصين في حقل الفلسفة العربية الإسلامية، تحقيقاً ودراسة وترجمة. وهو في هذه الواجهات الثلاث جميعِها يَعتبر النصَّ الفلسفي التراثي دائما بمنزلة المدخل والموجِّه. من هنا كانت عنايته الشديدة بإعادة الاعتبار للنص الفلسفي العربي، ومحاولته تخليصَه من الحيف الكبير الذي لحقه منذ عدة عقود، وذلك بُغية تصحيح كثير مما تراكم حوله من أوهام ومسبقات، سواء على مستوى إشكالية التحقيب، أو تصور خريطة تاريخ الأفكار وتوزيع المذاهب والتيارات الفلسفية… إيمانا منه بأن هذا الاختيار المنهجي كفيلٌ ـ بالإضافة إلى أهميته العلمية ـ بخلق حداثة فلسفية عربية معاصرة لزماننا برهاناته وتحدياته الراهنة…
من بين مؤلفات الدكتور محمد ألوزاد، نذكر العناوين الآتية:
* القول الإنسي لابن باجة، الدار البيضاء، مطبعة الأندلس، 1994.
* التعاليق المنطقية لابن باجة، تحقيق وتقديم، تونس، الدار العربية للكتاب، 1997.
* نشأة الفكر الفلسفي في الأندلس، تمهيد لدراسة العقلية الإسلامية في المغرب (غير منشور).
كما أن له مقالات متعددة نُشرت في منابر متخصصة مختلفة يصعب حصرُها، فضلا عن أبحاث شارك بها في عدة ندوات وملتقيات فلسفية داخل المغرب وخارجَه.
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور محمد ألوزاد يضطلع بالمهام العلمية الآتية:
ـ عضو الجمعية الفلسفية المغربية.
ـ عضو هيئة تحرير مجلة “مدارات فلسفية” التي تصدرها الجمعية المذكورة.
ـ رئيس “مجموعة البحث في الفلسفة الإسلامية” بفاس.
ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية والفكر العربي المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي
محمد بن عبد الله (فاس)، ورئيس وحدةٍ للتكوين والبحث بها في محور: “مفاهيم وآليات
التفكير“.
ـ مدير “مركز الدراسات الرشدية” التابع لكلية الآداب بنفس الجامعة.
* * * *
الصـورة: كان لكم فضل المشاركة في المبادرة إلى تأسيس “مركز الدراسات الرشدية” بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس. نود منكم أن تتفضلوا بإعطاء فكرة لقراء المجلة عن المسيرة العلمية لهذا المركز الذي تتحملون مسؤولية إدارته حاليا: ما هي مجالات اهتماماته؟ ما هي أهدافه؟ وما هي حصيلة أنشطته وعطاءاته؟ ما هي العلاقات التي استطاع ربطها مع نظرائه من المراكز الأجنبية الأخرى ذات الاهتمام المشترَك؟
p د. ألوزاد: لا بد من التنبيه إلى أشياء وردت في هذا السؤال، منها أولا قضية المشاركة في تأسيس “مركز الدراسات الرشدية”. الواقع أن فكرة المركز، في بداياته الأولى، يعود الفضل فيها أساسا إلى زميلنا المرحوم جمال الدين العلوي، في إطار علاقاته الشخصية بالعديد من المهتمين بالدراسات الرشدية في أوروبا وأمريكا، حيث تم الاتفاق في البداية على أن تقام ندوات تحتضنُها دوريا كل دولة أو كل منطقة، لأن كل دولة –تقريبا- تمثل منطقة من المناطق، سواء في آسيا، أو إفريقيا، أو أمريكا، أو أوروبا. وكل دولة من هذه الدول، أو كل منطقة من هذه المناطق، تتولى الإشراف على هذه الندوة في إطار مشروع مشترَك هو محاولة تجميع سائر أعمال أبي الوليد ابن رشد المتناثرة والمشتتة، بغية نشرها وتحقيقها وإعداد دراسات حولها. فهذه الندوات واللقاءات كانت تعتبَر إذن بمثابة لحظة من لحظات التوقف لمعرفة حصيلة ما انتهى إليه هذا العمل، وما قد يحتاج إليه من أجل إنجاز المزيد من التحقيقات.
لقد كان المغرب فعلا يفتقر في هذا الإطار إلى مركز أو إلى نقطة لقاء، على أساس أن جميع الدول والمناطق التي شاركتْ بأبحاثها، أو التي اعتزمت المشاركة، كانت تمتلك مراكز معيّنة تحتضن هذه الدراسات الرشدية، إما بصفتها مراكز تنتسب للمركز الأم الذي يَشمل، مثلا المركز الوطني للبحث العلمي (C.N.R.S) بفرنسا، أو بالنسبة لأمريكا التي تَرعى فيها الجامعات مراكز البحث، بحيث تضع الجامعة رهن إشارة الأساتذة باستمرار ما يمكن أن نسميه بمجال البحث Espace، تخصَّص كلُّ مكوناته لهذا الغرض، سواء فيما يخص الآليات أو الإمكانيات. وكذلك بالنسبة للباحثين المصريين الذين ساهموا في هذه الانطلاقة، إذ كانوا قد سارعوا بدورهم إلى إعداد ما يمكن أن يمثل مركزا لهذه الدراسات عن طريق الاستفادة من الصلات التاريخية التي كانت قائمة بينهم وبين عدد من مراكز البحث الأفرو/آسيوية والعربية. لا ننسى أن مصر استطاعت أن تستفيد من هذه الشبكة من العلاقات، فمن المعروف مثلا أن معهد المخطوطات العربية الموجود بالقاهرة يستفيد من إمكانيات جامعة الدول العربية. هذه أمور لا نجدها في المغرب. وبالنسبة لتونس، نعلم أن التونسيين سارعوا بدورهم -حينما أدركوا أهمية مثل هذه المشاريع- إلى تدشين مؤسسة “بيت الحكمة”، إضافة إلى أن التونسيين قد تقدموا نسبيا على المغاربة في هذا المجال، لأنهم كانوا سباقين إلى تخصيص بعض المراكز أو الأماكن لِما يسمَّى بالسياحة الثقافية وإعدادها لاحتضان هذا النوع من الأنشطة، خاصة ما يتعلق منها اليوم بالقيروان. بقي المغرب في هذا الباب آنذاك دون أن يمتلك أيّ مركز كنقطة التقاء لهذا النوع من اللقاءات.
يجب أن نحرص على إبراز أن فكرة المركز كانت بالدرجة الأولى فكرة مكان للقاء، أكثر منها مشروعا لأعمال أخرى. من هنا كانت مبادرة المرحوم جمال الدين، بحُكم علاقاته وصِلاته الواسعة والمتعددة مع عدد من الباحثين في أوروبا وأمريكا والعالم العربي، بالاتصال في هذا الشأن بعميد الكلية آنذاك الأستاذ عبد الوهاب التازي سعود الذي رحب بالفكرة وخَصَّص مقرا لهذا المركز عبارة عن جناح خاص ما يزال يُستعمَل إلى اليوم، وقد تم تجهيزه ببعض الأدوات والوسائل لإتاحة الفرصة أمام الباحثين للالتقاء. هكذا تم فعلا عقد عدة لقاءات دولية داخل هذا المقر حينما كان المغرب هو الذي يُرشَّح أو الذي يلتزم باحتضانها. ولكن تلك اللقاءات لم تكن ذات طابع جماهيري أو عمومي، بل كانت مقصورة على نخبة أو ثلة من الباحثين المتخصصين لتدارس أوضاع البحث في الدراسات الرشدية.
هذه الفكرة التي انطلقت بهذا الشكل بدأت تتطور، أو عَرفت بعض التطورات التي فرضتها أحداث. فالفكرة كانت بدون شك بحاجة إلى دعم داخلي من داخل الكلية والجامعة التي تَنتسِب إليها، وكان من الطبيعي أن تتكاثف الجهود لدى المهتمين بالفلسفة الإسلامية من أجل إنجاحها. فمن الصعب جدا تصور إمكانية قيام مركز أو موقع للبحث بهذا الشكل دون وجود كتلة أو تكتل أو مجموعة بحث، لأنه حتى في المراكز الأخرى هناك نوع من التكتلات. وبالفعل فقد، أتاحت علاقات الصداقة وعلاقات الاهتمام المشترك لمجموعة من المهتمين أن تؤسِّس أو أن تَحتضِن فكرة المركز. فمن الناحية الزمنية يصعب أن نقول إن هذا كان أسبق من الآخر، ولكن الأمور جاءت متناغمة أو منسجمة تماما. ومن ضمن الأسماء الأساسية التي شاركت آنذاك أذكر (طبعا إلى جانب المرحوم الأستاذ جمال الدين العلوي) زميلنا الأستاذ محمد المصباحي الذي يعمل حاليا بجامعة الرباط، وأيضا زميلنا الأستاذ العلمي حمدان، وبطبيعة الحال عبد ربه الذي كانت له أيضا مشاركة نسبية في هذه الانطلاقة. فالمشاركة هنا يجب أن تفهم بهذا القدر في البداية.
ما حدث من تطورات لاحقة، لا أدري هل هي من الأهمية حتى أسردَها، ولكن إن لم تعد لها أهمية حاليا، فتبقى لها قيمة تاريخية بالنسبة للقراء لمعرفة تطور المركز. فالذي حدث بعد ذلك هو أن هناك أمورا قد تدخلت في تحديد مستقبل هذا المركز، أولها أن هناك شعورا أصبح متزايدا آنذاك مفادُه أنه من الصعب أن يتمتع المركز بدعم مالي وإداري متميز، أو حتى بدعم مشروع في نطاق مرافق الكلية والجامعة. هذه مشكلة قانونية أيضا. أعتقد أننا لا ندرك كثيرا أن المغرب من ضمن الدول القليلة التي لا يوجَد فيها لحد الآن قانون يَضبط ما يُسمَّى بمجموعات البحث العلمي في الجامعات. وللأسف، قد لا ندرك خطورة هذه الوضعية، ولكنها من الخطورة بمكان، أي أننا لا نملك قانونا ينظِّم تأسيس هذه المجموعات (على غرار القانون العام المنظِّم لتأسيس الجمعيات الثقافية مثلا)، حيث تظل مجرد مبادرات فردية يقوم بها بعض الأساتذة، وقد تحظى في بعض الحالات بمباركة رؤساء الشعب، وقد لا تحظى بذلك، كما أنها قد تحظى أيضا بدعم عميدٍ من العمداء. والمسألة نسبية؛ فمزاج العميد وأحوال الكليات تتغير، وتتبدل معها أوضاع هذه المجموعات التي لا تَخضَع بالتالي لمقياس معيّن. ولذلك فإن الكثير من مجموعات البحث التي توجَد في العديد من الجامعات، كجامعة الرباط مثلا، لجأت إلى تنظيم نفسها في نطاق جمعيات. مما يعني أنها فضلت الوضعية القانونية على وضعيةٍ غير مستقرة داخل الجامعة، أو وضعية لا مستقبَل لها داخل الجامعة. في هذه الوضعية الضبابية أو الغامضة –قانونيا على الأقل- سنجد أنه من الصعب جدا أن تجد مثل هذه المجموعات تمويلا ودعما إلزاميا، أعني دعما منتظِما يفرضُ نفسَه كما تفرضُه مثلا الشُّعب والأقسام الأخرى. في هذا الظروف حاول المرحوم جمال الدين العلوي مع كافة الزملاء أن يطرحوا فكرة تطوير المركز إلى مؤسسة تتمتع بنوع من الاستقلالية الذاتية داخل الجامعة. هناك قانون موجود فعلا هو قانون مراكز البحث العلمي، وهو شيء آخَر غير مجموعة البحث، إذ لا يمكن الخلط بينهما، لأن مركز البحث يقترب من فكرة معهد البحث، وهو يَفترض مؤسسة، ويَفترض أن يعيَّن رئيس المؤسسة بظهير أو بقرار وزاري، ثم تخصَّص له بعد ذلك ميزانية يَستقل بها.. الخ. فهذا الطموح كان يبدو آنذاك بمثابة الحل لهذه الفكرة. وبالفعل، طُرحَتِ الفكرة آنذاك على المسؤولين في أعلى مستويات الوزارة، وقدِّمت وعود في هذا الصدد، وانتظر الجميع أن تجد طريقها إلى التطبيق، ولكن شيئا من ذلك لم يَحدث. هذا تحوُّل أو عامل مهم في مصير المركز.
الأمر الثاني أنه حدث ما لم نكن نتوقعه، وهو وفاة المرحوم جمال الدين العلوي بصورة تكاد تكون فاجعة مفاجِئة لم نكن نتوقعها أبدا. فكان ذلك يعني طبعا في الوقت نفسه فقدانَ الفكرةِ ذاتِها لأحد المروِّجين لها، ولأحد الذين كانوا يملكون علاقات ووسائل لإنجاحها. وبدون شك، فقد كان فقدانه حقا خسارة كبرى ما زلنا نعاني منها إلى اليوم.
وهناك أيضا تحول آخر، وهو انتقال الأستاذ محمد المصباحي إلى جامعة الرباط، الشيء الذي خَفف من علاقاته بالمجموعة. فظلت المجموعة بالتالي مقتصِرة على الأستاذ العلمي حمدان وعلى عبد ربه. هذه الوضعية جعلت من الممكن الحديث عن تأسيس جديد. لقد كان من الطبيعي، في ضوء هذه المعطيات، أن تَحدث المبادرة. إن ما يطرحه هذا السؤال يتعلق في الحقيقة بما بعد هذه التداعيات التي لم تقع إلا في أوائل التسعينات، أي إعادة هيكلة المركز وإعادة تأسيسه. فبعد التداول في هذه المستجدات، وبعد محاولات من هنا وهناك، وبعد صعوبات لا أخفيها هنا؛ إذ لم يكن الأمر بالسهولة التي نتوقع، سواء مع الإدارة أو مع الزملاء. فالفلسفة الإسلامية ما زالت تعاني ـ حتى داخل شُعب الفلسفة ـ من سوء الفهم وسوء التقدير. فكان من الضروري أن تبذَل جهود أخَذت منا وقتا ليس بالقصير، لأن التوجه العام كان يميل إلى تجريد الفكرة نفسِها وتحويلِها إلى مجموعة للبحث في تاريخ العلوم. هذا من دون شك كان يمكن أن يَمنح للمركز روادا أو مساهمين أكثر، لأن العديد من الباحثين والأساتذة تخصصوا في هذا الميدان، وهو من الميادين التي أصبحت شائعة اليوم. ولكن ذلك كان سيكون على حساب التخلي عن الفلسفة والعلوم الإسلامية، وهو أمر لم يكن واردا لدينا على الإطلاق. فكنا مضطرين إلى أن نضحي بأشياء كثيرة من أجل أن نخلق مجموعة بحث أخرى بشرائط أخرى، ولكن أن تحقِّق نفس الأهداف التي تضمنتها الفكرةُ في أصولها الأولى. فتم تأسيس، أو بالأحرى، إعادة تأسيس مركز الدراسات الرشدية على أساس جديد، أو في سياق جديد.
هذا السياق الجديد مفادُه أنه لم يعد من الممكن الحديث عن استقلالية خارج الكلية، فاستقر الرأي على أن الوضعية الراهنة تَفترض ربط المركز أكثر بالكلية. وذلك معناه منحُه موقعا في التكوين لم يَكن لديه من قبل، حيث لم نر أيَّ مانع من أن نجعل منه ما يشبه مختبَرا Laboratoire يَستقبل ويرحب بعدد من الباحثين الشباب، سواء من طلبة السلك الثالث، أو من طلبة نهاية السلك الثاني ممن يريدون التخصص في هذا الميدان. وهذا تحول مهم، حيث فتح أفق المركز على التكوين.
الأمر الثاني أننا حاولنا أن نستغل الإمكانيات المتاحة، ولو أنها متواضعة. حاولنا قدر الإمكان استغلالها على الوجه الأفضل، وهو ما يُسمَّى اليوم بترشيد الإنفاق. فقمنا بحصر المركز في مقر متواضع نسبيا يأخذ منا حجما صغيرا، ولا يتطلب الكثير من التجهيزات. أصبحنا كذلك نعوِّل على بعض الإمكانيات الذاتية، كتلك التي يمكن للمركز أن يستخلصَها من أنشطته الخاصة، خصوصا من المطبوعات أو المنشورات التي ينجزها، بحيث يمكن أن يستفيد من عائدات مبيعاتها في تحريك أنشطته. هذا فضلا عن استفادته من وسائل الكلية المتواضعة، ولكن في حدود، دون أن يصبح عالة أو ثقلا على الكلية. فنحن نحاول دائما أن لا يبدو المركز كما لو كان يشكل عبئا كبيرا.
الأمر الثالث هو إيجاد علاقات مستمرة مع المراكز الدولية. ولكن طبيعة هذه العلاقات تغيرت؛ إذ لم يعد يتعلق الأمر بنظام دولي، أو بشكل من أشكال الأنشطة التي كانت في المنطلَق، بل تغير الأمر إلى نوع من التعاقدات. ارتأينا أنه لا الوقت من جهة، ولا إمكانياتنا الذاتية من جهة أخرى، لم تعد تسمح بتلك العلاقات الكبرى الواسعة المجال، ولذلك فضلنا بدلها إنشاء أو تأسيس تعاقدات. ولعلنا الآن نَسِير بفضل هذه التعاقدات، واستطعنا أن نحقق الكثير. فقد بدأنا أولا بإنشاء مكتبة متواضعة جدا للمركز ولكنها أساسية. وبفضل هذه التعاقدات استطعنا أيضا استقبال عدد من الباحثين، واستطعنا أيضا إرسال العديد من طلبة السلك الثالث والباحثين في مهام خارجية. ولعل أهم تعاقد نعمل في إطاره هو التعاقد مع المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (القسم المتخصص في تاريخ العلوم والفلسفات العربية).
بيد أن مسألة التعاقدات ما تزال بدورها تحتاج إلى تطوير؛ فنحن نعلم أن مشكل التعاقد هو أننا أصبحنا نملك فرصا قوية لإيجاد تعاقدات مع العديد من الجامعات المغربية أو الأجنبية بالخصوص. للأسف فالجامعات العربية الشقيقة لم تتعوَّد بعد على هذا النمط من التعامل، أما مع الجامعات الغربية فقد حققنا في هذا الباب بعض النتائج. ولكن المشكل يكمن في الطرف المغربي. وهنا نعود إلى مسألة الجانب القانوني، وهي أننا لا نملك في هذا الإطار ما يمكن أن يُسمَّى بجهاز لتفعيل الاتفاقيات، وهو أمر غريب. فالاتفاقيات التي تعقدها الجامعات والكليات غالبا ما تظل كثير من أبوابها معلقة، رغم أنها ذات فوائد وامتيازات جمة للمغرب، لكن المسؤولين المغاربة لا يستغلون تلك الإمكانيات ولا يجعلوها تتفعَّل. وهذا أمر غريب يبعث على التساؤل.
إن الدخول في التفاصيل سيوقعنا في مساجلات ليس هذا محلها، فهدفنا علمي أكثر مما هو متعلق بالتسيير الإداري. ولكني سأعطي مثالا حيا في هذا الباب، هو أن الطرف الأوروبي، أو الطرف الفرنسي يكون مُستعدا في بعض الاتفاقيات مثلا لاستقبال الطلبة أو الباحثين المغاربة، وتوفير الإقامة لهم. ولكن مقابل أن يوفِّر الطرف المغربي فقط في بعض الحالات تذكرة الذهاب. ولكننا نلاحظ أن مجرد توفير هذه التذكرة يشكل معضلة حقيقية: مَن سيقدِّم هذه التذكرة بالضبط؟ ما هو الجهاز أو الجهة المعنية والمكلفة بذلك؟ فعِمادة الجامعة غالبا ما تلقي المسؤولية على الكليات التي بادرت إلى هذه التعاقدات، والعكس. وهكذا فإن الأمور، في نهاية المطاف، تصبح معلقة؛ فالطالب لا يستطيع الذهاب على حسابه الخاص، وحتى إن استطاع مرة فلن يستطيع مرات متعددة. قد يحدث أحيانا أن نستضيف باحثا على نفقته الخاصة، ولكن عليه أن يجد هنا بعض شروط الإقامة وتعويضات العمل الذي سينجزُه. وهنا أيضا يُطرح السؤال: مَن سيؤدي هذه التعويضات؟ العمداء يَدفعون فعلا في نطاق محدود جدا، ولا يتجاوزون مقادير متواضعة جدا قلَّ أنْ تقنع الباحثين الأجانب ولا تشجعهم على الاستمرار في العمل.
هذا فيما يتعلق بتبادل الباحثين، لكن هناك مشكلة أخرى تتعلق بالمنشورات، إذ أن الأعمال المشترَكة في التعاقدات غالبا ما تكون مرتبطة بمُحَصِّلةٍ يتم الاتفاق عليها، كإعداد مشروع مشترَك في صيغة كتاب، أو في صيغة دراسة مشترَكة، أو في أية صيغة علمية أخرى. فكيف يمكن للطرف المغربي أن يؤدي نصيبَه من تكاليف هذا العمل؟ هنا نجد المسألة تتعقد. صحيح، إننا لا نجد النفي أو الرفض، ولكننا نجد التأجيلات وإحالة كل طرف على الطرف الآخر. وهذه أمور تجعل المغاربة أنفسَهم يعانون نفسيا، وتجعل الأجانب ينفضون أيديهم من هذه الأشياء. وبالمناسبة، فإن المركز يملك حاليا تعاقدات مع جامعتين على الأقل في باريس، ولكن المشكلة الصعبة جدا والتي ما زلنا نكابدها تتمثل في كيفية التطبيق. نحن لا نبرئ الطرف الأجنبي دائما في هذا الباب، فنحن لسنا محبِّين لتعذيب أو جَلد الذات، بل إن الطرف الأجنبي بدوره يتحمل فعلا بعض المسؤولية في بعض الحالات. والحقيقة أن المسألة يمكن أن تعالج لو توفر شيء من الحوار الصريح مع شركائنا الأجانب. إنهم لا يَنفرون أبدا من فكرة ضبط الأشياء، ولكن يجب أن تكون الأمور متسمة بالصرامة والمرونة.
& الصـورة: يحتل الاهتمام بالمخطوطات حيزا مركزيا ضمن أنشطة مركز الدراسات الرشدية. فقد أعلنتم في مناسبات عديدة أن هذا الأمر بالنسبة لكم “ليس عملا هامشيا، بل ينبع من صميم اهتمامات مركز الدراسات الرشدية، بل إن مهمة التنقيب عن المخطوطات وتحقيقها تحقيقا علميا من أولويات المركز” (النشرة الإخبارية الأولى لمركز الدراسات الرشدية، 1999، ص: 4). كما أنكم ما فتئتم تؤكدون على ضرورة هذه الاستراتيجية من أجل تحقيق الإقلاع الفلسفي المنشود ببلادنا، خصوصا في ضوء ما تعتبرونه بمثابة الانحرافات والأعطاب القاتلة التي أصابت كثيرا من المحاولات الإحيائية المغربية السالفة منذ محاولة المرحوم محمد عزيز الحبابي، إما من جراء إفراطها في التعويل على “القراءات الإيديولوجية”، أو تفريطها في استقصاء وتمحيص جذورنا الفلسفية المحلية والارتباط بها.
ـ ما هي الحصيلة التي أسفرت عنها جهودكم، رفقة فريق الباحثين الذي تشرفون عليه ضمن مركز الدراسات الرشدية، على مستوى علاقات التعاون العلمي التي استطعتم نسجَها مع الخزانات الفلسفية داخل الوطن وخارجه، وأيضا على مستوى النصوص المخطوطة التي تمكنتم لحد الآن من إنجاز تحقيق علمي لها وفق المواصفات الأكاديمية المعاصرة، أو تلك التي هي قيد الإنجاز حاليا؟
ـ إذا كنتم ترون بأن “التحول في تاريخ الفلسفة عموما يظل رهينا بالمخطوطات؛ فبفضلها تم التحول في الدراسات الأرسطية على يد ييجر وجماعته، وكذلك في الدراسات الماركسية على يد ألتوسير. ففي مثل هذه التحولات، يمثل الرجوع إلى المخطوط دائما العاملَ الوحيد الذي يمْكن أن يغيِّر مجرى التاريخ الفلسفي” (م. س، ص: 6). إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يساهم المجهود البيبليوغرافي التوثيقي، من خلال الاشتغال بالمخطوطات، في إحداث تحول إيجابي في مسار التأريخ للفلسفة العربية الإسلامية، على غرار ما أشرتم إليه من تحول بالنسبة لمسار الدراسات الأرسطية والماركسية؟
p د. ألوزاد: ينقلنا هذا السؤال إلى استعراض المحصِّلة Le Bilan. أعني ماذا حقق المركز في نطاق هذا التصور؟ لا أخفي أن الكثير من الوقت قد ضاع من أجل إحداث ما ذكرته باختصار شديد بصدد هذا التحول المطلوب. لأن مثل هذا الاتجاه ليس معتادا، وليست له سوابق قبل ذلك في شُعب الفلسفة على الخصوص. فالكليات والجامعات المغربية لم تتعود على هذا الاتجاه، وخاصة في الميدان الفلسفي. ربما قد يكون تحقق نوع من التقليد في شُعب التاريخ أو الأدب العربي لتحقيق النصوص وغيره، بحيث اعتاد عدد من الباحثين أن يؤسِّسوا تقليدا استمر نسبيا، رغم أنه ما يزال بدوره يعاني من مشاكل. إذن فقد أضعنا وقتا غير يسير من أجل ترسيخ هذه الفكرة، ولذلك يجب أن نأخذ النتائج بتواضع نسبي في ضوء الوقت الذي ضاع، لأننا نعلم أن التحقيق يأخذ زمنا طويلا. فالذي لا يعلمه الكثير من الناس أن بعض التحقيقات قد تستغرق سنوات لأسباب متعددة. كما أن التحقيق يتطلب شرطا آخر هو توفر الإمكانيات، لأن عملية التحقيق العلمي ربما تختلف كثيرا عن التأليف أو الدراسة العامة، بحيث تتطلب التنقيب، والتنقيب يتطلب إمكانيات ووسائل مادية ضخمة، كالتنقل الميداني لمعاينة وفحص المخطوطات. وقد أشرت في البداية إلى هذه المشكلة. فهذا المركز لا يمكن أن نتوقع منه ما يتجاوز إمكانياته. ومع ذلك، وفي ظل هذه الظروف الصعبة، فقد تمكن فريق الباحثين الذي يشتغل بالمركز حاليا من إنجاز عدد من الأعمال، ولكن في إطار نصوص بعينها، هي نصوص أبي بكر ابن باجة، بحيث يمكن أن نقول إن المركز قد أصبح حاليا “مركزا للدراسات الباجوية”، خصوصا وأنّ بين كلٍّ من ابن باجة وابن رشد ما لا يخفَى من العلاقات والوشائج. في إطار هذا العمل المشترك أمكننا إذن إنجاز عدد من النصوص وتحقيقها وتهميشها ونشرها، وبعضها ما يزال ينتظر النشر. وتلك مشكلة مرتبطة بالإمكانيات التي لا تتوفر لنا دائما، فالعديد من الأعمال تظل تنتظر.
لعل أهم ما تمكن المركز من إنجازه في هذا الإطار هو تحقيق، أو بالأحرى إعادة تحقيق “التعاليق المنطقية لأبي بكر ابن باجة“. والمؤسف أن هذه التعاليق قد عَرفت نشرات سيئة جدا في المشرق على الخصوص. فباستثناء نشرة محمد سليم سالم لجزء صغير من هذه التعاليق، فإن البقية قد نُـشرت نشرات سيئة، ربما أسوء من الأصل. لذا اضطررنا لإعادة تقديم هذه التعاليق، وإعادة نشرها. وقد أمكننا الآن تحقيق قسم مهم منها، بعضُها نُشر وبعضُها ينتظر النشر. وأهم ما نعمل على إعداده حاليا هو أهم أقسام هذه التعاليق، أعني تعاليق ابن باجة على كتاب البرهان لأبي نصر الفارابي الذي نسعى الآن إلى تحقيقه وإخراجه خلال هذه السنة إذا أسعفتنا الظروف. إذن في هذا الباب أمكننا أن ننجز شيئا مهما في تصحيح نص ربما لم يكن قد نـُشر من قبل، أو نـُشر بالأحرى نشرة رديئة.
أيضا، لأول مرة ننشر نصا آخر لابن باجة لم يكن معروفا وظل مجهولا فيما مضى. وقد تم تحقيقه بتعاون مع المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي، وهو نص “قول ابن باجة في القوة الناطقة“، الذي كان يُعتبَر مفقودا إلى أن أثبت مخطوط برلين وجودَه فأمكننا أن ننشره محققا. وللأسف فإن هناك هوامش تم إعدادها لكنها ما تزال تنتظر النشر، وقمنا بترجمتها أيضا إلى الفرنسية. والترجمة الفرنسية بدورها تنتظر النشر أيضا. الشيء الذي يعطي صورة عن الوضعية التي لا تتعلق بالبحث العلمي، بقدر ما تتعلق بالإمكانيات التي لا تتوفر حتى لهذا البحث إذا تم إنجازه. لذلك كثيرا ما لا نُحسن التقدير لأعمال عدد من المؤسسات الوطنية وحتى للباحثين المغاربة بسبب انعدام هذا الشرط الأساسي الذي هو التعريف بأعمالهم ونشرها. وهذا ما يُضعف كثيرا موقعهم في النشاط العلمي الراهن.
ومن جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أننا الآن كذلك نعمل في إطار عملية التحقيق على حلّ مشكلة مهمة جدا في تاريخ الفلسفة، وفي فلسفة ابن باجة على وجه الخصوص، أعني مشكلة وجود مجموعة من النصوص المنحولة لابن باجة، التي سبق أن نشرها زميلنا المرحوم جمال الدين العلوي، ونحاول أن نقدِّمها اليوم بصورة نقدية.
ولم يقتصر عملنا على ابن باجة فقط، إذ أمكن لفريق الباحثين في المجموعة أن يحقق نصا في تاريخ الرياضيات لأبي نصر الفارابي، وهو بدوره ينتظر النشر بالمطبعة. وهناك أيضا تحقيق آخر سيُنشر وقد تم إنجازه أخيرا، وهو نص مهم جدا لأبي الحجاج المكلاتي (المتوفى سنة 627 هـ) حول الاصطلاحات الفلسفية التي كانت شائعة في المغرب زمن ابن رشد.
أما الشطر الثاني من السؤال، فيُعيدني إلى فترة زمنية ذات طابع شخصي، أيام اهتمامي في السبعينات بالتأريخ للفلسفة الإسلامية. ذلك الاهتمام كان قد بدأ بالبحث في شخصية لم تكن معروفة كثيرا، هي شخصية محمد ابن مسرة. حينما حاولتُ التنقيب حول هذه الشخصية وحول ما نُسِب لها، تبين لي أن الدراسات التي أُنجزت، وأهمها دراسة أسين بالاثيوس Asin Palacios، كانت قد عوّلت على نصوص معيّنة هي تلك التي كانت تمثل ما يُعرَف بالأنباذوقلية المنحولة. فأدركتُ آنذاك أن تقدير فلسفة ابن مسرة وتحليلَها ومعرفة أبعادها لا ينبغي أن يظل رهينا بمجرد التخمينات، وإنما بمحتويات هذه النصوص وبما تقدِّمه، ولكنه رهين أيضا بالطريقة التي نتعامل بها مع هذه النصوص. فكلما كان عَمَلنا وفِعْلُنا في هذه النصوص قويا، كلما انعكس ذلك إيجابيا على طريقة إدراكنا لفلسفة ابن مسرة ولمن سواه من الفلاسفة. وكنت أعتقد آنذاك أن ابن مسرة ربما كان مجهولا ومغمورا، وأنه لم يَترك أعمالا، ومن ثم أصيبت أفكارُه وآراؤه بشيء من سوء الفهم. لكني سرعان ما أدركت تدريجيا، ومع تعاقب الاهتمام بفلاسفة آخرين، أن المشكلة نفسَها تُطرَح كذلك حتى بالنسبة لهؤلاء، وأن النقص الحاصل في إعداد النصوص وفي تفحصها ودراستها ينعكس على الخُلاصات التي ينتهي إليها الباحث. وتبينتُ أيضا أن هذا الفحص العلمي الدقيق كثيرا ما تعوقه مجموعة من الأحكام المسبقة ومن الأفكار القبلية التي توجِّه الباحث، أو التي يريد الباحث أن يَفرضها فرضا على هذه النصوص. وهذا اتجاه يتعارض مع ما يُسمَّى بالموضوعية في قراءة النصوص، وإنْ كانت الموضوعية المطلقة، بدون شك، معدومة في هذا الباب، ولكن هناك حدود دنيا وأرضية لا بد منها، حتى لا تتساوى الأمور، وتختلط الأشياء والمذاهب والعصور. وهذا أمر ليس في صالح البحث العلمي أبدا. فتَبين لي أن هذا النوع من الخلط أمر واقع فعلا لدى عدد من الباحثين بسبب هذه القراءة غير العلمية للنصوص الفلسفية، بحيث لاحظتُ أنه كثيرا ما تنتهي مثل هذه القراءات غير العلمية بأصحابها إلى مواقف غير علمية من التاريخ الفلسفي الإسلامي. فحينما نُقصِي هذا، ونبعد هذا، ونقرِّب هذا، ونمنح المشروعية لهذا على حساب ذاك، هذه الأشياء كلها تبدو غير منسجمة دائما مع هذا التاريخ الفلسفي الذي يجب أن نستقرئه. من هنا وجدتُ نفسي أمام السؤال الآتي: هل لهذه الأعمال التحقيقية نتائج إيجابية، ليس فقط في تصحيح الأخطاء، ولكن هل تمارس دورا بنائيا إيجابيا في عملية التأريخ للفلسفة الإسلامية؟ لقد كنتُ أندهش دائما لماذا تأخر إدراك ما هو بهذا الوضوح؟ شخصيا، لا أملك عصا سحرية في هذا الباب. صحيح، إن الأمور تبدو من البداهة إلى درجة أستغرب معها كيف كان يتم تجاهُلها دائما؟ كيف يزعم بعض الباحثين أن كل شيء في مجال التحقيقات والنصوص قد اكتمل وانتهى، وأن لا فائدة بالتالي من أن نبحث عن شيء جديد في هذا الميدان، وأن الأهم بالمقابل هو أن نعيد القراءة. والواقع أن الأمر ليس كذلك؛ فالإيجابيات التي نلمسها حاليا -والتي أدركتُها فقط في حدود ما أعمل فيه- تؤكد أن هذا العمل في النصوص أصبح اليوم يَفرض مراجعات في تاريخ الفلسفة الإسلامية. ربما سيبدو لنا بعد سنوات أن خريطة تاريخ الأفكار وتاريخ الفلسفة الإسلامية ستصبح قديمة جدا، كما ستصاب المشاريع والأبنية التقليدية السائدة لتاريخ الفلسفة بالتقادم، إلى درجة قد يبدو لنا مستقبلا أن هذا البناء التقليدي السائد في تاريخ الفلسفة أصبح يَميل لأن يصبح في حُكم الأطلال.
إن هذه المراجعات –ولا أقول مراجعة بالمفرد- تتعلق أولا بالتحقيب؛ تحقيب الفلسفة الإسلامية، هناك خطاطة قديمة لابد الآن أن تُراجَع لوضع خطاطة أخرى بديلة. إن النصوص الآن لم تعد قادرة أبدا على أن تُبَرهِن بأن المسار الفلسفي الإسلامي قد ابتدأ بالكندي وانتهى بابن رشد. هذه قصة انتهت، أو يجب أن تنتهي. وللأسف، فإن الأمور لم تنته، ونحن نعلم أسباب ذلك، لأن هناك ما يمكن أن نسميه بالتناصّ في الدراسات الإسلامية. أعني أن كل باحث يكرِّر في مدخل دراسته عمدا وبشكل مقصود ما قاله السابقون، ثم سرعان ما ينتقل بعد ذلك إلى موضوع بحثه الخاص، على أساس أنه امتداد، ولا يَرى ضرورة أن يراجِع تلك المقدمات التي بَنَى عليها عملَه كله. فالتحقيب يَفترض الآن أن نتحدث، حسب ما تقدِّمُه النصوص، عن أقطاب ثلاثة على الأقل في تاريخ الفلسفة الإسلامية. يمكن أن نقول ثلاثة منطلقات وليس قطبا واحدا؛ إذ يمكن الحديث الآن عن الكندي كمنطلَق لتيار أول، إلى أيِّ حد كان الفارابي –وابن سينا مِنْ بَعده لاحقا- جزءا منه، أو لم يكن؟ وهناك قطب ثان هو قطب الرازي. ثم هناك أيضا قطب ابن مسرة الذي لا نملك له أية صلة علمية أو توثيقية مع بقية النصوص الفارابية، أو الكندية، أو الرازية. ثم هناك لاحقا مراجَعات أخرى بدون شك. وفي الحقيقة يعود الفضل في التنبيه إلى ضرورة مراجعة التحقيب عموما إلى هنري كوربان. ولكن هنري كوربان تحدث عن مراجعة التحقيب في سياق فصل التيار السني على التيار الشيعي، ومحاولتِه إيجاد مسار للتيار الشيعي الذي استمرّ في الفلسفة بعد ذلك إلى الزمن الحاضر. هذا شيء عام لا يمكن القطعُ نهائيا بإمكانية افتراضه أو تجاهله اليوم في ضوء معطيات النصوص.
الأمر الثاني هو مراجعة ما يمكن أن نسميه بالمساهمة الفلسفية الإسلامية، لأن القضية فيما مضى كانت دائما تُطرح على أساس مقارنة بعض النصوص بنصوص أخرى. أعني مقارنة بعض النصوص الفلسفية الإسلامية مع بعض النصوص اليونانية، لنَخلص إلى هذا الأطروحة أو تلك. عادة ما يَخلص البعض إلى أنه ليس في الفلسفة الإسلامية جديد، أو أنها مجرد تكرار بناءً على مجرد التوهم، دون أيِّ اعتبار للإطار العام لهذه النصوص الإسلامية. الآن ما دامت بدأت تتضح لنا الحدود الافتراضية لأعمال فلاسفة الإسلام؛ أعني لم نعد نتوقع عند الفلاسفة اكتشافات خطيرة في النصوص، فإن ما يمكن أن نحققه اليوم هو نوع من الترتيب لهذا المجال التوثيقي، أما الأفق العام فقد أصبح في تعدده بيِّناً. إذن فالأمور لم تعد كما كانت عليه من قبل، بل أصبحنا دون شك نمتلك نظرة أشمل للعمل. لقد أصبحنا الآن مُلزَمين بهذا الوضع التوثيقي، أصبحنا ملزَمين بأن نمنحه الأولوية، هذه الأولوية سواء كانت له أو عليه. إننا مطالبون الآن بمراجعة السؤال حول ما قدَّمه هؤلاء الفلاسفة في الإطار الفلسفي المحض. كما أن هذه المعطيات التوثيقية قد فَرَضت الآن مراجعة لِما أنجزه هؤلاء الفلاسفة في الميدان العلمي الدقيق. أعتقد أن هناك الآن شبه ثورة في هذا الميدان، حيث اكتشف عدد من الباحثين، سواء في المشرق أو في أوربا، ما في هذه النصوص من تجديدات أو إضافات علمية في مجال الرياضيات والفيزياء الخ. وبهذا الشكل، ضَعُفَتْ كثيرا تلك المقولات القديمة التي كانت تَبنِي أطروحاتِها على مجرد تلك المقارنات الانتقائية المحدودة التي أشرنا إليها سابقا.
الأطروحة التي تزعم أيضا أن الفكر الإسلامي مجرد إيديولوجيا. هذا كلام يمكن أن يكون مصيبا، ولكن في حدود، والحسم فيه يظل في نهاية المطاف متوقفا على النص نفسِه. ففي المجال الفلسفي لم يتم بعد ما قد تمّ في تاريخ العلوم، وإن كنا على مشارفه. فنحن الآن لم نعد نتساءل: هل ابن باجة أرسطي؟ أو هل ابن رشد أرسطي؟ لم نعد نَرى، ونحن في موقع النص وموقع الباحث، أنّ كون ابن رشد أرسطيا شيء يَمَسّ ابن رشد أو يُضعف من قيمته الفلسفية. كلنا اليوم بمعنى من المعاني أرسطيون، وسنظل أرسطيين لأسباب عديدة، تماما كما نحن اليوم أرشميديون على مستوى الفيزياء، وأبقراطيون على مستوى الطب. فبعض المنجَزات الإنسانية لا يمكن التخلص منها عبر أجيال. لم نعد نتساءل: هل كان هؤلاء أرسطيين أو أفلاطونيين أو غير ذلك، بل أصبحنا نتساءل عن حدود ما أنجزوه في إطار الأرسطية؛ فأرسطية أرسطو نفسِه، كما بَرهن ييجر Jaejer وباحثون آخرون، عَرفت تحولات، والأرسطية بعد أرسطو نفسُها دَخَلَتها تحولات. فما هي التحولات التي قدَّمها هؤلاء الفلاسفة؟ إن النصوص اليوم تبرهِن على وجود هذا التحول. وفي مقال نشرتُه في هذا الباب حول “كوجيطو” قبل الأوان عند ابن باجة، حاولتُ أن أبرهن أن المفهوم الأرسطي للعقل قد عَرف نقلة نوعية مهمة جدا بفضل ابن باجة. لكن هذا لا يعني أن ابن باجة قد خَرج على الأرسطية، ولا يعني أن ابن باجة قد أصبح ديكارتيا، كما لا يعني، بالمقابل، أن ابن باجة استمرّ في نفس المواقع الأرسطية تماما. فهذه التحولات ربما ليست دائما مُرضية، وقد لا ترضِي دائما الرغبة في أن نجد المفاجآت في التاريخ، أو طفرات تاريخية، ولكن البحث الفلسفي إنما هو نقد ولو كان ضئيلا ومحدودا، لأن الجزئي بالضرورة هو الذي يصنع الكلي، فعلم الجِينات الآن يبيِّن كيف تلعب الجُزَيْئات أدوارا مهمة جدا في تاريخ الكائنات الحية كلها. الأمر نفسُه ينطبق كذلك على التاريخ الفلسفي، بحيث أن هذه الخطوات الصغيرة، ولو داخل مذاهب مُهَيمِنَة، يمكن أن تَخْرُقَ مذهبا وأن تهيِّئ الأسباب لتَجاوُزه إلى مذهبٍ آخَر، وهكذا.
& الصـورة: منذ سنوات وأنتم تشتغلون ضمن فريق العمل الذي تشرفون عليه في إطار “مركز الدراسات الرشدية” بفاس على تحقيق بعض نصوص ابن باجة اعتمادا على مخطوطة برلين التي كانت تعتبَر إلى عهد قريب في حُكم الضائعة، قبل أن يتم إعادة اكتشافها مؤخَّرا في خزانة كراكوف البولندية. وقد أثمر هذا الجهد، منذ سنتين، إصدار مركزكم لأول تحقيق علمي لثلاثة نصوص باجوية (الآثار العُلوية، كتاب النفس، القول في القوة الناطقة).
ـ بحكم معايشتكم وتمرُّسكم الطويل بهذه المخطوطة الهامة، وبحُكم أنكم تعتبَرون من أوائل المشتغلين عليها (بالإضافة إلى جمال الدين العلوي وPaul Lettinck وJoaquín Lomba Fuentes)، ماذا يمكنكم أن تقولوه بصددها، مقارنة بما هو معروف عن نظيرتها بأكسفورد؟ ما هو الجديد، أو ما هي عناصر الإضافة التي يمكن أن توفِّره هذه المخطوطة للباحثين المتخصصين في فلسفة ابن باجة؟
p د. ألوزاد: قد أفاجِئ بعض القراء بكون ابن باجة هو فيلسوف فاس، وهو أمر مجهول للأسف لدى عدد من الفاسيين، فهم يدركون أسماء أخرى كان لها لمعانها في فاس، ولكنهم قد لا يدركون أن أرضهم تحتضن رفات أحد كبار فلاسفة الإسلام، هو أبو بكر ابن باجة، وقبرُه كما يقال كان معروفا إلى زمن متأخر بهذه المدينة. وللأسف، نأمل يوما ما أن يتاح، ولو رمزيا، تشييدُ ما يُذَكِّر به، على غرار ما قام به الإسبان مثلا من تشييدٍ للعديد من المآثر التي تخلِّد ذكرى فلاسفة مسلمين في مدنهم.
إن ما أود قوله في نطاق السؤال بصدد تميّز مخطوطة برلين هو أنها لم تكن مجهولة تماما، فقد كان لها تاريخ سأوجِزُه باختصار. لقد كانت هذه المخطوطة معروفة قبل الحرب العالمية الثانية، واطَّلع عليها أسين بالاثيوس واستعمَلَها. هل استعمل النسخة الأصلية، أم استعمَل فقط ميكروفيلم عنها؟ المهم أنه استعملها بطريقةٍ ما، وعَوَّل عليها في نشر رسائل معيَّنة لابن باجة من ضمنها “رسالة اتصال العقل بالإنسان“. وقد كانت آنذاك محفوظة في برلين، وبعد الحرب العالمية الثانية فُقِدت، ولم يَعد أحد يَعرفُ مكان وجودها. لم تكن مفقودة بالمعنى المطلق، وإنما أصابها ما أصاب عددا من التحف والذخائر. ومع ذلك، وحتى خلال فترة فقدانها، ظل وصفُ المخطوطة ووصف أقسامُها ومحتوياتُها متوفرا في دليل خاص نَشَر جانبا منه المرحوم جمال الدين العلوي، وهو دليل خزانة برلين.
أخيرا، وفي أوائل التسعينات، أعيد اكتشاف المخطوطة من طرف الباحث الألماني جيرهارد أندرس Gerhard Enders في خزانة كراكوف ببولونيا، ووصل خبرُ اكتشافها طبعا إلى المرحوم جمال الدين العلوي، وهو الذي حصل على نسخة منها بمساعدة أندرس Enders الذي كانت تربطه وإياه صداقة علمية. ومن جهتي، حاولتُ آنذاك الحصول على نسخة منها، ولكني للأسف لم أتمكن من ذلك لأسباب متعددة. وظل الأمر كذلك إلى أن تمكنتُ، عبر خزانة برلين، من الحصول على المعلومات الكافية لتحصيل هذه المخطوطة، فأمكنني عندئذ الحصول على نسخة منها.
حينما اطلعتُ على النسخة، تبين لي ما يلي: إن هذه النسخة لعلها هي النسخة الأصلية إذا ما قورنت بنسخة أكسفورد. في تقديري الشخصي، قد تكون هي الأصلية بسبب الخط أولا؛ فخطها مغربي أندلسي، بينما خط نظيرتها بأكسفورد خط مشرقي غير منقوط. ثانيا، إن بعض الجزئيات الصغيرة، كبعض الأمثلة التي تَرد داخل نصوص المخطوطة، هي أمثلة لها صلة بالمغرب، ونفس الأمثلة نجدها في مخطوطة أكسفورد لكنها ذات صلة بالمشرق، وهو أمر يرجِّح مرة أخرى هذا الذي قلت. نلاحظ أيضا أن مخطوطة أكسفورد تُكَرِّر نفس الأخطاء الموجودة في مخطوطة برلين، وتُضيف إليها أخطاءَها الخاصة. ولكن مخطوطة برلين بدورها لا تخلو من مآخذ، حيث يبدو أنها عانت من خلال ما أصابها في المرحلة الأخيرة؛ فالعديد من ورقاتها أصبح مضطربا، وعدد من الأوراق يبدو أنها ضاعت ويَصْعُب تعويضُها تماما. ثم إنها، علاوة على هذا كله، تتضمن بعض المقالات الإضافية التي لا نجدها في مخطوطة أكسفورد، وهي أقوال ابن باجة في الطب، والفلك، ونصوص أخرى تنفرد بها هذه المخطوطة.
ما هي الأهمية بالنسبة للبحث في هذه المخطوطة؟ إنها لا تكمن فقط في النصوص الجديدة التي تقدِّمُها، وإنما أيضا في كونها يَسَّرَت إعادة تحقيق النصوص التي كان محققوها سابقا قد عَوَّلوا فقط على مخطوطة أكسفورد اليتيمة. إذن، نتوقع اليوم أن يعاد النظر في عدد من الأعمال التي سبق نشرُها. وفعلا بدأت هذه الأعمال تنجَز تدريجيا، وقام المركز بدور في هذا الباب في دفاتره التي أعاد فيها نشر “كتاب النفس“؛ فكتاب النفس كان قد عَوَّل سابقا فقط على مخطوطة أكسفورد. ولكن القارئ لا يجب أن يتوقع المفاجآت.
ولعل أخطر ما في مخطوطة برلين بالنسبة لفلسفة ابن باجة، والذي غيَّر نظرتي إلى فلسفته هو نص “القول في القوة الناطقة“. فقبل أن نتعرف على هذا النص، كانت أقوال ابن باجة في العقل تضع القارئ في مفترَق الطرق: إما أن نؤوِّل أقوالَه باعتبارها تَتَّجِه اتجاها فيضيا، وهو اتجاه معروف، أو أن نؤوِّل أقواله على أنها تتجه اتجاها صوفيا لا ندرك فيه تماما للعقل أيَّ موقع. بفضل اكتشاف مخطوطة برلين، يمكن أن نقول إننا أصبحنا نلمس الآن رؤية جديدة للموضوع، تصوُّر تحكُمُه معايير. يمكن أن نقول إنه تصوُّر باجي للعقل، قد يكون استفادَه مِنْ قراءته للإسكندر الأفروديسي، ولكنه على كل حال تفرَّد به. هذا الموقف هو محاولة إنزال العقل إلى مستوى الإنسان. ليس رفضُه، وليس تغييبه. وفي الحالتين معا ليس وضعُه في موقع فيضي، ولا إعدامُه، بل محاولة إيجاد صلة، ولذلك سيسمِّي رسالته بـ”رسالة الاتصال“، نوع من الاتصال، أو نوع من التواصل بين العقل وبين الإنسان. إيجاد نوع من المصالحة في هذا القول بين الإنسان وبين العقل، وهذه خطوة كبيرة جدا نحو أنسنة العقل، يعني بين عقل كان يبدو مِنْ قبل مفارقا، وبين عقل أصبح يبدو الآن محايثا. سيحاول ابن باجة أن يجد حلاًّ يَحفظ هذه العلاقة بينهما، وهو أمر مدهش بالنسبة للفترة التي عاش فيها ابن باجة. فقبل ديكارت، لم نكن نعرف الشيء الكثير عن فلاسفةٍ يَمتلكون مثل هذه الجرأة على طرح تصور من هذا القبيل.
& الصـورة: ثمة صعوبة تقنية لطالما عانى منها المشتغلون بدراسة المتن الباجوي، تتمثل في وجود مجموعة من “الشذرات” أو النصوص “الغريبة” داخل هذا المتن؛ نصوص تتحدث لغة مخالِفة، وأحيانا مضادة لِما عهدناه لدى ابن باجة، حيث تروِّج لمفاهيم “مستفِزّة” تحيل إلى مرجعيةٍ فلسفية أقربَ ما تكون إلى الأفلوطينية منها إلى المشائية، مِن قَبيل: البصيرة، الوحي، الفيض، واجب الوجود وممكن الوجود.. بل إن بعضا من هذه النصوص تذهب أحيانا أبعد من ذلك إلى درجة المصادَقة على طريق الغزالي الصوفية، وعلى طريق بُرقلُس الأفلوطينية في كتابه “الإيضاح في الخير المحض”!!!
لقد كان موقفكم حاسما في استبعاد نِسبة هذه النصوص إلى ابن باجة، حيث صرحتم في دراستكم القيِّمة التي تحمل عنوان: “القول الإنسي لابن باجة” (الدار البيضاء، مطبعة الأندلس 1994، ص: 39): “نعتقد أنها مجرد إضافات منحولة لا صلة لها بابن باجة، وإنْ استعمِلت فيها بعض التعابير والألفاظ المضللة”. (وانظر أيضا ص: 134، وكذا: 138 من المرجع نفسه). الأمر الذي جعلكم تنتقدون بعض الباحثين الذين حاولوا استثمار هذه النصوص وإدماجَها داخل النسق الفلسفي لابن باجة، وتَعتبرون ذلك سببا في “انحراف فهمهم لفلسفته”. (ص: 143، هامش 112 من المرجع نفسه).
ـ نلتمس منكم أن تعطوا لقراء المجلة مزيدا من التوضيحات بهذا الصدد، خصوصا وأنكم، فيما نعلم، تنفردون بهذا الرأي دون سائر الباجويين المعاصريين من العرب والأجانب.
p د. ألوزاد: الواقع أن هذه القضية ليست جديدة نظريا، إنّ طَرْحَها في الإطار التوثيقي هو الجديد. حينما يَكون الموقف مستقِرا في التقليد، فإننا نجد الباحثين يتسابقون على النصوص التي تؤيده، أو البحث عما يدعمه بصورة أقوى. هذا ما أشرتُ إليه حينما ناقشتُ مسألة خطورة البحث التوثيقي وغيابه في الفترة السابقة. الغياب الذي أقصده يعني أيضا التعامل الجزئي والانتقائي، بحيث كان الاتجاه هو استثمارُ عدد من النصوص. طبعا إن النصوص الباجية الأقرب إلى هذا التفسير الفيضي الصوفي سنجدها في مجموعة من الشذرات التي تضمها مخطوطة أكسفورد، فكان ذلك مدعاة للاهتمام بهذه الشذرات دون إثارة السؤال حول مدى صحتها، أو التدقيق في مدى صحة نِسبتها لأبي بكر ابن باجة. لقد ظل الأمر مقتصرا على هذا القدر، وتكرر حتى لدى عدد من الدارسين والمحققين الذين حَققوا بعض النصوص ووَقَعُوا في الأمر نفسه. يَرجع الفضل في إثارة السؤال حول القيمة الفلسفية لهذه النصوص إلى المرحوم جمال الدين العلوي في دراسته حول “مؤلفات ابن باجة“، حيث تساءل ورجَّح أن تكون هذه الأقوال منحولة عليه لتَعَارُضِها مع ما جاء في باقي مؤلفاته. لكن عمل المرحوم كان، بدون شك، بداية لعمل آخر.
بالنسبة لي شخصيا، حينما أردتُ قراءة هذه الفقرات، تبيَّن لي أن هناك عدة احتمالات وافتراضات ممكنة بصددها تجعلها تُعامَل معاملة خاصة. لا نملك دليلا حاسما اليوم على رفضها بشكل نهائي، ولكننا نملك ما يجعل البحث التوثيقي يدرسها دراسة منفصلة. إن الطريقة والأسلوب الذي كُتِبت به يضعنا أمام عدة احتمالات: إما أن يكون قد كتبها شخص لا صلة له لا بابن باجة ولا بفلسفته، وهو شخصٌ يُسمَّى أبا بكر، وبعض الفقرات تسميه الشيخ أبا بكر، ولا نعرف بالضبط من هو أبو بكر هذا. فبداية هذه الفقرات ليست واضحة حتى في التسمية والعناوين، بحيث لا نملك تعريفا واضحا لصاحبها. فقد يكون شخصا مجهولا، وقد يكون تلميذا لابن باجة لم يَفهم مذهبَه الفلسفي ولم يدرك أبعادَه، أو أنه ربما حاول الدفاع عنه تجاه الحملات التي قامت ضده، خاصة في القضايا التي تتعلق بالغزالي، ومنها قضية العِلم النبوي، والشريعة، ومنزلة الدين في النسق الفلسفي. هذه أشياء كلها تحاول هذه الفقرات أن تدرجَها، ويمكن أن يجد فيها المرء نوعا من التبرئة لذمة ابن باجة في محيطه. هذا كله ممكن.
هناك فرضية أخرى، وهي أن يكون ابن باجة نفسُه قد كتبها، ولكن في زمن لم يكن بعد قد تمرَّس بالعلوم الفلسفية. ونحن نعلم أن ابن باجة مرّ عليه زمن كان خلاله مغمورا نسبيا في بلاط بني هود. فلربما يمكن أن يكون قد كَتب آنذاك أشياء بمثابة تمارين في الكتابة الفلسفية تمثلها هذه الشذرات، ثم سرعان ما ذاعت بسبب شهرته اللاحقة. وقد نتذكر هاهنا سؤال بعض البنيويين اليوم: ماذا يتبقى من الفيلسوف بعدما يموت؟ هل فاتورة كهربائه تَبْقَى بدورها أيضا؟ هل هي جزء من متنه أم لا؟ إلى أي حد يَستحق هذا الذي كتبه ابن باجة في تلك الشذرات أن يؤخذ بعين الاعتبار؟ والحال أن هذه الشذرات، سواء كتبها هو أو كتبها غيرُه، لا تملك وزنا كبيرا في متنه ولا في فلسفته. وهذا الأمر لا يقتصر على ابن باجة وحدَه، بل يشمل تقريبا كلَّ الفلاسفة والكتاب والمفكرين، بحيث نجد لهم بعض الأعمال التي تتسم بشيء من التواضع قياسا إلى الأعمال الكبرى الأساسية Les Oeuvres في حياتهم الأدبية أو الفلسفية.
ورغم ذلك، فإننا نحقق هذه الفقرات (لكي لا نسميها أعمالا، كما لا يمكننا إقصاؤها بسهولة)، وما انتهينا إليه هو أنه سواء تمَّتْ نسبتُها لابن باجة أو لم تتم، فإنها تمثل مواقف معيَّنة كانت تَرُوج في الوسط الباجي. فهي تملك قيمة تاريخية، ويبدو أنها تقدِّم أيضا إرهاصا معيّنا على وجود صراع بدأ يتجه منذ ذلك الحين لنفي الحكمة، لأننا نلاحظ في هذه الشذرات أن وزن الحكمة يَنزل ويختل لصالح الشريعة والبناء الديني. لعلنا هنا نجد أنفسنا أمام ما يمثل مقدمة نحو تنازلات أخرى ستصيب الحقل الفلسفي فيما بعد، وربما هي التي ستهدد ابن رشد نفسَه وستجعله بدون مستقبل في محيطه، رغم أنه ظل ممسكا بنفس الخط التقليدي في الفلسفة المشائية، ولكن المحيط كان قد بدأ يتغير في اتجاه الغزالي. إن طريق الغزالي بدأت تظهر بوضوح في هذه الشذرات، وهو أمر يثير الانتباه والاهتمام. وعلى مؤرخ الأفكار أن يهتم بهذه الشذرات، بغضّ النظر عن مؤلفها.
& الصـورة: ذهبتم في سياق بحثكم الذي يحمل عنوان: “الديناميكا في “شروح السماع الطبيعي” لابن باجة السرقسطي” (ضمن أعمال ندوة: “حضارة الأندلس في الزمان والمكان“، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، سلسلة أبحاث وندوات، عدد 1، 1993، ص: 46) إلى افتراض وجود وحدة نظرية تنتظِم مجموع أجراء المتن الباجوي بمختلف مكوِّناته وحقوله الرياضية، والمنطقية، والطبيعية، والطبية، والإلهية، حيث تقولون في سياق استدراككم على Shlomo Pines: “إن السياق الذي سنفحص فيه ملامح هذا الاتصال المفقود في مقال بينيس هو سياق المتن الباجي. نعم، إن هذا المتن لا ييسِّر هذه المهمة، فنصوصُه المخطوطة تخلو من أيِّ تأليف فلسفي شامل، في مقام مؤلفات ابن سينا وابن رشد (فتغلُب عليه الأقوال والرسائل والمقالات المتفاوتة والمختلفة). كما أن هذه النصوص تنقسم إلى عوالم مختلفة: المقال العلمي، التعليق المنطقي، الشرح الطبيعي، الرسالة الفلسفية… ورغم ذلك، فمن الممكن الإمساك بخيوط الاتصال في نطاق هذا المتن، خاصة اتصال الشروح بالرسائل عبر المقدمات الباجية في أهم رسائله”.
وبخصوص هذه المسألة نفسِها، يقول جمال الدين العلوي في كتابه “مؤلفات ابن باجة“، (الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1983، ص: 156): “إن قراءتنا للمتن الباجوي، ومعايشتنا له زمنا غير يسير، نبهتنا إلى وجود معطيات هامة، يمكن الانتهاء بفضلها إلى نوع من الترتيب يَجمع إلى حدٍّ ما بين الترتيب الزمني والترتيب الموضوعي، فضلا عمّا تسمح به تلك المعطيات ذاتها من إمكانيةِ الحديث عن مراحل متمايزة في فكر ابن باجة”.
ـ نود أن نغتنم مناسبة هذا الحوار لنعرفَ منكم عناصر وحدود الاتصال والانفصال الممكنة بين الفرضيتين…
p د. ألوزاد: يذكِّرني هذا السؤال بفرضية زميلي المرحوم جمال الدين العلوي. هذه الفرضية فيها جرأة، ولعلها جديدة نسبيا. فخلافا لِما جرت عليه العادة سابقا في التعامل مع الفلاسفة المسلمين كما لو كانوا يمثلون جميعُهم مذهبا واحدا متكاملا متناسقا، غامر المرحوم جمال الدين العلوي بوضع فلسفة ابن باجة في إطار هذه الفرضية التي يمكن أن نسميها بفرضية البناء التطوري: من مرحلة “التعاليق“، ثم مرحلة “الشروح“، إلى مرحلة “الرسائل“. هذه طبعا فرضية جريئة تعيد التأكيد على ما قلته سابقا بخصوص الدور الذي يمارسه العمل التوثيقي في مراجعة التاريخ الفلسفي وتصحيحه وتطويره. لكننا، بخصوص هذه الفرضية نفسِها، حينما نتصفح أعمال ابن باجة تواجهنا صعوبات لم يُتَح لزميلنا أن يعالجها بسبب وفاته المفاجئة من جهة، وأيضا بسبب اهتمامه الأساسي بابن رشد من جهة أخرى، إذ يكاد يكون مدارُ اهتمامِه الأصلي يتعلق بأعمال وبفلسفة ابن رشد.
إن هذه الفرضية في فلسفة ابن باجة تواجه عدة صعوبات، أولها أنه لكي تكون هذه المراحل ذاتَ مصداقية تاريخية بالنسبة لهذا التعدد، فإن علينا أن نمتلك ما يمكن أن نسميه بتأريخ الأعمال نفسِها، أعني ضبطا زمنيا دقيقا للأعمال التي أنجزها ابن باجة؛ ضبط على الأقل للزمن الذي كُتبت فيه. يمكن أن نستعين بما يمكن أن نسميه بالمبيانة الزمنية لنحدد دائما المسار الذي تتخذه هذه الأعمال. لأن هذه الأعمال في معظمها قد جُمعت في فترات متأخرة جدا وتَداوَل النُّساخ هذه النصوص، ولا ندرك تماما الأزمنة الأصلية التي كُتبت فيها، وهو أمر يجعل من الصعوبة بمكان الحديث عن زمنية دقيقة لهذه النصوص. ثم لا ينبغي أن ننسى أيضا أنه قيل لنا في نهاية بعض أقسام مخطوطة أكسفورد إن ابن باجة قد راجع هذه الأعمال وهو يمليها على تلميذه الوزير أبي الحسن ابن الإمام. فعملية المراجعة هذه تجعل أيضا من الصعب أن نطمئن إلى هذه الزمنية التاريخية. فالمراجعة لا تحُول دون إجراء وإضافة تعديلات أصابت العمل كما كان في صياغته الأصلية الأولى.
الصعوبة الثانية: هل تستطيع محتويات هذه النصوص أن ترسم لنا مرحلية معيّنة، أو تفاوتات جوهرية بين مرحلة وأخرى؟ هذه أيضا قضية صعبة جدا. صحيح أنه من الممكن مبدئيا أن نلاحظ مثلا أن الفارابي هو المهيمن فيما يسمَّى بمرحلة “التعاليق” المنطقية، وأن أرسطو هو المهيمن في مرحلة “الشروح“، وأن نقول بالنسبة لمرحلة “الرسائل” إن ابن باجة نفسَه هو الذي يهيمن عليها. ويمكن أن تقول بتبسيط كبير إن ابن باجة ربما عَرف ثلاثة مراحل: المرحلة الفارابية، والمرحلة الأرسطية، والمرحلة الباجوية نفسَها التي استقل فيها بآرائه الفلسفية الخاصة. لكن هذا التبسيط يعاني من مشاكل رغم أنه تبسيط مغر؛ فابن باجة، وهو يعلِّق على الفارابي، يُفترَض فيه مبدئيا، حسب هذه النزعة المرحلية، أن يَكون موقعُ أرسطو وإلمامُه به محدودا جدا، فيَكونُ اطلاعُه على المنطق قد تم عبر الفارابي. ولكن الذي يلاحَظ هو أنه، وهو يعلِّق على الفارابي، يستعين بأرسطو ويَكشف عن اطلاع وإلمام قوي بأعمال أرسطو، بل ويقارن بين الفارابي وأرسطو، بل إنه أحيانا يخالف الفارابي ولا يؤيده على حساب الانتصار لأرسطو. إذن، هذا عمل من الصعب أن نعتبره يمثِّل مرحلة التلمذة على الفارابي. بإمكاننا أن نعتبره عملا حول الفارابي، لكن من الصعب أن نعتبره مرحلة في اختصاص ابن باجة بالفارابي. والأمر نفسُه ينطبق على “الشروح“، إذ نجد أن ما ورد فيها من أقوال عن أرسطو لا تقف في الشروح فقط. أعني أنه لا يمكن أن نقول إنها ظلت حبيسة الشروح، والحال أن كل ما وَرد في رسائله المتأخرة بُنِيَ على ما وَرَدَ في الشروح.
فالموقف دقيق جدا يَصْعُب معه أن نقول إننا بصدد مراحل نظرية متمايزة ومختلفة. الشيء الذي يجعلنا نميل إلى القول بنوع من الارتباط بين هذه الأقسام المختلفة، وهي أقسام يحدِّدُها الموضوع، وتحددُها الأسماء، ولكن من الصعب أن تمثِّل زمنيةً معيَّنة، أو تمثل انفصالات أو قطائع، أو أن نتحدث فيها عن أشياء من هذا القبيل. فلعل النتيجة فيها تنبع من هذه الروافد كلها، خصوصا وأن ابن باجة في رسائله المتأخرة يَعترف بما سبق أن قرره في “التعاليق“، أو بما قرره في “الشروح” ويُدمجُها في “الرسائل“. فمن هذه الجهة، من الصعب أن تمثل مراحل مستقلة. ففي أفضل الحالات، يمكن قبول المرحلية منهجيا دون تصوُّر أية قطيعة بين المراحل.
& الصـورة: أثناء تحليلكم للمنزلة الاستثنائية التي يتبوَّؤُها نموذجُ الفيلسوف المتوحِّد السعيد في رؤية ابن باجة لإشكالية الاتصال المشائية الشهيرة، أثرتم الصعوبة والالتباس الدلالي الذي يكتنف القول الباجوي بخصوص مسألتي “الصعود” و”الهبوط”. فإذا كان “الصعود” يشير إلى تلك الدينامية العقلية التي ينخرط فيها الفيلسوف متدرِّجا عبر أصناف “الصور الروحانية“، وصولا إلى مرحلة العقل المستفاد، ومن ثم إلى التماهي المطلق مع العقل الفعال في هوية أنطولوجية واحدة متوحِّدة (ابن باجة: رسالة اتصال العقل بالإنسان، تح. ماجد فخري، ص: 165). إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لعملية “الصعود”، فإن مقاربتكم لمشكل “الهبوط” سرعان ما تنأى بنا بعيدا عن روح هذا التوجه النيوطيقي الأنطولوجي الذي يشكل الإطار أو السياج العام لإشكالية الاتصال الباجوية، بحيث تبدو مقاربتكم وكأنها جُنوحٌ بفلسفة الرجل نحو آفاق مفاجئة أو غير متوقعة، وذلك حين رُحْتم تتحدثون عن مشكل “الهبوط” بلغة سوسيولوجية، باعتباره بالأساس مشكلا للتواصل الاجتماعي مع الجمهور ومع المدينة. بل إنكم تَفترضون وجود بصمات أفلاطونية/فارابية لدى ابن باجة، وكأنه قد كان تحت تأثير “تأويلات الشراح، وفي مقدمتهم الفارابي الذي يُدرجُ في رسائله السياسية نظرية العقل المشائية في سياق أفلاطوني حينما يتحدث عن الفيلسوف/الحاكم الذي يَستمد من اتصاله الخارق بالعقل الفعال قواعد لتسيير المدينة الفاضلة وتدبيرها، أي قواعد للحُكم السياسي العادل، فيَكُونُ للهبوط معنى أفلاطونيا بحتا” (كتابكم: القول الإنسي لابن باجة، ص: 117).
ـ ألا ترون أن طرح مشكل “الهبوط” بهذه الصيغة، أعني بوصفه مشكلا سوسيولوجيا للتواصل الاجتماعي بين الفيلسوف والجمهور داخل المدينة، ينطوي على شيء من الجنوح بفلسفة ابن باجة نحو آفاق سياسية لا يحتملها منطوقُ نصوصه، وأنّ من شأنه أن يُذِيب كثيرا من خصوصيات فلسفته، ويلغي كثيرا من المسافات النظرية التي تفصل بينها وبين الفلسفة السياسية لدى أفلاطون والفارابي، وأن يضعها على قدم المساواة مثلا مع فلسفة ابن طفيل (مشكل تواصل الفيلسوف -في شخص حيّ بن يقظان وأبسال- مع جمهور أهل المدينة)، والحالُ أن ابن باجة قد كان حاسما في استبعاد وإقصاء هذا المطلب والاستنكاف عن الخوض فيه باعتباره مِن لامُفَكَّراته؟
ـ ومن جهة أخرى، نود أن نغتنم هذه المناسبة لنستطلع تقييمكم بهذا الصدد لوجهة نظر Erwin Rosenthal الذي ذهب إلى اعتبار الفلسفة الباجوية “فلسفة لاسياسية (A-Political)، أو بالأحرى فلسفة فردانية مضادة للمجتمع” (Anti-social individualism). (انظر بحثه: The place of .(politics in the philosophy of Ibn Bajja, Cambridge University Press, 1971,P. 193
p د. ألوزاد: لتكن بدايتنا من مسألة التوحُّد، فالسؤال يكاد يدور حول تصور ابن باجة لمسألة التوحُّد. إن ما كتبته في زمن ما حول مشكل “الصعود” و”الهبوط” كان، في الحقيقة، جزءا من بحث يعود إلى أوائل التسعينات. وبدون شك، فإن الأمر أصبح يستحق اليوم أكثر من ذلك. ربما يحتاج الأمر إلى توضيح فكرة التوحُّد عند ابن باجة لنتبيَّن أنها مفهوم مستقل، أعني أنه يملك حمولة فلسفية متميزة لديه. يمكن القول إن التوحد جاء نتيجة لسؤال قديم كانت الإجابات عنه مختلفة في زمن ابن باجة. إنه سؤال الفلاسفة، ولكنه أيضا سؤال الصوفية، وقد يكون سؤال بعض المفكرين الذين انعزلوا أو اختلفوا مع محيطهم في تلك الفترة. السؤال هو: كيف يمكن للمرء أن يكون فيلسوفا، وأن يعيش في الوقت نفسه ضمن المدينة الجاهلة؟ وحينما أقول “الجاهلة”، فهذه الكلمة لها رنينُها الخاص عند ابن باجة، إذ تعني المدينة التي ينعدم فيها العلم النظري، المدينة التي لا تَعرف الفكر، أو التي تُعانِد أهل الفكر، أو تستبدل آراء أهل الحكمة بآراء أهل الغَلَبَة وبالآراء الباطلة، والتي تُغَلِّب الاتجاه الجسماني على العقلي في العلاقات الاجتماعية. هذا هو السؤال الباجي، وهو سؤال يعكس الوضع السائد آنذاك، كما أنه يمثل سؤال المحيط الذي عاشه كل الحكماء والمفكرين الذين فضلوا العزلة، أو الانفراد، أو الاختلاف مع محيطهم. والأسماء يَعرفها الجميع في تلك الفترة مِنْ حياة المدنية الإسلامية. إنها محنة الخاصة التي ربما تشكل دراما تستحق يوما ما أن تُعْرَض بطرق فنية أو أدبية.
إن جواب ابن باجة كان هو جواب الفيلسوف، وليس جواب الأديب. ولكن ليس جواب الفارابي، ولا جواب ابن طفيل صاحب “حي بن يقظان“، لأن جواب الفارابي كان جوابا يَنبني على أساس التسليم بإمكانية تحقق مدينة فاضلة بناءً على مقولة سياسية وُجدت في مجتمعه، هي المقولة الشيعية التي كانت تَرى أنّ دعوة الإمام يمكنها أن تغيِّر النظام الاجتماعي وأن تكون سببا في قيام تلك المدينة الفاضلة. الفرق فقط أن الإمام الشيعي يحقق التعاليم الشيعية، بينما الإمام الفلسفي يحقق المُثُل الفلسفية. هناك إذن عند الفارابي أمل في أن يَظهر هذا الإمام/الفيلسوف، تماما كما أن هناك أملا عند الشيعة في أن يَظهر الإمام الشيعي ليملأ الدنيا عدلا بعد أن مُلئت جُورا. وهذا نوعٌ من “المهدوية” في تفكير أبي نصر الفارابي.
أما بالنسبة لابن طفيل، فإنه يتبنى القطيعة؛ يرى أنه لا مفر للحكيم من أن يعتزل، من أن يهاجر إلى الجزيرة، والجزيرة تعني أنْ يَقطع صلته بالمجتمع. إن ابن طفيل يستلهم النموذج الصوفي. لم يكن ذلك بغريب، فقط إن صاحب “حي بن يقظان” قدّم الأمر تقديما فلسفيا، فجَعَل أسباب العزلة أسبابا فلسفية، باعتبارها اتجاها نحو تطوير نظرة فلسفية للعالم.
أما ابن باجة، فسيقدِّم تصورا آخر للتوحُّد، لا هو تصور ابن طفيل، ولا تصور الفارابي. تصور طريف مفاده أنه يمكن للحكيم أن يعيش في المدينة الجاهلة، وأن يكون، مع ذلك، حكيما. معنى ذلك أن الإنسان يعيش حياة “مزدوجة” إذا جاز التعبير. وإذا استعملنا اللغة الحديثة، سنقول إن الحكيم يَكون إلى حدٍّ ما “مغتربا“. وابن باجة نفسُه يَستعمِل كلمة “الغربة“، أعني أن الإنسان يعيش، من جهةٍ، وطنا بجسمه، ويعيش، من جهة أخرى، وطنا آخر بفكره. ولا يمكن أن يمتلك المرء أفقا فكريا وعقليا منفصلا عما هو رائج في محيطه. لاشك أن التوحد عند ابن باجة له شروطه، ويَفترض طريقة لبلوغ شكل من التعايش بين واقعين متناقضين. إنه يَفترض موقفا معيّنا من الجسم ورغباته، وَيفترض موقفا من الخيال والتخيُّل، ومحاسبة النفس، ويَفترض موقفا من العِلم. إن الإنسان عليه أن يتبع نظاما تعليميا أو هيرارشية تعليمية معيَّنة ليَبلغ بالعِلم المقامَ الذي يَسمح له بأن ينتقل إلى استشراف عالَم آخر، هو عالَم أو مرتبة السعداء.
هنا يبدو أن مسألة التوحُّد تقدِّم لنا شيئا آخر، تصورا آخر للفلسفة لو رأيناه منعزلا لَمَا لمسنا فيه الشيء الكثير، أما لو رأيناه في ضوء التحول الفلسفي العام فسنلفيه بمثابة خطوة جريئة في اتجاهٍ حاسم ستسير عليه الفلسفة لاحقا، هو اتجاه تحرير الأفكار. ففلسفة الأفكار أو فلسفة التصورات التي ستهيمن منذ ديكارت، وهو الاتجاه الذي ستستقر عليه الفلسفة تدريجيا، وهو جَعْل الفيلسوف يعاني بصفة عامة من مشكل التواصل بينه وبين محيطه. فمن المعروف أنه منذ القرن التاسع عشر، سيستقر الرأي تدريجيا على وجود صعوبات في التواصل بين العالَم النظري للفيلسوف، وبين محيطه. هذه الخطوة الجريئة في التفكير الفلسفي الباجي لعلها تعتبَر من الخطوات التي ما فتئت تبهر القراء إلى اليوم في نصوصه. وأذكر هنا المستشرق الإسباني بالاثيوس Palacios الذي اندهش وهو يقرأ رسالة “تدبير المتوحد“، وهي من النصوص الجميلة جدا التي تنطوي على هذه الإيحاءات، دون أن ننفي
ملحوظة: لمتابعة قراءة الجزء الثاني انقر على الرابط أسفله:
رابط الجزء الثاني من الحوار مع د. محمد ألوزاد











