<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>موقع عزيز بوستا &#187; غير مصنف</title>
	<atom:link href="http://www.aziz-boussetta.com/category/%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b5%d9%86%d9%81/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>http://www.aziz-boussetta.com</link>
	<description>أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة</description>
	<lastBuildDate>Sat, 17 May 2025 21:57:57 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
		<sy:updatePeriod>hourly</sy:updatePeriod>
		<sy:updateFrequency>1</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=4.0.38</generator>
	<item>
		<title>ندوة &#8220;مشروع التربية الدامجة وإكراهات الممارسة&#8221;</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d9%85%d8%ac%d8%a9-%d9%88%d8%a5%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%85%d8%a7/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d9%85%d8%ac%d8%a9-%d9%88%d8%a5%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%85%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 16 May 2025 21:49:06 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[التربية الدامجة]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://www.aziz-boussetta.com/?p=788098</guid>
		<description><![CDATA[]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2025/05/ندوة-التربية-الدامجة-2025-05-13-ملصق3.jpeg"><img class="aligncenter size-large wp-image-788104" src="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2025/05/ندوة-التربية-الدامجة-2025-05-13-ملصق3-724x1024.jpeg" alt="ندوة التربية الدامجة 2025-05-13 ملصق" width="724" height="1024" /></a><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2025/05/WhatsApp-Image-2025-05-16-at-21.12.16-11.jpeg"><img class="aligncenter size-large wp-image-788100" src="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2025/05/WhatsApp-Image-2025-05-16-at-21.12.16-11-1024x576.jpeg" alt="WhatsApp Image 2025-05-16 at 21.12.16 (1)" width="785" height="441" /></a></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%a7%d9%85%d8%ac%d8%a9-%d9%88%d8%a5%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%87%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%85%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>أدوار المدرس الجديدة</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%a3%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%a3%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Sat, 26 Jan 2008 18:51:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[الادارة التربوية]]></category>
		<category><![CDATA[التكوين الأساسي للطلبة الأساتذة]]></category>
		<category><![CDATA[علوم التربية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/786997/%d8%a3%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/</guid>
		<description><![CDATA[أدوار المدرس الجديدة &#160; ذ. عزيز بوستا &#160; يعرف بلدنا والعالم بأسره، خلال العقود الأخيرة، تحولات وتغيرات سريعة؛ كان لها تأثير كبير على منظومتنا التربوية. فمؤسساتنا التعليمية اليوم تشتغل في وسط مختلف جدا عن الوسط الذي وُجد منذ عقود. إنها الآن في مواجهة مشاكل اجتماعية أكثر خطورة، وننتظر منها أن تلعب أدوارا مهمة على المستوى [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<div dir="rtl" align="center"><span style="font-size: x-large"><strong>أدوار المدرس الجديدة</strong></span></div>
<p>&nbsp;</p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;font-size: large">ذ. عزيز بوستا</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">يعرف بلدنا والعالم بأسره، خلال العقود الأخيرة، تحولات وتغيرات سريعة؛ كان لها تأثير كبير على منظومتنا التربوية. فمؤسساتنا التعليمية اليوم تشتغل في وسط مختلف جدا عن الوسط الذي وُجد منذ عقود. إنها الآن في مواجهة مشاكل اجتماعية أكثر خطورة، وننتظر منها أن تلعب أدوارا مهمة على المستوى الاجتماعي، وأن تُعين الناشئة على تنمية وتطوير كفايات ضرورية للبقاء والاستمرارية والازدهار، في عالم سريع التطور. (هـ1 فمع انتقال العالم من عصر الآلة إلى عصر المعلومات والعولمة، ودخوله مرحلة التغييرات السريعة، أصبحت الأنظمة التربوية مضطرة لمراجعة طرق وآليات اشتغالها، وفلسفتها، وبرامجها، من أجل التكيف مع البيئة الجديدة. وتأتي <span style="text-decoration: underline">أدوار المدرس</span> في مقدمة العناصر التي يجب أن يشملها التغيير الذي تفرضه التحديات البيئية المشار إليها؛ إلى جانب عناصر أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بجوانب تنظيمية وإدارية وتشريعية &#8230;</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">لعل أهم ما ميز أدوار المدرس التقليدية، والتي لازالت – للأسف الشديد- مستمرة بأشكال ودرجات متفاوتة في مدارسنا؛ الاعتماد المفرط للتلاميذ على مدرسهم على كافة المستويات: فقد كان المدرس يمثل المصدر الرئيسي للمعلومات إلى جانب الكتب المدرسية، والعنصر المحوري في الفصل الدراسي، والمسؤول الوحيد عن أنشطة القسم على مستوى التخطيط والتنفيذ والتقويم&#8230; (هـ 2)، كما كان همه الوحيد هو تنفيذ البرنامج الدراسي، وتحقيق أهدافه التي غالبا ما تقتصر على معلومات ومعارف محضة.</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأدوار التقليدية للمدرس كان لها ما يبررها خلال العقود السابقة؛ إذ كانت منسجمة مع مستوى التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعلمي الذي عرفه العالم سابقا؛ بحيث كان يُمثل فيه مجتمع الفصل الدراسي عينة صغرى تعكس ما يوجد في واقع المجتمع برمته&#8230;</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">أما في عصرنا الحاضر، بعد حصول التغييرات التي أشرنا إليها سابقا، وتطور الأبحاث والدراسات في مجال البيداغوجيا والديداكتيك، وخضوع أغلب المنظومات التربوية – ومن ضمنها منظومتنا التربوية المغربية – لإصلاحات كبرى تسعى لردم الهوة الكبيرة التي تفصل المؤسسة التعليمية عن التحولات الهامة والتقدم الكبير في مجال العلم والتكنولوجيا&#8230; أمام هذه التغيرات السريعة، كان لا بد لأدوار المدرس أن تتغير؛ فهو لم يعد اليوم المالك والمحتكر الوحيد للمعرفة والمعلومات، فباستطاعة أي تلميذ أن يحصل عليها بسهولة من كافة وسائل الاتصال المتاحة. كما أن التلميذ نفسه لم يعد ذلك الطفل السلبي، سهل الانقياد، والذي يقبل كل الأوامر والنواهي، بل والعقوبات القاسية التي يُلحقها به المدرس التقليدي. فالانفتاح السياسي التدريجي الذي يعرفه مجتمعنا، وازدياد انتشار الثقافة الحقوقية عامة وثقافة حقوق الطفل خاصة، جعلت المدرس التقليدي يعاني كثيرا من المشاكل مع تلاميذه وآباء وأولياء أمور تلاميذه &#8230;</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">وعلى المستوى البيداغوجي، تدعو مقاربة التدريس بالكفايات – التي تبناها الإصلاح التربوي المغربي – إلى تغيير دور المدرس ليصبح مدربا، كما هو الحال في ميدان رياضي أو ورشة فنية، وداعما لتعلمات تلاميذه. إنه يُنظم وضعيات مركبة، ويكتشف مشاكل وتحديات، ويقترح مشاريع &#8230; دوره إذن هام جدا، لكنه لا يتموقع في مقدمة &#8220;المسرح&#8221; الدراسي، ولا يحتكر الكلمة. وكفاياته المهنية تتطور بـ:</span></span></p>
<p align="right"><span style="font-size: medium">·        <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">الهندسة الديداكتيكية، وإعداد وإنجاز وضعيات تعلمية، من جهة، </span></span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p align="right"><span style="font-size: medium">·        <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">والقدرة على التتبع والملاحظة التكوينية، والضبط السلس للأنشطة والتعلمات ، من جهة أخرى&#8230; (هـ 3)</span></span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">كما أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي يمثل آخر وأهم إصلاح تعرفه المنظومة التربوية المغربية؛ دعا بشكل مباشر أحيانا، وبشكل ضمني أحيانا أخرى، إلى ضرورة تبني المدرس لأدوار جديدة من أجل النهوض بمستوى التعليم بمؤسساتنا التربوية. ويمكننا الوقوف على ذلك من خلال دعوته (الميثاق) إلى &lt; &lt;&#8230; جعل المتعلم بوجه عام، والطفل على الأخص، في قلب الاهتمام والتفكير والفعل خلال  العملية التربوية التكوينية. وذلك بتوفير الشروط وفتح السبل أمام أطفال المغرب ليصقلوا ملكاتهم، ويكونون متفتحين مؤهلين وقادرين على التعلم مدى الحياة.</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">  وإن بلوغ هذه الغايات ليقتضي الوعي بتطلعات الأطفال وحاجاتهم البدنية والوجدانية والنفسية والمعرفية والاجتماعية، كما يقتضي في الوقت نفسه نهج السلوك التربوي المنسجم مع هذا الوعي، من الوسط العائلي إلى الحياة العملية مرورا بالمدرسة.&gt;&gt; (هـ 4)</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">وهكذا يتبين أن المدرس لم يعد يهتم فقط بنقل المعارف للمتعلم، بل عليه الاهتمام أيضا، بتلبية حاجاته السيكولوجية والانفعالية والمعرفية والاجتماعية لتحقيق نمو متكامل لشخصية المتعلم. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا إذا كان المدرس على وعي تام بالأدوار الجديدة التي يدعو لها الإصلاح، كما تدعو لها كل النظريات التربوية الحديثة. لذا فبجانب الدور التعليمي للمدرس، والذي يجعل منه موجها ومدربا للمتعلم&#8230; أصبحت له أدوار جديدة وهامة جدا، لازال غالبية مدرسينا لم يستوعبوها أو لم يقتنعوا بها. وأهمها:</span></span></p>
<p align="right"><span style="font-size: medium">1-         <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">تنشيط الحياة المدرسية من خلال المشاركة في الأندية المدرسية والجمعيات المهتمة بكل جوانب الأنشطة الموازية كالبستنة والمسرح والموسيقى والتنشيط والتوعية &#8230; الخ</span></span></span></p>
<p align="right"><span style="font-size: medium">2-         <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">المساهمة في تدبير شؤون المؤسسة من خلال الانخراط في أحد مجالسها الأربعة: &#8220;مجلس تدبير المؤسسة&#8221;، و&#8221;المجلس التربوي&#8221;، و&#8221;المجالس التعليمية&#8221;، ومجالس الأقسام&#8221;. حيث دعت الإصلاحات الجارية إلى ممارسة تدبير جماعي للمؤسسات باعتماد أسلوب تشاركي وتعاوني في كل ما يرتبط بشؤون المؤسسة التربوية والاجتماعية والمادية&#8230;</span></span></span></p>
<p align="right"><span style="font-size: medium">3-         <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">مساهمة المدرس من خلال انخراطه في مجالس المؤسسة والأندية التربوية، في انفتاح مؤسسته على محيطها السوسيوثقافي، والمساهمة أيضا في تنمية المجتمع من خلال عقد شراكات مع جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، ودعوتها للمساهمة في تطوير الأداء التربوي للمؤسسة، وإنجاز أنشطة مشتركة بين الطرفين لما فيه مصلحتهما معا.</span></span></span></p>
<p align="right"><span style="font-size: medium">4-         <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">ويدعو الإصلاح أيضا إلى إشراك جمعية آباء التلاميذ في مجالس المؤسسة، لتساهم إلى جانب الإداريين والمدرسين وممثلين عن الجماعات المحلية، في تدبير شؤون المؤسسة التربوية، مما يعني ضرورة العناية بربط علاقات إنسانية وتربوية مع آباء وأمهات التلاميذ، والتعاون معهم لخلق مناخ تربوي سليم في البيت والمدرسة &#8230;</span></span></span></p>
<p align="right">
<span style="font-size: medium">5-         <span dir="rtl"><span lang="AR-SA">أكد الإصلاح على ضرورة تعميم تكنولوجيا الإعلام والتواصل والمعلوميات والأنترنيت في كل المؤسسات التعليمية من خلال إنجاز مشروع &#8220;جيني&#8221; (<span style="font-size: medium"><span dir="ltr">Genie</span></span> </span></span><span lang="AR-SA">) الذي بدأ في تجهيز المؤسسات وتكوين المدرسين في هذا المجال (وقد شمل لحد الآن ثلث المؤسسات التعليمية بكل المستويات الابتدائية والإعدادية والثانوية، بكافة أرجاء التراب الوطني)، مما يدل على أن من أهم الكفايات التي على المدرس اكتسابها وتطويرها؛ إتقان استخدام هذه التكنولوجيا في المجال التربوي&#8230;</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">في ختام هذا المقال، لا بد من الإشارة إلى أهمية هذه الأدوار الجديدة للمدرس في إصلاح المنظومة التربوية المغربية، وفي بعث روح جديدة في المدرسة المغربية، وإعادة ثقة المدرس في نفسه وتقدير المجتمع له.</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Verdana;font-size: medium">ولا شك أن تفعيل هذه الأدوار الجديدة ليس أمرا هينا، بل يصطدم – ككل تجديد- بمقاومة التغيير من طرف كثير من المدرسين والإداريين الذين لم يقتنعوا بعد بأهمية هذه الإصلاحات، أو لم يُؤهلوا لخوضها&#8230; لذا لابد – من أجل تمكين المدرسين من القيام بكل هذه الأدوار الجديدة- من إقدام منظومتنا التربوية على استراتيجيات محكمة للتغيير، مرفوقة بتوفير الإمكانيات اللوجستيكية لإنجاز هذه الإصلاحات.</span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium">ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</span></span></p>
<p><em><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الهوامش: </span></span></em></p>
<p><span dir="rtl" lang="AR-SA">  &#8211;  1</span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="FR"><span style="font-size: medium"> Gestion des établissements scolaire</span></span></span></strong><span style="font-size: medium"><span lang="FR"> ; travail collectif; Publications de l&#8217;OCDE.centre de la recherche et l&#8217;innovation dans l&#8217;enseignement, Paris 2001: P:56</span><span dir="rtl" lang="AR-SA"> .</span></span></p>
<p><span lang="FR">2 &#8211;  Gilles Pelletier / Margaret Rioux Dolan «  </span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="FR"><span style="font-size: medium">Gérer les différences ; c’est apprendre à gérer une classe</span></span></span></strong><span lang="FR"> » -(1996)</span></p>
<p><span lang="FR">3 &#8211; </span><span lang="FR">http://www.unige.ch/fapse/SSE/teachers/perrenoud/php_main/php_1999/1999_03.html </span></p>
<p><span lang="FR">4 – </span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="FR"><span style="font-size: medium">La charte nationale d&#8217;éducation et de formation</span></span></span></strong><span lang="FR">; article 6.                                 </span></p>
<p><span lang="FR">      </span><span dir="rtl" lang="AR-SA">نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين البند السادس.                        </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%a3%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>3</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مفهوم الخيال عند   الفارابي</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d9%8a/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d9%8a/#comments</comments>
		<pubDate>Fri, 20 Jul 2007 21:16:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[ماستير التأويليات والدراسات اللسانية]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/419394/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d9%8a/</guid>
		<description><![CDATA[مقدمة: إذا كان الخيال على العموم , نشاطا إبداعيا خلاقا ,يحاول الإنسان بواسطته تفجير طاقاته الإبداعية ليكسبها جمالية  وفنية ، علاوة على كونه ـ أي مفهوم الخيال ـ يمكننا من توسيع مجال معارفنا لتشمل اللا معبر عنه باللغة العادية ،بحيث بشكل الخيال صورا إبداعية ، تضفي معاني و قيم جديدة على مواضيعه , فهل هذا [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large;">مقدمة:</span> </span></strong></p>
<p><span lang="AR-SA">إذا كان الخيال على العموم , نشاطا إبداعيا خلاقا ,يحاول الإنسان بواسطته تفجير طاقاته الإبداعية ليكسبها جمالية  وفنية ، علاوة على كونه ـ أي مفهوم الخيال ـ يمكننا من توسيع مجال معارفنا لتشمل اللا معبر عنه باللغة العادية ،بحيث بشكل الخيال صورا إبداعية ، تضفي معاني و قيم جديدة على مواضيعه , فهل هذا هو ما فهمه منه المعلم الثاني , الفارابي ؟.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium;">ما هو الخيال عند الفارابي ,و  ماهي الياته و أدواته ؟و ما هي المجالات التي وظف فيها الفارابي ذلك المفهوم ؟و ما مكانته من فلسفة الفارابي ككل ؟ تلك هي الأسئلة التي سنحاول معالجتها في الفصول التالية .</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">و مادام حديث الفارابي عن الخيال يقترن في جل نصوصه بحديثه عن القوة المتخيلة كقوة نفسية لدى الإنسان ,يسندلها الفارابي مهمة التخيل وإنتاج الخيالات , فقد خصصنا الفصل الأول من هذا البحث لمعرفة موقع القوة المتخيلة من النظرية السيكولوجية للفارابي ,و الخصائص المميزة لهذه القوة , و كذلك للبحث عن طبيعة علاقتها بالقوى النفسية الأخرى ,و بالخصوص القوة الحاسة و القوة الناطقة و القوة النزوعية محاولين معرفة كيفية اشتغالها و إنتاجها  لخيالاتها و مدى فعاليتها في ذلك الإنتاج .و قد اقتصرنا في هذا الفصل على دراسة خصائص و مميزات القوة المتخيلة في حالة اشتغالها العادي اثناء اليقظة .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما الفصل الثاني فقد قصرناه على دراسة طبيعة القوة المتخيلة أثناء المنام و فعاليتها في إنتاج الأحلام و المنامات , محاولين معرفة خصائصها و مميزاتها أثناء المنام ,و طبيعة علاقتها بقوى النفس الأخرى ( الحساسة و الناطقة و النزوعية  ) و قد تطرقنا كذلك في هذا الفصل ،لتفسير الفارابي لبعض الظواهر الناذرة التي تحصل لبعض الناس اثناء اتصالهم بالعقل الفعال بتوسط المتخيلة ،كالكهانات و النبوة .وقدتساألنا ـفي هذا المجال ـ عن الشروط التي يفترضها الفارابي في مثل هؤلاء الناس و الكيفية التي يتم بها تلقي المتخيلة للمعرفة الواردة عليها من العقل الفعال .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">و إذا كنا قد ركزنا في الفصلين الأول و الثاني ـفي دراستنا لمفهوم الخيال عند الفارابي ـ على الجانب السيكولوجي للخيال ، فإننا في الفصل الثالث حاولنا تبين مكانة و أهمية الخيال في ثلاث مجالات رئيسية ؛المجال الأخلاقي ،و المجال المنطقي و الأدبي ثم المجال السياسي .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">و قد أثار انتباهنا و نحن ننجز هذا البحث بعض الدراسات الحديثة التي انصبت على دراسة مفهوم الخيال في الثقافة العربية ـ الإسلامية  ـ مما دفعنا إلى التساؤل عن مدى صحتها و علميتها خاصة و أنها ـ أي تلك الدراسات ـ غالبا ما تصدر أحكاما تعميمية تشمل أحيانا الفلاسفة المسلمين كلهم ،أو  علماء الكلام ،بل و قد تنطبق ـ في اعتقاد أصحاب هذه الدراسات ـ على الثقافة الإسلامية بكل تنوعاتها ؛فغرونباوم يذهب إلى أن النزعة العقلانية في الثقافة الإسلامية لا تمنح الخيال منزلة رفيعة ،و أن الفكر الإسلامي على وجه العموم لم يتخل عن علم النفس  الأرسطي الذي يضع الخيال الإنساني مع القوى الحيوانية على صعيد واحد . كما يقول بأن (النظرة الكلامية أيدت هذا التهوين من شأن تلك القوة الخلاقة </span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">… </span></span><span lang="AR-SA">فكيف ذلك من الجهود العقلية في الأعصر التالية ، حتى كاد ينجم عنه إنكار و استهجان لخيال الشعراء ) ، و يرى د . جابر أحمد عصفور أن ( القوة المتخيلة ـ عند الفلاسفة المسلمين ـ مقيدة بقيود الحس </span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">… </span></span><span lang="AR-SA">و لا يمكن لحركة التخيل أن تنطلق وتتحرك دون مدركاته و معطياته . وفي ذلك تتجلى نقاط الضعف  التي تعتور هذه القوة ، ويتولد كثير من سوء الظن في قيمة نشاطها الخلاق ). فإلى أي حد تنطبق هذه الأحكام على الفارابي ؟ .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أشير بهذا الصدد إلى أن غاية هذا البحث لن تكون ردا على هؤلاء الباحثين أو تزكية أطروحتهم  فكل ما نتوخاه من إنجاز هذا البحث هو تقصي و دراسة مفهوم الخيال عند الفارابي و محاولة معرفة الخصائص التي يتميز بها و مختلف السياقات والمجالات التي وظف فيها الفارابي ذلك المفهوم و مكانته من فلسفة الفارابي ، اقتناعا منا بأن أي تنظير للتراث ، وأي تقييم له ـ أو لجانب من جوانبه ـ يجب أن تسبقه دراسات علمية جادة تحاول فهم ذلك التراث .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">وقد اعتمدت أساسا في إنجاز هذا البحث على مقاربة مباشرة لنصوص الفارابي الأصلية دون الصدور عن رؤية ماضوية كل همها الماضي و الماضي فقط ، و دون الإنطلاق كذلك من هم فكري محض ، بل إنني أتوجه إلى التراث على أساس أني أعتقد أن هذا التراث لم يعرف بعد ، بمعنى أننا لا نعرف في الحقيقة التراث ، إنما نعرف ََ دراسات ََ تمت عن هذا التراث ـ قد تكون صائبة طبعا و لكن قد تكون أيضا خاطئة ، وهذا هو الغالب ـ . وهذا لم يمنعني من الإستعانة في تجاوز بعض الصعوبات بتأويلات بعض الباحثين ، حينما يتبن لي أنها تقربني من فهم النص الفارابوي .</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';"> </span></span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';"> </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">مكانة الخيال في البنية السيكولوجية للإنسان عند الفارابي</span></p>
<p><span lang="AR-SA">وإننا و نحن نبحث عن ملامح الخيال عند الفارابي ،لسنا أمام مفهوم متضح المعالم ،أو بصدد دراسة مفهوم خصص له الفارابي حيزا خاصا في مؤلفاته .بل نجد أنفسنا أمام تداخل مكثف لعدة مفاهيم و أفكار ، مصاغة في سياقات و مجالات مختلفة ، يصعب فصل بعضها عن البعض الآخر ،مما يدعونا إلى الإحتراس الشديد أثناء دراسة مفهوم واحد من تلك المفاهيم حتى لا نخل بالمعنى .</span></p>
<p><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium;">ما هو موقع الخيال أو القوة المتخيلة من النظرية السيكولوجية للفارابي ؟ و ماهي  الخصائص المميزة لهذه القوة ؟ وما طبيعة  علاقتها بالقوى النفسية الأخرى و بالخصوص القوة الحاسة و القوة الناطقة و القوة النزوعية ؟كيف تشتغل و كيف تنتج خيالاتها ؟و هل لها فعالية في هذا الإنتاج تلك هي الأسئلة التي سنحاول معالجتها في هذا الفصل .</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن الحديث عن الخيال عند الفارابي نجده ـ في جل نصوصه ـ مقترنا بالقوة المتخيلة ، و لعل دلالة هذا أن الفارابي بصدد حديثه عن الخيال لا يعتبره مفهوما مجردا عن كل تعيين ، بل يربطه بتصوره البيولوجي و السيكولوجي للإنسان ، كما أنه لا يورد كلمة (قوة )أو (قوى )أثناء حديثه عن الموجودات الإلهية أو الأجسام السماوية ،بل يتحدث في هذا المجال عن (نفوس ) أو (عقول ) أما ذكره لكلمة قوة فيأتي حين حديثه عن الأجسام الهيولانية  في مستواها البيولوجي و السيكولوجي  ، ولعل دلالة هذا التميز هو أن هذه القوى محايثة للمادة و غير مفارقة لها . من هنا يمكننا الحديث ـ في إطار  السيكولوجيا الفارابية ـ عن التداخل بين المستوى البيولوجي للإنسان و المستوى السيكولوجي من جهة ، و بين المستوى السيكولوجي و المستوى الميتافيزيقي من جهة أخرى . كما يمكننا أن نميز في هذا التداخل بين صنفين من القوى النفسية  للإنسان : </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ1 ـ الصنف الأول يتبين فيه تقاطع بين البيولوجيا و السيكولوجيا ، وهو خاص بالقوة الغاذية و القوة الحاسة ..</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ 2  ـ والصنف الثاني تتقاطع قيه البيولوجيا والسيكولوجيا و الميتافيزيقا و يقتصر على القوة المتخيلة والقوة الناطقة .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">تأتي القوة المتخيلة في المرتبة الثالثة في سلسلة القوى التي تكون طبيعة الكائن البشري بعد القوة الغاذية والقوة الحاسة . ومما يميز القوة المتخيلة هو أنها لآتحتوي على ََ رواضع ََ أو ََ خدم ََ كما هو الشأن بالنسبة للقوتين الغاذية و الحاسة . فهي قوة داخلية في الإنسان ليس لها آلات خارجية تتصل بالوجود الخارجي المنفصل عن الذات ، فهذه من مهام الحواس التي تنقل الإنطباعات  الحسية الخارجية للحاسة الرئيسية المصطلح عليها في السيكولوجيا القديمة بالحس المشترك ، والتي تقوم بمهمة التنسيق بين الخصائص الحسية للشيء المدرك من طرف الحواس حتى تكتمل الصورة الحسية المطابقة لوجود ذلك الشيء ، فتقوم الحاسة المشتركة بإيصال تلك الصورة الحسية للقوة المتخيلة .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">فالقوة المتخيلة &lt; &lt; يحفظ بها _ الإنسان _ ما ارتسم في نفسه من المحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها </span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">…&gt;&gt; </span></span><span lang="AR-SA">فهي بمثابة مستودع لكل الصور الحسية التي تدركها الحواس . و الفرق بين هذه المتخيلة و القوة الحاسة ،هو أن إدراك هذه الأخيرة و القوة الحاسة ،هو أن إدراك هذه الأخيرة للشيء متآن مع مثول ذلك الشيء أمامها ، أما المتخيلة فتتلقى صور المحسوسات من قبل القوة الحاسة و تحتفظ بها منعزلة عن تجسداتها الأصلية مما يجعلها تلعب دورا هاما في التجريد النسبي للصور الحسية عن ارتباطها بالمادة ، حيث تقوم بتنقية المحسوسات و تصفيتها نسبيا من علائقها الحسية و عوارضها المشخصة .مادامت القوة المتخيلة تقوم بمهمة حفظ المحسوسات ،ألا يمكن القول بأن المتخيلة ذاكرة ؟ وإن كانت كذلك ، ما هي  مميزات هذا الذكر و ما طبيعته ؟ و هل وظيفة الحفظ أو الذكر عند الفارابي ترتبط بالقوة المتخيلة أم مستقلة عنها ؟ . </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن إدراك القوة الحاسة لصور المحسوسات _ كما بينا سابقا _ يكون متآنيا مع مثول تلك المحسوسات أمام الحاسة ، فهي لا تحتفظ بالصورة الحسية بعد إدراكها لها ، فهذه خاصية تتميز بها المتخيلة ، حيث تحتفظ بتلك الصور الحسية بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها  و من ثم يمكن القول بأن القوة المتخيلة حافظة ، مادام الحفظ إنما هو لم يزل قائما بالنفس من وقت إدراكه في الزمان الماضي إلى الزمن الحاضر .</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ويبدو أن الفارابي يميز بين المتخيلة و الذكر حين يقول : (وقوة تسمى حافظة و هي خزانة ما يدركه الوهم كما أن القوة المصورة خزانة ما يدركه الحس ). وقوة الذكر ليست كالمتخيلة ، لأن هذه الأخيرة تصور الصور دون أن تحققها القوة الوهمية أو تنسقها تنسيقا يلائم الحس. و بتعبير آخر إن الفرق بين القوتين هو أننا في حالة تصوير الصورة لا نحتاج إلى استعمال الحكم بينما في فعل الذكر تحتاج إلى استعمال الحكم.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">انطلاقا مما سبق يمكن أن نخلص إلى أن القوة المتخيلة عند الفارابي ليست ذاكرة و لا تمتلك قوة الذكر فهي تعمل فقط الصورة الحسية و لعل عملية الحفظ التي تقوم بها المتخيلة تبدو واضحة جدا في المثال الذي يذكره الفارابي و ابن سينا في أكثر من موضوع من مؤلفاتهما ، وهو مثال الخروف و الذئب : فالخروف يرى الذئب بواسطة الحس المشترك ثم يختزن صورة الذئب في المتخيلة ، ويدرك معنى عداوة الذئب له بواسطة قوة الوهم . وهي القوة التي ( تدرك من المحسوس ما لا يحس بالحاسة مثل القوة التي في الشاة إذا اشتبهت صورة الذئب في حاستها و تشبهت عداوته  ردائته إذ الحاسة لا تدرك ذلك )).</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';"> </span></span><span lang="AR-SA">والقوة المتخيلة لا تقوم بتلقي الصور الحسية الواردة عليها من طرف الحواس و حفظها بشكل سلبي فقط بل لها دور إيجابي  وفعال يتميز بنوع من الإبداع و الخلق ، (تركب المحسوسات بعضها إلى بعض ، و تفصل بعضها عن بعض ،تركيبات و تفصيلات مختلفة ، بعضها كاذبة  بعضها صادقة ) فالمتخيلة تعيد تركيب المحسوسات المختزنة لديها تركيبا جيدا حيث تتجاوز المعطى الخارجي كما تنقله لنا الحواس ، كما أن لها القدرة على فصل المحسوسات بعضها عن البعض الآخر ، فإن النفس تحصل فيها معقولات و خيالات المحسوسات كما أحست مثل خيال لا زيد في الحس ، و أشياء أخرى تخترعها النفس بتركيب الخيالات بعضها إلى بعض مثل عنزاييل و أشباهه.وبذلك تنتج لنا القوة المتخيلة صورا خيالية (( يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حس ، و في بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس )) و نلاحظ بهذا الصدد أن عملية حفظ الصور الحسية _ الواردة من القوة الحساسة _ من طرف القوة المتخيلة ، سابق زمنيا لقيامها بتركيب و فصل الصور الحسية ، لذلك يمكن أن نميز بين لحظتين في عمل القوة المتخيلة : </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">_          </span></span><span lang="AR-SA">لحظة أولى تكون فيها القوة المتخيلة منفعلة بما تتقبله من الصور المحسوسة من طرف القوة الحاسة ، حيث تعمل على حفظها و اختزانها ،و تتميز و تتميز الصور المتخيلة أثناء هذه اللحظة بمطابقتها و موافقتها للمحسوسات و تخضع لنفس الشروط التي تحكم عالم المحسوسات . و بذلك تتميز هذه الصور الخيالية بالصدق .</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">_          </span></span><span lang="AR-SA">و لحظة ثانية تتميز فيها المتخيلة بالخلق و الإبداع ، حيث تقوم بعمليتي فصل أو تركيب الصور الحسية المختزنة لديها ،فتنتج صورا خيالية غير مطابقة لوجود المحسوسات كأن نتخيل إنسانا ذا جناحين ، و القوة المتخيلة في هذه اللحظة غير محكومة بنفس القوانين التي تنتظم العالم الحسي ، كما أنها لا تخضع بالضرورة لقانون السببية الذي يفترض وجود ترابط ضروري بين الأسباب و المسببات ، و بذلك تخترق المتخيلة كل الحدود التي تفصل الممكن عن المستحيل و الصواب عن الخطأ . </span></p>
<p><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium;">أما علاقة القوة المتخيلة بالقوة الناطقة عند الفارابي فتبدو أكثر تعقيدا من علاقة المتخيلة بالحاسة ،نظرا لتعقيد نظرية العقل عند الفارابي و تشعبها ، و لكونها كذلك تطرح _ كما ألمحنا إلى ذلك سابقا _ في إطار تتداخل فيه البيولوجيا بالسيكولوجيا و الميتافيزيقا .</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">عالج الفارابي مشكلة العقل في مواضع متفرقة من كتبه ،و جعل العقل على أربع درجات ؛ العقل بالقوة و العقل المستفاد و العقل الفعال ،و مادامت إشكالية العقل عند الفارابي ليست موضوع اهتمامنا في هذا البحث فسنحاول الإقتصار فقط على تبين العلاقة التي تربط مفهوم الخيال بنظرية العقل عند الفارابي ، كيف ينتقل العقل الهيولاني _ الذي هو أول مراتب العقل الإنساني _ من القوة إلى الفعل ؟ و ما دور القوة المتخيلة في هذا الإنتقال  ؟ و للإجابة على هذين السؤالين لابد من أن نتبين كيف يعقل الإنسان معقولاته مع التركيز على دور القوة المتخيلة في نيل هذه المعقولات و عقد مقارنات _ إن أمكن ذلك _ بين المتخيلة و العقل الإنساني من حيث الخصائص التي يتميز بها كل منهما .                                </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما العقل الإنساني ( فإنه هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل رسوم المعقولات : فهي بالقوة عقل و عقل هيولاني  ) ، و حصول هذه الهيئة  الطبيعية هي ( أول الرتبة التي بها الإنسان إنسان </span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">… </span></span><span lang="AR-SA">وهذه هي المشتركة للجميع ) ،فهذا العقل يتميز بالفطرية إلا أنها فطرة لها مميزات خاصة تختلف عن فطرية القوة المتخيلة، رغم أنهما يشتركان في كون الحصول عليهما &#8220;أي العقل الهيولاني والمتخيلة&#8221; لا يتطلب مجهودا نظريا أو عمليا. إلا أن العقل الهيولاني يتميز إضافة إلى ذلك بكونه مشتركا بين الجميع، أي أنه موجود عند جميع الناس بشكل متساو، أما القوة المتخيلة فرغم فطريتها فإنها لا توجد عند الجميع بشكل متساو، حيث أن هناك مراتب في كمال القوة المتخيلة </span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">–</span></span><span lang="AR-SA">كما سنرى فيما بعد-.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ولتحقيق ذاته وانتقاله إلى الفعل يتعين على العقل الهيولاني القيام أو الخضوع لثلاث عمليات:</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أ ـ أن يجرد الموجودات عن موادها وينتزع ماهياتها( فالعقل الذي بالقوة هو</span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">…</span></span><span lang="AR-SA"> شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن ينزع ماهية الموجودات كلها، وصورها دون موادها فتجعلها كلها صورة لها</span><span dir="ltr"><span style="font-family: 'Times New Roman';">…</span></span><span lang="AR-SA"> وتلك الصور المنتزعة عن موادها هي المعقولات).</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ب ـ أن يقبل المعقولات الخارجة إلى الفعل.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ج ـ أن يعي ذاته.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">فالعقل الهيولاني إذن يتميز بالاستعداد في ثلاث اتجاهات: نحو قبول المعقولات، ونحو انتزاع المعقولات، ولأن يصير هو نفسه عقلا بالفعل، وهذه العمليات مرتبطة ارتباطا جوهريا، لأن حصول إحداها هو تحقق في نفس الوقت للعمليتين الأخريين.</span></p>
<p align="right"><span dir="rtl" lang="AR-SA">ينتقل إذن العقل الهيولاني إلى عقل بالفعل عندما يتلقى القدرة على الفعل من طرف العقل الفعال، فإذا قام بانتزاع صور وماهيات الموجودات، تصبح معقولات بالفعل بعد أن كانت معقولات بالقوة، ويصير العقل الهيولاني </span>–<span dir="rtl" lang="AR-SA">الذي أصبحت تلك المعقولات صورا له- عقلا متحققا بالفعل. ونلاحظ بهذا الصدد أن عملية تشكيل العقل بالفعل تكون متآنية مع تشكيل المعقول بالفعل من طرف العقل، (فهذا معنى العقل بالفعل . فإذا حصلت فيه المعقولات التي انتزعها عن المواد، صارت تلك المعقولات بالفعل</span>…<span dir="rtl" lang="AR-SA"> وتلك الذات إنما صارت عقلا بالفعل بالتي هي بالفعل معقولات. فإنها معقولات بالفعل، وإنها عقل بالفعل شيء واحد بعينه)&#8230; (يُتبع لاحقا)</span></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d9%81%d9%87%d9%88%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%8a%d8%a7%d9%84-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>2</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>مسألة الهوية</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 17 Jul 2007 21:00:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[علوم التربية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>
		<category><![CDATA[ندوات وملتقيات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/414694/%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9/</guid>
		<description><![CDATA[الحق أنني لا أرى في مسألة الهوية دائما سوى شيء من الانحراف. أعني أنّ مَن يَطرح المسألة ويَضَعُها في قلب هواجسه إنما يسعى باحثا في سياق نوع من الانحراف عن الهوية الإنسانية. فحين نبحث عن هوية أخرى، يبدو أننا نتجه اتجاهات غير مأمونة العواقب. فعندما بدأ الألمان يبحثون عن الهوية الألمانية، ظهرت النازية. الإنسان يملك [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p align="right"><span style="font-size: large">الحق أنني لا أرى في مسألة الهوية دائما سوى شيء من الانحراف. أعني أنّ مَن يَطرح المسألة ويَضَعُها في قلب هواجسه إنما يسعى باحثا في سياق نوع من الانحراف عن الهوية الإنسانية. فحين نبحث عن هوية أخرى، يبدو أننا نتجه اتجاهات غير مأمونة العواقب. فعندما بدأ الألمان يبحثون عن الهوية الألمانية، ظهرت النازية. الإنسان يملك هوية، هوية واحدة يُمْكن إغناؤُها في كل مكان وزمان. وكل محاولة أخرى إنما هي محاولة لتغييره وتحويله إلى أداة داخل منظومة جماعية أو دينية أو عقائدية، وتيْسِير استعمالِه في هذا المخطط وإخضاع ضميره وأفكاره ومُثله لمُحاسَبات ولِما شاكل ذلك من أشكال القهر والاستعباد. إن فتح باب الهوية هو فتحٌ لباب خطير جدا، تماما كبابِ الأصالة، من شأنه أن يؤدي إلى العديد من التمايزات، وإلى رفض الآخَر، وإلى استعبادات، وتعسفات، وتعصُّب، وإقصاءات. فمسألة الهوية يجب أن تؤخَذ بحذر، وإذا استعمِلت فينبغي أن تستعمَل بنوع من الضبط.</span></p>
<p align="right"><span style="font-size: large">كان هذا مقطعا من حوار أجريناه مع المرحوم د. محمد ألوزاد، للعودة لنص الحوار المنشور بموقعنا هذا انقر على الرابط أسفله</span></p>
<p>http://www.aziz-boussetta.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7-2/</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%85%d8%b3%d8%a3%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>3</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الأول</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84-3/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84-3/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 10 Jul 2007 21:29:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[ماستير التأويليات والدراسات اللسانية]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة الصورة]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[معرض الصور]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>
		<category><![CDATA[ندوات وملتقيات]]></category>
		<category><![CDATA[محمد المصباحي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/403699/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84/</guid>
		<description><![CDATA[ حوار مع الدكتور محمد المصباحي حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الأول نُشر بمجلة(( &#8220;الصورة&#8221; مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))  السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999 دار النشر المغربية بالدار البيضاء المغرب. أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي     لعل ما يميز الدكتور محمد المصباحي، من بين جمهرة المشتغلين بالفلسفة [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h3><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;"> </span></span><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;">حوار مع الدكتور محمد المصباحي</span></span></span></h3>
<h4 style="text-align: center;" align="center"><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الأول</span></h4>
<h4 style="text-align: left;"><span style="color: #000000;"><strong>نُشر بمجلة(( &#8220;الصورة&#8221; مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))</strong></span></h4>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #000000;"> السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999 دار النشر المغربية بالدار البيضاء المغرب.</span></p>
<p dir="rtl"><span style="font-size: medium;"><strong><span lang="AR-SA">أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي</span></strong></span></p>
<p><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;">  <a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/Mesbahi1.jpg"><img class="aligncenter size-full wp-image-787956" src="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/Mesbahi1.jpg" alt="Mesbahi" width="259" height="194" /></a></span></span></span></p>
<p><span lang="AR-MA"> </span></p>
<p><span lang="AR-SA">لعل ما يميز الدكتور محمد المصباحي، من بين جمهرة المشتغلين بالفلسفة الإسلامية، منهجُه العلمي المتفرد في قراءة واستنطاق مكنونات النصوص التراثية؛ منهج نقدي إشكالي يتوجه إلى المتون الفلسفية في نَصِّيتها، مع انفتاح متيقظ على فتوحات العقلانية الفلسفية المعاصرة وما تثيره من إشكالات وتطرحه من رهانات وآفاق، وذلك بعيدا عن أي تعصب مذهبي أو تصلب دوغمائي. ومافتئت اجتهاداته النظرية تتراكم على امتداد سنوات طويلة، خصوصا في حقل الفلسفة الرشدية التي تعتبَر مجالَ تخصصِه بامتياز، حيث أثمرت أبحاثه لحد الآن المؤلفات الآتية:</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ <strong>إشكالية العقل عند ابن رشد</strong>، بيروت/الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، </span><span lang="AR-SA">1988.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ <strong>دلالات وإشكالات</strong>، الرباط، منشورات عكاظ، 1988.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ <strong>من المعرفة إلى العقل، بحوث في نظرية العقل عند العرب</strong>، بيروت، دار الطليعة، 1990.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ <strong>تحولات في تاريخ الوجود والعقل</strong>، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1995.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ <strong>الوجه الآخر لحداثة ابن رشد</strong>، بيروت، دار الطليعة، 1998.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ <strong>أنحاءُ الوحدة وتجلياتها عند ابن رشد</strong>، (قيد الطبع).</span></p>
<p><span lang="AR-SA">كما أن له مقالات متعددة نُشرت في دوريات متخصصة مختلفة يصعب حصرُها، فضلا عن أبحاث شارك بها في عدة ندوات وملتقيات فلسفية داخل المغرب وخارجه؛ مما يجعل منه شخصية علمية ذات حضور فاعل في إثراء وتعميق المشهد الثقافي من خلال اضطلاعه بالمهام الآتية:</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ عضو مؤسِّس لمركز الدراسات الرشدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ عضو المكتب الإداري للجمعية الفلسفية المغربية.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ عضو هيئة تحرير مجلة &#8220;مدارات فلسفية&#8221; التي تصدرها الجمعية المذكورة.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          ـ أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط،<br />
ورئيس وحدة للتكوين والبحث بها في محور: &#8220;فضاءات الفكر في الحضارة العربية&#8221;.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">لهذه الاعتبارات، حرصت المجلة على لقائه ومناقشته بصدد جوانب من مشروعه الفلسفي، لتقريبه من القراء وإشراكهم في بعض انشغالاته وأجوائه، فكان هذا الحوار. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">* * * * *</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span style="font-size: x-large;"><span lang="AR-SA">         </span><span dir="ltr">&amp;</span></span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> أعلنتم في مناسبات عديدة (حوار مع صحيفة &#8220;المنعطف&#8221;، عدد </span><span lang="AR-SA">11</span><span lang="AR-SA">، </span><span lang="AR-SA">08/08/1996</span><span lang="AR-SA">، ص: </span><span lang="AR-SA">12-13</span><span lang="AR-SA">، وأيضا في حوار مع الملحق الثقافي لصحيفة &#8220;الاتحاد الاشتراكي&#8221;، عدد </span><span lang="AR-SA">511</span><span lang="AR-SA">، </span><span lang="AR-SA">25/04/1997</span><span lang="AR-SA">، ص:</span><span lang="AR-SA"> 3</span><span lang="AR-SA">) أنكم تَعتبرون نفسَكم رشديا. والمعروف أن ابن رشد من جهته كان يَعتبر نفسَه أرسطيا، بينما كان أرسطو واضحا في إعلان تحالفه مع الحقيقة أينما وُجدت ولو ضد أستاذه أفلاطون</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">نستأذنكم في العودة مجدَّدا لتوضيح هذه النقطة: هل يتعلق الأمر بولاء لروح فلسفة ابن رشد العقلانية المتفتحة؟ أم بولاء للمرجعية الأصلية لهذه العقلانية، أعني للأرسطية التي بلغت من حيث العقلانية والانفتاح المنهجي شأوا بعيدا، إلى درجة تبدو معه وكأنها بعيدة عن أية نسقية دوغمائية متصلبة، بحيث أصبح الباحثون (أمثال </span><span style="font-family: Times;"><em><span dir="ltr" lang="FR">J  aejer</span></em><span dir="ltr" lang="FR">, </span><em><span dir="ltr" lang="FR">Fr. Nuyens</span></em></span><em><span lang="AR-SA"> .</span></em><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr" lang="FR">W</span></span><span lang="AR-SA">)</span><span lang="AR-SA">، يتحدثون اليوم عن ثلاثة نماذج أو أكثر لأرسطو</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">وفي كلتا الحالتين، هل يتعلق الأمر بولاء لإبستيمية عربية إسلامية، أم لإبستيمية غربية؟ أم أن شعار الرشدية بالنسبة إليكم يتسعُ لهذا كله؟</span> <span dir="ltr"><span style="font-family: Times;"> </span></span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> </span></span></p>
<p><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> أشكركم على هذا السؤال العميق والماكر، والذي يثير كثيراً من القضايا الشائكة المتعلقة بدراسة ابن رشد. في الحقيقة، عندما كنت أعلن بصفة غير مباشرة بأنني رشدي، لم أكن أفعل ذلك للتعبير عن تعلق مذهبي بابن رشد، كالذي أبداه هو حيال أرسطو والذي آل به إلى اعتباره &#8220;الرجلَ الذي كمُل عنده الحق&#8221;، بل إن تعلقي بأبي الوليد هو تعلقُ محبة ، لكنها ليست محبة عمياء لا تترك لنفسها حرية أخذ المسافات الفاصلة التي تسمح بالحق في ممارسة النقد والتفكير. إن تعلقي بابن رشد ليس تعلقا من أجل ابن رشد نفسِه، ولا من أجل أرسطو، كما أن تعلقي به لا يعني تعصباً مذهبياً لوجهة نظره في فهمه لأرسطو وللفارابي ولابن سينا ولابن باجة. بل إن محبتي لابن رشد هي أولا محبة لرجل استطاع أن يجمع بين ولائه لثقافته الفقهية والأصولية من جهة، وتفتحه على علوم الآخر المخالِف لنا في الملة والمصيبِ في الحق؛ وثانيا لمحبته العميقة للفلسفة وما يتصل بها من علم وطب وفلك؛ والوجه الثالث لمحبتي له هو مراعاته، بل وصرامته في مراعاته لشروط الصناعة الفلسفية في النظر إلى القضايا الطبيعية والإلهية والنفسية وقضايا المدينة؛ وأخيرا فإن تعلقي به هو تعلق منهجي، تعلق بزاوايا النظر التي كان يَنظر من خلالها إلى العالم. إذن ، محبتي لابن رشد هي في الحقيقة محبة للفلسفة، هي حنين لعادة أسلافنا في تعظيم العلم والفكر وتقدير ذويه، إيماناً مني أننا عندما ننسى الفلسفة فإنما ننسى وجودنا وتاريخنا وإرادتنا في التحدي والبقاء، وننسى مروءتنا وأخلاقنا. وأعتقد بأنه بدون هذه المقدمات لا نستطيع اليوم أن نقيم لأنفسنا أسس صرح حضاري جديد.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن محبتي لابن رشد إذن هي محبة بالعرَض لا بالذات. لكننا ينبغي أن لا ننسى تلك الفضيلة التي رفعها أبو الوليد إلى مرتبة &#8220;الواجب الفلسفي&#8221;، وهي فضيلة حب الأوائل وتقديره إياهم. فقد أوجب ابن رشد على صاحب الفلسفة أن يُعرب عن حبه للأوائل من الفلاسفة والعلماء، لأنهم في نظره هم الذين خلقوا عقولنا في مقابل آبائنا الذين خلقوا أبداننا. وهذا لعمري أحد الشروط الأولى للدخول إلى عالم الفلسفة. وبالفعل، فإن كل مُطلِع على الإنتاج الأرسطي لا يملك إلا أن تصيبه الدهشة من عظمة هذا الرجل وكمال مقاله ونفاذ فكره ودقة عبارته في كل ما أبدعه أو تطرق إليه من علم أو فن. ومع ذلك فبوسعنا أن نبرهن بأن تعلق ابن رشد بأرسطو لم يكن تعلقاً أعمى، أي على حساب الحقيقة، لأننا كثيرا ما نلفيه يلاحظ على المعلم الأول تقصيرَه في هذه النقطة أو وقوفَه دون الكمال في تلك، بل إننا يمكن أن نَعتبر بأن إقدامه على كتابة شروحه الكبرى دليلا على رغبته في تجاوز أرسطو عن طريق الغوص فيه. لقد كان تعلقه به تعلّقاً في الجوهر، في الأمر المشترَك بينهما، وهو محبة الحكمة، من حيث هي ممارسة للعقل في أقصى تجلياته وصرامته وإبداعه، أي ذلك العقل الذي يراعي تقاليد الصناعة الفلسفية الملتزمة بقواعد البرهان بمعناه الواسع. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">لقد أشرتم في تساؤلكم إلى بعض الاتجاهات المنهجية الحديثة في دراسة الفكر الأرسطي التي برهنت، بالاعتماد على جملة من المعطيات الفيلولوجية الدقيقة، على أن أرسطو لم يَظهر فجأة مكتمِلَ المذهب متناسقَ الأفكار في زمن محدَّد، بل إنه مر بمخاض طويل وعسير أسهم فيه تفاعله مع الاتجاهات الفكرية في زمانه كالأفلاطونية والديمقريطية والسفسطائية&#8230; كما أسهم فيه بحثه الشخصي واجتهاده الأصيل. هكذا أدت هذه الرؤية الجينيالوجية إلى تغيير جذري في نظرتنا إلى فكر وإنتاج أرسطو، حيث تم استبعاد النظرتين النسقية والانتحالية لنصه وتعويضُهما بنظرة جينيالوجية جعلته نصاً مختلفا مكوَّناً من ثلاث طبقات مختلفة في قاموسها ومذهبها.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ولا شك أن ما قيل عن أرسطو يمكن أن ينطبق على ابن رشد مع قدر كبير من التحفظ. فهو، كأي مفكر، لا بد أن يمر بتطور في فهمه للنصوص وفي نظرته إلى الوجود. وهذا ما يسمح لنا بالكلام عن ابن رشد سينيوي، وعن ابن رشد فارابوي، وعن ابن رشد باجوي، وعن ابن رشد إسكندري، بالإضافة إلى ابن رشد الرشدي. لكن الاعتراف بمزايا المنهج الجينيالوجي ينبغي أن لا يُنسينا، في حالة ابن رشد، أن الأمر يتعلق أساسا بشارح لنصوص غيره من الفلاسفة والأطباء والفلكيين والأصوليين والفقهاء، لذلك من الصعب في هذه الحالة الكلام عن تطور حقيقي للرجل. لكن ينبغي أن لا يُفهم من قولنا هذا أننا ننكر عليه أي مظهر للتطور في لغته وفهمه لأعمال الآخرين، فوجود أكثر من شرح واحد لنفس الكتاب، أو عودته المتكررة لنفس المسألة، أو مراجعته المتعددة لبعض نصوصه، دليل على حصول تطور عميق يَعترف به هو نفسُه أحيانا. وهذا ما يجعل من الصعب قراءة بعض أعمال ابن رشد لِما فيها من طبقات مذهبية يصعب فرزُ بعضها عن بعض. ففي هذا السياق الخاص يمكن الكلام عن أكثر من ابن رشد واحد، لكن هذا لا يعني أنه من حقنا اعتماد ابن رشد الذي جَبَّ ما قبله، لأنه يُمْكننا إثباتُ جيوب سينوية في فكره حتى وهو في عز انتقاده للشيخ الرئيس. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن مشكلة ابن رشد هي أنه لم يشأ أن يكتب مقدمة في الفلسفة على غرار &#8220;مقدمة&#8221; ابن خلدون، أو كتابا في &#8220;إحياء علوم الفلسفة&#8221; نظير لكتاب الغزالي بالنسبة لعلوم الدين، أو قصة يحكي فيها تاريخ الفلسفة على شاكلة رسالة &#8220;حي بن يقظان&#8221; لابن طفيل&#8230; لقد كان قاضي قرطبة مغرَماً بالنصوص، شاعراً بواجب شرحها وتبيينها بحسب قواعد البرهان، خوفاً عليها من ضياعها وفساد صناعتها. لقد كان واعياً بشرف رسالته وحدودها في نفس الوقت.</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> </span></span></p>
<p><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> منذ أن كرست منظمة اليونسكو السنة الماضية سنة عالمية مخَصَّصة لابن رشد بمناسبة الذكرى المائوية الثامنة لوفاته، تواترت المؤتمرات والندوات حول فلسفة ابن رشد شرقا وغربا، كما نشطت حركة استثنائية على مستوى الطباعة والنشر حول تراث الرجل تأليفا وتحقيقا ونقدا وترجمة إلى لغات متعددة. فكانت مناسبة تابعنا فيها جهات مختلفة ومتضاربة من النظر إلى الفلسفة الرشدية، كان فيها من انتصر لِما يَعتبره جوانب للتنوير والعقلنة والعلمانية والحداثة، وكان فيها من انتصر، في مقابل ذلك، لِما يَعتبره جوانب للمحافظة والإيمان والأصالة</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">…</span></span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">نود أن نستطلع رأيكم بصدد الحصيلة العامة لفعاليات هذه الاحتفالية، خصوصا وأنكم تعتبَرون من المتخصصين في الدراسات الرشدية بحكم تجربتكم الشخصية الطويلة في التمرس العميق والمعايشة النقدية المتأنية لنصوص المتن الرشدي منذ سنوات طويلة، وبحكم حضوركم الفاعل في أعمال الكثير من تلك الندوات عربيا ودوليا</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ هل يمكن الحديث عن إضافات علمية نوعية وسط هذا التراكم الدولي؟ وإلى أين وصلت أبحاث الرشديين العرب مقارنة بنظرائهم من جمهرة الرشديين المستعربين في الغرب؟</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> </span></span></p>
<p><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> لقد جَعلت مؤتمراتُ ولقاءاتُ السنة الدولية </span><span lang="AR-SA">(1998)</span><span lang="AR-SA"> من ابن رشد <strong>مكانا عاما</strong> التقى فيه كلُّ محبيه من باحثين ومفكرين وشعراء وأدباء للتداول في الشأن الرشدي الذي هو في الحقيقة جزء من شأنهم وشأن زمانهم. إن القيام بهذه المبادرة الدولية هو في حد ذاته حدث جديد، بغض النظر عن الوقع الذي أحدثه. أولا بالنسبة للعالم العربي، أعتبر أن هذا الاهتمام الكثيف بابن رشد ـ وإن كانت الخلفيات التي حركته متعددة ومتباينة ـ هو بمثابة محاولة لتجاوز خطيئة ولتقديم اعتذار لابن رشد ولآل ابن رشد، خطيئة نسيان هذا الرجل وعدم الاهتمام به، بل والتنكيل به وبفكره أحيانا بواسطة النسيان وعدم الاهتمام. لقد كان من المفروض أن يقام هذا الاحتفال في إبَّانه، أي في القرن </span><span lang="AR-SA">الثالث عشر</span><span lang="AR-SA">، لكننا لم نفعل ذلك لا في ذلك القرن ولا في القرن </span><span lang="AR-SA">الرابع عشر أوالخامس عشر أوالسادس عشر</span><span lang="AR-SA">، بل تجاهلنا جملة هذا الرجل، وبتجاهله تجاهلنا العِلمَ وتجاهلنا العقلنة، فتجاهلنا وجودَنا، فأصابنا الضعفُ والخذلان التاريخي</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">. </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">إذن فإعادة الاعتبار لهذا الرجل هو حدث جديد على الساحة العربية الإسلامية ويجب أن تعطى له أهميته وقيمته، لأن الجرأة على هذا الرجل والاستئناسَ به وإعادة نشر تراثه علامة على أننا بدأنا فعلاً في القطع مع مرحلة الخمول والتخاذل والتراجع والبؤس العقلي والفكري والعلمي الذي كانت تعاني منه مجتمعاتنا العربية الإسلامية</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة للغرب، فلا يخفى أن هناك محرِّكات أخرى تدفعه للاهتمام بالرجل، ولكن على الرغم مما يمكن أن يقال في هذا الصدد، فإن الغرب باهتمامه هذا يريد أن يُعرب عن إرادته في إعادة النظر إلى تاريخَه الفكري من ناحيتين على الأقل:</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أولا إعادة الاعتبار لفلسفة القرون الوسطى بعامةٍ، هذه الفلسفة التي طالما تعرضت إلى الإهمال والإنكار. وعودةُ بعض الجهات العلمية والفكرية مؤخراً إلى هذه الفلسفة كان استجابة لروح &#8220;ما بعد الحداثة&#8221; التي تعمل على إعادة الاعتبار لكل ما كان ينتمي إلى منطقة الظل والهامش، وذلك من أجل استثمار بعض كنوزها المنسية. لقد صارت القرون الوسطى مصدرَ إخصاب لخيال وفكر كثير من المفكرين المعاصرين.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">لكن الغرب، بالإضافة إلى كون اهتمامه بابن رشد يندرج أساساً ضمن تصالحه مع تاريخه الفكري الخاص، فإنه يعبِّر أيضاً عن رغبة في التصالح مع تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية والاعتراف لها بحقها في الإسهام في بناء شروط الحداثة الأولى للغرب. فبفضل ابن رشد، وغيره من الفلاسفة العرب المسلمين، استطاع الغرب أن يَعقد اتصاله من جديد باليونان، هذا الاتصال الذي هيأه لتحقيق قفزاته الجبارة إلى الأمام وتأسيس حضارة جديدة. لقد صار الاهتمام بابن رشد وبالفلسفة العربية-الإسلامية في الغرب أمراً جديا، حيث تباشيرُ العودةِ إلى إدراج تدريسِها في المدارس الثانوية الفرنسية مثلاً</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">. </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما الشطر الآخر من سؤالكم والمتعلق بالجديد التي أتت به هذه المؤتمرات والندوات الدولية حول ابن رشد، فإنه من الصعب الإجابة عليه بدقة، لأن كثرة تلك الندوات والأعمال تحول دون الإحاطة بها. نعم، لقد كانت هذه اللقاءات الرشدية مناسَبة لاستعادة جملة من النصوص الرشدية إما عن طريق تحقيقها أو إعادة تحقيقها أو ترجمتها إلى اللغة العربية أو إلى اللغات الحية الأخرى (كترجمة كتاب &#8220;تلخيص السياسة&#8221;، و&#8221;شرح كتاب النفس&#8221;)، كما كانت هذه المؤتمرات والندوات بدون شك فرصة لتناول موضوعات رشدية لم يتم التطرق إليها سابقاً، وللاجتهاد في توظيف مقارَبات جديدة في النظر إلى مسائل سبق التطرقُ إليها فيما مضى. ولكن الأهم من كل ذلك أن يَبقى ابن رشد حيا فينا من أجل أن نحلله ونَدرسه، بل وربما من أجل تجاوزه، لأننا مضطرون، لكي نعود إلى المدينة وإلى العصر الذي نعيش فيه، أن نفكر في المشاكل التي نعانيها اليوم، والتي تختلف جذريا عن المشاكل التي كان يفحصها ابن رشد في القرن </span><span lang="AR-SA">الثاني عشر</span><span lang="AR-SA">. نحن الآن على مشارف القرن </span><span lang="AR-SA">الحادي والعشرين</span><span lang="AR-SA">، ومشاكلنا تقريبا لا علاقة لها بتلك التي كان يفكر فيها ابن رشد. فالعلم قد تطور تطورا خارقا وأجاب عن كثير من الأسئلة التي كانت آنذاك من باب المطلسَمات والمستغلقات. لقد حققت الفلسفة قفزات هائلة، مواكِبة في ذلك تطورَ العلم، وخصوصا التطورَ الذي حصل في العلوم الإنسانية التي اقتَطعت عدة أطراف من أرض الفلسفة لتلحِقها بميدان العلم&#8230; الوضعُ المعرفي والوضعُ الفلسفي، وبالتالي وضع الإنسان، قد تغيَّر، مما يَحملنا على إعادة النظر في ابن رشد من أجل تجاوزه. ولكن لا يمكن لنا أن نتجاوزه دون النظر إليه نظرة علمية فاحصة، ولذلك فإن توافد هذا العدد الكبير من الدارسين والنُّظار من حقول وآفاق مختلفة للبحث في ابن رشد والكتابة فيه سيكون مفيدا للغاية. فهناك من أتى من علوم الخطابة والبلاغة والسيميائيات المعاصرة، وهناك من أتى من مجال السياسة، وهناك من أتى من حقل تاريخ العلوم، وهناك من أتى من ميدان تاريخ الفلسفات الوسطوية (من عربية أو عبرية أو لاتينية)، وهناك من أتى من مجال تاريخ الفلسفتين الحديثة والمعاصرة، وهناك من أتى من مجال تاريخ الفقه والأصول، وهناك من أتى من مجال القانون والمنطق&#8230; إلخ. لكن علينا أن لانخفي وجود كتابات سريعة وانطباعية وسهلة هدفها تلبية طلبات الجمهور الآنية، هذه الكتابة التي أعتقد أن لا مستقبل لها، لأن المستقبل سيطالبنا بالجودة في الدراسة التي تستجيب للمقاييس الدولية والتي تمَكننا من المنافسة العلمية في هذا المجال. </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> </span></span></p>
<p><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">صرحتم في صحيفة &#8220;العلم الثقافي&#8221; (مقالكم:&#8221;أنحاء الوحدة وتجلياتها عند ابن رشد&#8221;،</span><span lang="AR-SA">12/10/1996)</span><span lang="AR-SA">: &#8220;&#8230; لقد كنا فيما مضى ننتصر للنسقية الصارمة للفكر الرشدي القائمة على نوع واحد من الوحدة، لكننا بعد أن تعرفنا عن كثب على حقيقة الوحدة بوصفها حاملة للتعدد والمفارَقة، تبين لنا أن فكر ابن رشد بعيد عن النسق والبنية المغلقة، لأنه قائم على مجموعة من الوحدات المختلفة والمتعارضة التي تنطوي على ثغرات وخروم يَدخل منها الاختلافُ والاستثناء&#8221;.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">          فهل بإمكانكم أن تحدثونا عن هذا التطور الحاصل في رؤيتكم للفلسفة الرشدية؟ وهل هذا الابتعاد عن النسق الفلسفي المغلق ينفرد به ابن رشد وحدَه دون باقي الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن باجة؟ وكيف نفهم هذه المسألة في زمن الأنساق الفلسفية الكبرى؟ </span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> صحيح، إن الذي كان يحركني في وقت مضى هو البحثُ عن العقل في الفلسفة العربية، لأن ما كان يعاب علينا من قِبل الغرب ونحن على أهبة الخروج من عهد الاستعمار هو أن حضاراتنا ليست حضارة عقل، مما كان يعني بالنسبة لنا أننا غيرُ قادرين على رفع التحديات التي يطرحها علينا هذا الزمان؛ ولكن، بعد ذلك، أي بعد معاينة التجربة التاريخية للعالم العربي في عقدي الستينات والسبعينات، وبعد استخلاص العبر من التجربة التاريخية الشاملة للعقل خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، تبين أن استعمال العقل غيرُ كاف، بل قد يكون استعماله مضرّا بالحضارة البشرية. فغطرسة العقل وجبروته وهيمنته خلال القرنين السابقين أدت إلى القضاء على ثقافات وحضارات، وإلى حروب وأهوال ونزعات خطيرة كالنازية والفاشية والصهيونية</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">…</span></span><span lang="AR-SA"> وباسم العقل جرى التنكيلُ بالإنسان، بقيَمه وأبعاده، وباسمه جرى تدميرُ الطبيعة وتخريب مناعتها وتلويث محيطها؛ وباسم العقل، أقصد العقل الأنواري المتغطرس، جرت التضحية بالجسم والعواطف والبعد الروحي في الإنسان&#8230; </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إذن، إذا كنا نقول في الماضي بأن مَن لا عقلَ له فليس على شيء، فإننا اليوم نقول: من لا وحدةَ له، من لا يستطيع العدّ والإحصاء، أي من لا يملك العلوم التي تَقوم على الواحد، لا يمكن أن يبقى موجودا وجودا حقا، أي وجودا فاعلا في هذا الزمان. هذا هو الذي دفعني إلى أن أنظر في مسألة الوحدة عند ابن رشد، لأنها أصبحت هي المحرك لفكر وحضارة اليوم. وأنتم تعلمون أن الوحدة تنتمي إلى مقولة الكم لا إلى مقولة الجوهر، مما يجعل حضارة اليوم أبعد ما تكون عن الاعتقاد في الماهيات والحقائق الثابتة، وأقرب ما تكون إلى حضارة الكم والمقدار، حضارة النسبة والعَرَض. وبهذه الجهة صار الإنسان شيئا فشيئا مقياسَ كل شئ، وصرنا نبتعد شيئا فشيئا عن الرؤية الرشدية.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما فيما يتعلق بمسألة النسقية ووجود عدة أشكال من الوحدة، فأولاً عليّ أن أوضح أن زماننا هذا ليس زمنَ الأنساق الفلسفية الكبرى، بل بالعكس هو زمن تشظي الأنساق وانفجار المذاهب وتجاوز الفلسفة إلى ما بعدها. أما عن القولة التي تفضلتم بذكرها، فالذي قصدته منها هو أنه بَعْدَ أن عايَنّا أدوات الوحدة التي كان يستعملها ابن رشد، وهي أدوات تقبل الاحتمال والنسبة والإضافة والحركة والتجاوز، أمكننا أن نقول إن فلسفته ليست برهانية كما كان هو يَدَّعِي، بل إنها فلسفة قلقة مضطربة متطورة. حقا إن ابن رشد كان دائم التنويه بالبرهان، ولكن، في الواقع وفي الحقيقة، كانت نصوصُه ملأى بالجدل، ومما يزكي هذا أنه لم يشأ أن يُنشئ لنفسه مذهبا، وإنما فضَّل أن يَبقى قريبا من التأويل ومن الشرح.</span></p>
<p>ملحوظة: لمتابعة قراءة الجزء الثاني من هذا الحوار، انقر على الرابط أسفله:</p>
<h2 style="text-align: center;"><a href="http://www.aziz-boussetta.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84-2/"><span style="color: #ff0000;">رابط الجزء الثاني من الحوار</span></a></h2>
<p><img id="assoura2photo" title="" src="/files/403699/assoura2photo.jpg" alt="" /></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84-3/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>1</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الثاني</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84-2/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84-2/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 10 Jul 2007 21:26:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة الصورة]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>
		<category><![CDATA[ندوات وملتقيات]]></category>
		<category><![CDATA[محمد المصباحي]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/403696/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84/</guid>
		<description><![CDATA[  حوار مع الدكتور محمد المصباحي حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثاني نُشر بمجلة(( &#8220;الصورة&#8221; مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))  السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء &#38;الصورة: في الصفحة34 من كتابكم &#8220;تحولات في تاريخ الوجود والعقل&#8221;، تصرحون بأن &#8220;كل الاتجاهات في تاريخنا الفكري كانت صريحة في ربط [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times">  </span></span><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;font-size: x-large">حوار مع الدكتور محمد المصباحي</span></span></span></p>
<p dir="rtl" align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large">حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثاني</span></span></p>
<h4 style="text-align: left"><span style="color: #000000"><strong>نُشر بمجلة(( &#8220;الصورة&#8221; مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))</strong></span></h4>
<p dir="rtl" style="text-align: left" align="center"><span style="font-size: large"><span lang="AR-SA"> السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء</span></span></p>
<p><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span> <span lang="AR-SA">في الصفحة</span><span lang="AR-SA">34</span><span lang="AR-SA"> من كتابكم &#8220;تحولات في تاريخ الوجود والعقل&#8221;، تصرحون بأن &#8220;كل الاتجاهات في تاريخنا الفكري كانت صريحة في ربط مصير العقل بالبرهان والفلسفة&#8230; مما أدى إلى انتشار نزعة صَوْرَنَة المعارف وعدم الاهتمام بالتجربة وبالعلوم التجريبية&#8221;.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">يبدو أن تصريحكم فيه بعض الإجحاف بالنسبة لمنزلة الإسهام العلمي العربي في حقول العلوم التجريبية، كالكيمياء والطب والفلك والتشريح والصيدلة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار المعطيات الآتية</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">:</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">*</span> <span lang="AR-SA">لقد كان الاشتغال بهذه العلوم مقصورا فقط على دائرة الفلاسفة العرب، كما نطالع ذلك في &#8220;عيون الأنباء&#8221; و&#8221;طبقات الحكماء&#8221; و&#8221;طبقات الأمم&#8221; وغيرها من كتب التراجم القديمة</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">.</span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">*</span> <span lang="AR-SA">صحيح أن ابن رشد ،على سبيل المثال، كان قد نَحَى إلى ما يشبه هذا المنحى الذي تشيرون إليه في صَوْرَنَة علم الطب وإن بطريقة معتدلة غير متطرفة حين قال في كتابه &#8220;الكليات في الطب&#8221;: &#8220;&#8230; ولذلك ما نرى أنَّ تعديد هذه الأمراض بحسَب عضو عضو، ووصفَ الأدوية النافعة لها، طريقٌ متمِّم لهذه الطريقة الكلية، وهي الطريقة الكناشية&#8230; وأما مَن يَقتصر على الطريقة الكناشية دون معرفة الطريقة الكلية، فيخطِئُ قطعا، كما يفعله أطباءُ وقتنا&#8221;؛ لكنه بالمقابل كان له موقف صارم ومناهض بصدد النزعة الرياضية المتطرفة لدى بطليموس التي آلت بنظرياته الفلكية إلى عدة مُحالات وشناعات تتناقض وكثير من مقدمات وثوابت العلم الطبيعي الأرسطي، إذ يقول في مقالة اللام من &#8220;تفسير ما بعد الطبيعة&#8221; (ج</span><span lang="AR-SA">3</span><span lang="AR-SA">، ص:</span><span lang="AR-SA"> 1663-1664</span><span lang="AR-SA">):</span> <span lang="AR-SA">&#8220;</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;font-size: x-large">…</span></span><span lang="AR-SA"> فإنه يجب أن يُجعل الفحصُ مِن رأسٍ عن هذه الهيئةِ القديمة [الأرسطية]، فإنها الهيئة الصحيحة التي تَصِحُّ على الأصول الطبيعية&#8230; فإن علم الهيئة في وقتنا هذا ليس شيءٌ منه موجود، وإنما الهيئة الموجودة في وقتنا هذا هي هيئة موافِقة للحُسبان لا للوجود&#8221;.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">* لقد كان للمارسة العلمية التجريبية أحيانا تأثير حاسم على الفلاسفة العرب، حتى وهم بصدد بناء مواقفهم في مواضيع فلسفية دقيقة كما هو الحال مثلا بالنسبة للتحليل الرشدي لجوانب معيَّنة من إشكالية العقل (انظر على سبيل المثال: د. محمد المصباحي: إشكالية العقل عند ابن رشد، ص:</span><span lang="AR-SA"> 197</span><span lang="AR-SA">).</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ كيف تبررون هذه المفارَقة؟ ثم ألا تلتقي هذه الدعوى مع بعض الأطروحات الاستشراقية الكلاسيكية؟ ومن جهة أخرى، كيف تنظرون إلى إمكانية إدماج تاريخ العلم العربي ضمن إشكاليات تاريخ الفلسفة الإسلامية؟</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;font-size: x-large">  </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span><span lang="AR-SA"> هذا السؤال، شأنُه شأن السؤالين السالفين، ينطوي على عدة أسئلة، ولكنه ينطلق من معاينة نوع من الإجحاف بصدد الحكم على تاريخ العلم أو الفلسفة العربية الإسلامية، هذا الإجحاف الذي عبَّرتم عنه بالقول بأنني أشرتُ إلى أن معظم الاتجاهات كانت تَسير في اتجاه صَوْرَنة المعارف والعلوم</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">. </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">عندما يُصدر الإنسان حكما عاما على تاريخ بأكمله، فإنه لا يعني أن هذا الحكم العام يخص جميع مظاهره، أو أنه تمتنع معه وجودُ جيوب من الاستثناءات الكثيرة التي قد تصبح هي القاعدة. فهذا الحكم الذي أصدرتُه هو من هذا القبيل، أي أن الفلسفة العربية الإسلامية تندرج في إطار الاتجاه العام الذي ساد منذ أفلاطون وهو هيمنة العقل على الوجود، هذه الهيمنة التي تؤدي إلى إخضاع الوجود لمقولاتِ وأساليب العقل. أكثرُ من ذلك، عندما واجهتِ الحضارة العربية الإسلامية علومَ الأوائل، واجَهَتْها في الغالب بعقل شارح يريد أن يَفهم ما جرى وما تم إنتاجُه في الحضارات اليونانية والإيرانية والهندية. إذن فالرغبة في جر الوجود إلى ناحية العقل قد تؤدي إلى هذه الصَّوْرَنَة وإلى النظر إلى الوجود نظرة ماهوية قائمة على الحَدِّ والبرهان، لا على التجربة والاختبار. والدليل على ذلك أن جل العلماء الذين أضافوا شيئا إلى تاريخ العلم في الحضارة العربية الإسلامية هم من خارج أرض الفلسفة، لأن الذي يَكون داخل الفلسفة، وبخاصة من داخل التيار المشائي، لايستطيع الانفلات من منطق العقل ومن المبادئ التي كانت تَحكم إلهيات وطبيعيات الفلسفة المشائية. إن الأرسطية لا تسمح بالمغامرة، في حين أننا نجد أن الذين كانوا يَنهلون من نزعات الأفلاطونية المُحْدَثة والتصوف، استطاعوا أن يلتصقوا بالتجربة وأن يخوضوا في مغامرات إبداعية، سواء في الرياضيات أو الكيمياء.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">نعم، إن البرهان نفسَه قد يقود إلى الإبداع والمغامرة، أقصد أنه حتى بالنسبة لابن رشد، حين كان يحاول أن يُخضِع مادة معرفية معيَّنة لنسق برهاني أو لإجراءٍ برهاني، فإنه، أثناء ممارسته المُحَا</span><span lang="AR-SA">يِثَة</span><span lang="AR-SA">، يواجه صعوبات لايستطيع البرهانُ أن يَحلها، مما كان يضطرُّه إلى الخروج إلى فضاءات جديدة وتأسيس آفاق جديدة عن طريق إحداث تغيير في الدلالة. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما عن الأطروحات الإستشراقية، فما وجهُ العيب أن يعتمدَها المرءُ إذا كانت صحيحة؟ أنا لا أظنكم من أعداء أن يَدرس الغيرُ حضارتنا، كما أنه لا مانع عندكم في أن نَدرس حضارتهم وفكرهم. صار البعضُ منا يَتكلم في الفلسفة وتاريخ العلم عن الاستشراق وكأنه في حركة وطنية تحارب الغزاةَ الأجانب. ولكن، أكثرَ من ذلك، معظم المستشرقين كانوا يناصرون النزعة التجريبية في العِلم العربي! </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;font-size: x-large"> </span></span></p>
<p><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span> <span lang="AR-SA">تتميز قراءتكم العميقة لأطروحات فلاسفة الإسلام بالتركيز على التحليل الداخلي لمنطق النص، وبمجهود متفرد في استنطاق مفاهيمه الأساسية وبيان مرجعياته ومقاصده، وذلك عبر توظيف غنيٍّ لجهاتٍ عديدة من الفحص المنطقي والإبستمولوجي والميتافيزيقي&#8230; بحيث تغدو لحظات التحليل والمقارَبة لديكم جزءا لايتجزأ من سياق السيرورة التكوينية للنص الفلسفي المدروس ذاتِه في توتره وقلقه، في مده وجزره، في نجاحاته وإخفاقاته&#8230; والنتيجة أن القارئ يجد نفسَه في نهاية المطاف أمام دلالات متعددة وأحيانا متضاربة لنفس المفهوم وبالنسبة لنفس الفيلسوف، دلالات قد تَرد متفرقة في أجزاء مختلفة من متنه الفلسفي، وقد تتعايش أحيانا في نص واحد بعينه؛ مما يؤدي إلى حالة من الالتباس والحيرة التي مافتئتم تحتفون بها منهجيا باعتبارها حالة صحية أو العنصر الإيجابي بامتياز في فعل التفلسف. والحال أن الفيلسوف بهذا يَفقد هويتَه المتميِّزة باعتباره صاحبَ أطروحة تمثل إضافته الشخصية في تاريخ الفلسفة</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">. </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ ألا ترون أن وحدة الفيلسوف تصبح مهدَّدة وعُرضة للضياع على حساب رؤية ذرِّيةٍ تعمل على تفتيت نسقيةِ شبكةِ المفاهيم، إلى درجة يصبح معها الفيلسوف متذبذبَ المواقف وموزَّع الانتماءات ذات اليمين وذات اليسار؟</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">  </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ كيف يمكن أن ينقلب النص الفلسفي حجة ضد صاحبه، والحال أن ابن رشد على سبيل المثال حينما كان يحاور أو يَنتقد الفارابي أو الغزالي أو ابن سينا، فإنما كان ينطلق أساسا من كونهم أصحابَ مقال معلوم تنتظمُه مفاهيم ومصطلحات ذاتُ دلالات معلومة، تؤمُّ مقصدا معلوما لامجال فيه للالتباس؛ بل إنه طالما عاب عليهم الذهولَ عن عناصر التشكيكِ الثاويةِ وراء عبارة أرسطو، والوقوفَ عند معنى بعينِه دون سواه؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span><span lang="AR-SA"> يبدو لي أنكم غيورون على هوية الفيلسوف ووحدتِه وحقه في أن يُعرض كاملا منسجما، وفي أن يكون لمقالته مضمون واحد لا مجال فيه للاختلاف. لقد كان هذا بالفعل هو غرضُ مناهج البحث النسقية التي كانت تريد أن تعطي صورة مطمَئنَّة قوية عن الفيلسوف، صورة هي أقرب ما تكون إلى الموضوع الجامد الميت الذي تَعمل على تشريحه تشريحا باردا. ولكن مَطالب الفكر الفلسفي والرؤية المنهجية اليومَ تَفرض علينا زاوية نظر أخرى، زاوية تجعلنا نَنظرُ إليه نظرة حية باعتباره كائنا يتغير في آرائه من كِتاب إلى آخر ومن فقرة إلى أخرى</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;font-size: x-large">…</span></span><span lang="AR-SA"> نَنظرُ إليه باعتباره، كما قلتُ، ممتلئا بالنتوءات والخرومات التي تَسمح لنا أن نَدخل إلى النص وإلى فضاء الكاتب وأن نُنشِئ من خلاله قولا جديدا. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أنا لا يضيرني أبدا أن نغادر منطقة الحقيقة المطمئنَّة بالنسبة للفيلسوف المدروس، وأن ننشئ على تخوم نصه مجالا نعطي فيه الحقَّ لأنفسنا لكي نتكلم وندليَ برأينا ونجعل من أنفسنا شاهدا جديدا على دلالاته. إننا اليومَ مطالبون أكثرَ من أي وقت مضى بأن لانتعامل مع فلاسفتنا ومع ونصوصنا تعاملا مقدَّسا يَحْرمُنا من تجاوز النص ومن لفت النظر إلى عثراته وتناقضاته وتراجعاته، بل على العكس من ذلك، يتعيّن علينا أن نَنظر إلى النص باعتباره قابلا لكل التأويلات ولكل أشكال الأخذ والرد، وأن نعتبرَه مناسبة للدارس لكي يقول كلمتَه فيه.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أنا لا أتردد إذن في جعل النص ـ كما قلتُ ـ شهادةً ضد صاحبه لأن الشخص أحيانا يَنطق بشيء ويخفي أشياء أخرى، أو يعلن شيئا ويمارس أشياء أخرى، لأن منطق الكتابة قد يَنِدُّ عن إرادة الكاتب</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;font-size: x-large">.</span></span><span lang="AR-SA"> فعندما نصل إلى أن نكتشف في الكاتب مكامن التردد والقلق، نكون قد نجحنا في وضع اليد على حقيقته الإنسانية. فليس هناك فيلسوف حقٌّ يَنِدُّ عن الالتباس، وإلا تحوَّل إلى ناظم لأقوال بيداغوجية تَقصِدُ التعليمَ والتلقين لا البحثَ القلِق عن السؤال، عن الطرق الجديدة للقول والفعل. لقد مضى ذلك الوقت الذي كنّا نَعتبر فيه أن للفيلسوف الواحد غاية واحدة ومقصداً واحداً، وذلك أن الثورات التي حصلت في المناهج وفي العلوم الإنسانية بَيَّنت لنا كيف أن الإنسان له غايات متعددة بحسب المواقف والعناصر التي عليه أن يتخذ موقفاً منها، بل إن هذه المناهج والعلوم أظهرت بأن الفاعل قد يَكون غيرَ واع حتى بالهدف الذي هو ذاهب نحوَه. لو كان هناك فيلسوفٌ عُرف بصرامته في الاستدلال ووحدته في الغاية فهو أرسطو، ومع ذلك، فقد صار اليومَ قِطعاً متشظية! لقد مضى زمن البنية والنسق والهوية والذاتية، وحل محله زمنُ الحدث و الاستثناء والاختلاف والتناقض. طبعاً ليس معنى هذا أن هذه النظرة هي النظرة النهائية، فالتاريخ ما زال يتحرك!  </span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span> <span lang="AR-SA">يذهب د.غانم هَنَّا في مقالته &#8220;وحدة العقل بين ابن رشد والرشدية اللاتينية&#8221; (مجلة عالم الفكر، المجلد</span><span lang="AR-SA">27</span><span lang="AR-SA">، عدد</span><span lang="AR-SA">4</span><span lang="AR-SA">، </span><span lang="AR-SA">1999</span><span lang="AR-SA">) إلى التشكيك في صحة تبني ابن رشد لأطروحة وحدة العقل، معتبرا الأمرَ مجردَ نتيجة لعملية انتحال تعرضت لها أحدُ المكونات الأساسية في متن السيكولوجيا الرشدية، وهو نص &#8220;الشرح الكبير لكتاب النفس&#8221; الذي ما يزال مفقودا في أصله العربي ولم يصلنا منه كما هو معروف سوى ترجمته اللاتينية التي أنجزها ميخائيل سكوتوس في عشرينات القرن </span><span lang="AR-SA">الثالث عشر</span><span lang="AR-SA"> الميلادي. وفي غياب النسخة العربية الأصلية للكتاب المذكور، يذهب هذا الباحث ـ كما ذهب قبله جورج زيناتي في كتابه &#8220;ابن رشد والفكر اللاتيني&#8221;، ص: </span><span lang="AR-SA">16 </span><span lang="AR-SA">ـ إلى القول بأن ما بأيدينا اليومَ في النسخة اللاتينية &#8220;لم يكن في أصله العربي كتابَ ابن رشد فقط، بل كان تجميعا ضَمَّ آراءَ كثير ممن أدلوا بدلوهم في موضوع العقل والمعرفة، دون أن يُفْصَل في نسبة هذه الآراء إلى أصحابها&#8221; (ص:</span><span lang="AR-SA"> 115</span><span lang="AR-SA">)؛ أي أن الأمر يتعلق بـ&#8221;إضافاتٍ وُجدت في النص العربي أو حَملها الناسخون على الترجمة اللاتينية&#8221; (ص:</span><span lang="AR-SA"> 112</span><span lang="AR-SA">)، خصوصا وأن &#8220;حفيد ابن رشد كان قد نَقل عن والده آراء ضمَّنَها في رسالة حول اتصال العقل. فلربما ضُم هذا النص إلى ما كتبه الوالد في الترجمة اللاتينية دون أن يفرَّق بين الأب والإبن، أو أن النزعة الصوفية التي ازدهرت في تلك الفترة قد سَهَّلت ضم هذه النصوص&#8221; (ص:</span><span lang="AR-SA"> 108</span><span lang="AR-SA">).</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;font-size: x-large">          </span></span><span lang="AR-SA">وبناء على ذلك، ينتهي هذا الباحث إلى أن أطروحة وحدة العقل دخيلة أو منحولة على ابن رشد، حيث يَعتبر أن لامكانَ لها في نصوصه الأصلية التي وصلتنا مثل &#8220;الشرح الأوسط لكتاب النفس&#8221; (مخطوط باريس عبري)، وكذا &#8220;جوامع كتاب النفس&#8221; (نشرة الأهواني)، ثم &#8220;تفسير مابعد الطبيعة&#8221;، الذي نعرف أن ابن رشد كان قد ألفه بعد فراغه من تأليف &#8220;الشرح الأكبر لكتاب النفس&#8221;.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">نود أن نَعرف رأيكم في هذه الدعوى، خصوصا وأنكم كنتم في طليعة الرشديين العرب المعاصرين الذين نَبَّهوا إلى &#8220;أن أطروحة وحدة العقل الهيولاني هي محور الفلسفة الرشدية، وبؤرة اختمار المشاكل التي أثارتها فلسفته. وقد كانت استجابة لضرورات نسقه العام وحلا بديلا للإشكالات التي خلفتها نظريات العقل السابقة عليه&#8221; (د. محمد المصباحي: إشكالية العقل عند ابن رشد، ص:</span><span lang="AR-SA"> 77</span><span lang="AR-SA">)؛ وخصوصا كذلك وأنكم لم تعتمدوا فقط في إثبات هذه الأطروحة على &#8220;الشرح الأكبر لكتاب النفس&#8221; فقط، وإنما على مختلف أجزاء المتن الفلسفي الرشدي، ولو أنكم عولتم في المقام الأول على الكتاب المذكور (ن. م، ص:</span><span lang="AR-SA"> 10</span><span lang="AR-SA">).</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span><span lang="AR-SA"> هذا السؤال فيه كثير من الإثارة والمشاغَبة، وهي أمور مطلوبة بل وواجبة في الفلسفة وفي تاريخها. نعم، إن مَن يَنظر في كتابي &#8220;إشكالية العقل عند ابن رشد&#8221; نظرة فاحصة سيجد اعترافا بأن العرض النسقي لنظرية وحدة العقل الهيولاني عند ابن رشد غيرُ موجود. ولذلك كان بنائي أو برهاني عليها بطريقة غير مباشرة أحيانا، لأن النصوص المباشرة التي تصرح بهذه الأطروحة قليلة. ومع ذلك لا يمكن أن ننكر وجود هذه الأطروحة لديه. ذلك أننا نجد في متونه المتعددة عدة حجج بَسَطتُها في الكتاب المذكور. أما دعوى &#8220;الانتحال&#8221; أو &#8220;التلفيق&#8221; فلا أعتقد أنها صحيحة لأن من يَعرف أسلوبَ ابن رشد وطريقة كتابته، ودقائقَ نظريته في النفس والعقل، وردودَه المتعددة على الاسكندر والفارابي وابن سينا وابن باجة وثامسطيوس&#8230; يدرك أن <strong>شرح كتاب النفس</strong> المترجَم إلى اللاتينية هو كتابُه هو لا لغيره، بل وهو كتاب منسجم يتماشى مع طريقته المعهودة في شروحه الكبرى. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">هذا عن نص &#8220;شرح كتاب النفس&#8221;، أما عن غياب نظرية &#8220;وحدة العقل&#8221; في جوامع وتلخيص كتاب النفس، فهو كذلك تهمة غير صحيحة. ذلك أن موضوع شرح الفصلين الرابع والخامس من المقالة الثالثة من كتاب النفس في الجوامع والتلخيص هو البرهنة على مفارَقة العقلين الهيولاني والفعال للمادة وللواحق المادة، وهذا معناه في اللغة المشائية عدمُ تَعَدُّدِه، طالما أن المادة هي علة التعدد، وهي لاتَدخل في ماهية أيٍّ مِن العقلين.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">نعود إلى نظرية وحدة العقل الهيولاني لنقول إن ابن رشد لم يصل إلى هذه النظرية بسهولة، أي أنه لم يكتشفها للوهلة الأولى في مستهل حياته الفكرية والعلمية، بل إنها كانت نتيجة معاناة طويلة ومواجهة مريرة لمجموعة من النزعات، كنزعة الاسكندر الأفروديسي الذي تَصوَّر العقل الهيولاني عبارة عن قوة مطلقة لا قوام لها، ونزعة ابن باجة الذي اعتبَر الخيالَ موضوعا لهذا العقل، ونزعة ثامسطيوس الذي اعتبَر العقل الهيولاني خالداً وفي نفس الوقت موجوداً داخل الإنسان بمعية العقل الفعال&#8230; هذا الصراع متعددُ الجبهات استمر مع ابن رشد  طوال حياته الفكرية، وهو ما يفسر عودتَه المتكررة لشرح كتاب النفس أو لمعالجة مسألة العقل. لذلك علينا أن لاننتظر منه أن يفصح لنا منذ كتاباته الأولى، أي منذ &#8220;جوامع كتاب النفس&#8221;، عن نظريةٍ نسقية جاهزة في وحدة العقل بشكل صريح، بل ينبغي أن ننتظر &#8220;الشرحَ الكبير&#8221;، أي أكثر من ثلاثين سنة بعد أولى كتاباته في النفس والعقل. وقد مر موقفُه في هذا الصدد من الوضوح فالتذبذب فالوضوح؛ ذلك أننا إن كنا نجد في &#8220;جوامع النفس&#8221; نظرة شبه واضحة للعقل، لأنها كانت عبارة عن استخلاص لجوهر الفكر الأرسطي المتأثر خاصة بالفارابي وابن سينا، فإننا سنجده في نص &#8220;تلخيص كتاب النفس&#8221; غارقا في تناقضات وإشكالات نظرية العقل، بحيث لايستطيع الدارس أن يستخلص من هذا الكتاب نظرة واحدة واضحة لابن رشد بالنسبة للمسائل التي طرحها. وهذا ما يجعل &#8220;تلخيص كتاب النفس&#8221; وكأنه مختبر لتأزيم مشاكل نظرية العقل، بفتحه لأوراش متعددة تبشر بوجود اتجاهات ستتبلور بشكل أوضح فيما بعد. إن مطلب حل الصعوبات التي أثارها خاصة في &#8220;تلخيص النفس&#8221; هو السبب في مراجعة ابن رشد لكثير من آرائه في شروحه المختلفة لكتاب النفس. فـ&#8221;الشرح الكبير&#8221; إذن كان عبارة عن تتويج لمسيرة طويلة ومعقدة نحو حل صعوبات نظرية العقل. ومن مظاهر هذا التتويج التضحية بجملة من المقدمات والنظريات التي سبق أن قال بها فيما مضى والقيامُ بنقد ذاتي بشأنها، وذلك من أجل أن يتقدم إلى الأمام بالقول بنظرية وحدة العقل الهيولاني. إنه تطور طبيعي ومنسجم أفضى إلى نظرية وحدة العقل الهيولاني. وإذا كان لنا أن نشك في صحة نِسبة كتابٍ لابن رشد، &#8220;فتلخيص كتاب النفس&#8221; يبدو الأولى بهذا الشك، لأنه يتضمن نظريات متناقضة قد توهِم بأن كاتبَها ليس واحداً، وهذا بالضبط ما فعله الباحث الأمريكي المعروف دافيدسون وبأدلة فيلولوجية قوية ليست كالتي أشرتم إليها في سؤالكم. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">من جهة أخرى، من حق الباحث أن يَفترض عدمَ وجود نظرية &#8220;وحدة العقل&#8221; لو لم تكن لها سوابق في الفكر الإسلامي، والحال أن تلك النظرية ليست بالغريبة على الفكر الفلسفي العربي الإسلامي؛ فمنذ الكندي والفارابي وابن سينا لاحت هذه النظرية بلواحقها البرهانية في كتاباتهم النفسية والعقلية، لكن هذه الوحدة كانت متجهة نحو العقلَ الفعال. أما الجديد بالنسبة لابن رشد فهو أنه حوَّل اتجاه هذه الوحدة لصالح العقل الهيولاني، بحيث صار هذا الأخير هو الذي يشكل المكانَ المشترَك الواحد الذي تلتقي فيه كل العقول البشرية بدل العقل الفعال. والمتتبع لنصوص ابن رشد النفسية يتعرف بسهولة على بذور نظرية &#8220;وحدة العقل الهيولاني&#8221; في &#8220;جوامع كتاب النفس&#8221; و&#8221;تلخيص كتاب النفس&#8221;، وغيرهما من رسائله وكتبه الإلهية، لاسيما وأن من طبيعة العقل عدمُ الالتباس بالمادة التي هي علة التعدد والاختلاف. أضف إلى ذلك أن جو الوحدة كان طاغيا على الفكر الرشدي: فهناك وحدة المادة الأولى، ووحدة الصورة الأولى، ووحدة الفاعل الأول، ووحدة العا</span><span lang="AR-SA">لَم</span><span lang="AR-SA">، ووحدة المعرفة العقلية، ووحدة الاتصال المعرفي بين الناس&#8230; أقول إن هذا الجو الوحدوي كان لابد أن ينتهي به إلى إثبات وحدة أخرى على صعيدي العقل والإنسان، وهي &#8220;وحدة </span><span dir="ltr" lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;font-size: x-large"> </span></span><span lang="AR-SA">العقل الهيولاني&#8221;. لكن هذا الإثبات لم يكن كما قلتُ بالأمر الهيّن الذي يُقرأ على السطح في نصوص أبي الوليد، بل يجب استخلاصُه من خلال دروب استدلالية ومنعرجات خطابية وعرة، وعبر مناقشات عميقة مع الإسكندر الأفروديسي وابن باجة وابن سينا وأرسطو نفسِه. تلك المناقشات المضنية هي التي آلت به إلى أن يطوِّر مفهوم &#8220;المادة العقلية&#8221; ويُلصقها بالعقل الهيولاني من أجل إقامة توازن بين مملكة الطبيعة ومملكة العقل. فكما أن مملكة الطبيعة قائمة على مادة أولى وعلى صورة أولى، فكذلك مملكة العقل والمعرفة يجب هي الأخرى أن تَنهض على مادة عقلية أولى واحدة تتجلى في العقل الهيولاني، وصورةٍ أولى هي العقل الفعال. ووجوبُ العقل الهيولاني يأتي، كما أشرنا، من الحاجة إلى المعرفة وإلى التواصل المعرفي بين الناس، بل ومن الحاجة إلى وجود الإنسان بما هو إنسان. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إذن فحتى في نص &#8220;شرح كتاب النفس&#8221;، نجد نظرية وحدة العقل عبر مفازاتٍ ونقاشات، إلا أننا نجدُها شبهَ كاملة، أما مهمة إخراجها في كمالها الأخير فسيتكفل بها الرشديون اللاتين فيما بعد. وهذه المهمة التي سيقوم بها هؤلاء الرشديون ـ مهمة شرح واستثمار نظرية ابن رشد في وحدة العقل ـ دليلٌ آخر على صحة نسبةِ هذه النظرية لابن رشد، وإلا فما معناها وما معنى الموجات المضادة الكبيرة من النقد الذي وجَّهه أعداءُ الرشدية إليه وللتابعين له بصدد هذه النظرية بالذات. فـ</span><span lang="AR-SA">&#8220;الرشديون&#8221; هم أولئك الذين اتخَذوا من القراءة الرشدية للمتن الأرسطي منهجا وعقيدة لهم، فبَسَطوا فيها القولَ وأخرجوه إخراجا جديدا لكنه غيرُ مغاير في الكُنه للتعاليم والمبادئ والدعاوى الرشدية. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة لنظرية الاتصال، والتي تم وصفُها بأنها ليست نظرية فلسفية، وإنما هي دخيلة عليها من مجال التصوف، فهذه دعوى ركيكة للغاية، دعوى مَن لم يتمرس بالنصوص الفلسفية. ذلك أن من يتقول بهذا الكلام يبدو أنه لم يقرأ الفصل الخامس من المقالة الثالثة من كتاب النفس لأرسطو، الذي أثار فيه الإشكال الشهير المتعلق بإمكانية اتصال الإنسان بالعقل الفعال، والذي تركه معلقا، إلى أن جاء ابن رشد الذي صَحِبَه أكثرَ من ثلاثين عاما، والذي لم يستطع أن يجيب عنه إلا في أواخر حياته في &#8220;رسالة حول اتصال الإنسان بالعقل&#8221;. كما أن الذي طرح تلك الفرضية لا يَعلم فيما يبدو بوجود &#8220;كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس&#8221; الذي يتناول أرسطو فيه نفسَ المسألة تقريبا في المقالة العاشرة، وإن بصيغة أخرى. فمشكلة &#8220;الاتصال&#8221; هي من صميم نظرية العقل والفعل معا، ومن صميم الفلسفة الإسلامية، فهي موجودة عند جميع الفلاسفة المسلمين، وقد ألفوا فيها رسائل كثيرة من أشهرها رسالة لابن باجة تحمل نفس الاسم (التي لخصها ابن رشد)، والرسالة التي أملاها ابن رشد على أحد أبناءه وهو عبد الله بن محمد بن رشد. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ومن ناحية أخرى، كلُّ مَن على دُربة بصناعة الفلسفة، يَعرف الفرقَ بين نظرية الاتحاد أو الاتصال الصوفية، ونظرية الاتصال الفلسفية: فالاتحاد عند الصوفية بتجلياته المختلفة (عند البسطامي والحلاج وابن عربي وابن عجيبة)، هو تجربة روحية وجدانية قائمة على الرؤيا وخرق العادة والانتماء إلى طريقة أو شيخ يُؤخَذ منه العرفانُ أخذاً، إنها تجربة تطرح على مستوى القلب لا على مستوى العقل، على مستوى الذوق لا على مستوى النظر العلمي، على مستوى العرفان لا على مستوى المعرفة، على مستوى التجربة والحدس لا على مستوى البرهان والدليل. أما تجربة الاتصال الفلسفية فتَشترط الامتلاءَ المعرفي عن طريق ممارسةٍ علميةٍ في مختلف أجناس العِلم، أي تَشترط تحقيقَ العقل النظري تحقيقا كاملا وتعبئة الذات بمعرفة الطبيعة معرفة علمية إلى الحد الذي تصل فيه هذه المعرفة إلى لحظة تنقلب فيه انقلابا نوعيا لتَتَحَوَّلَ إلى تجربة ميتافيزيقية لاتَقصِدُ معرفة عوارض الطبيعة وقوانينِها وأسبابها، بل تَقصد الاتصالَ بمبدأ الوجود نفسِه بإلقاء نظرة ميتافيزيقية عامة على الوجود، لا نظرة قِطاعية إلى هذا العِلم أو ذاك. فالاتصال الفلسفي إذن لايتحقق إلا بالعلم، وليس بالرياضة أو الوَجد أو بالرؤيا والإلهام. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">وأخيراً، فإن هذه المناسبة الدولية لإحياء ذكرى وفاة ابن رشد كان يجب بالأحرى أن تكون مناسبة وجودية وجدِّية، مناسبة وقار تستدعي شيئا من المسؤولية وشيئا من المواجهة العميقة للذات بمعناها الأونطولوجي لا بهذه الخفة في الأحكام والسرعة في التعامل مع رموزنا الفكرية بهذه الكيفية.</span></p>
<p><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span> <span lang="AR-SA">ما رأيكم في قول زميلكم الأستاذ المرحوم جمال الدين العلوي في بحثه &#8220;تطور إشكالية العقل عند ابن رشد، من الفحص الفيلولوجي إلى النظر الفلسفي&#8221; المنشور بهذا العدد من مجلتنا: &#8220;لقد كانت إشكالية العقل محورَ الرشدية اللاتينية، أو أهمَّ مَحاورها على الأقل، ولكنها لم تكن محورَ العمل الرشدي في لغته الأصلية وبيئته الأولى&#8221;، وتمييزه بين مرحلتين مختلفتين في تطور إشكالية العقل عند ابن رشد: المرحلة الأولى &#8220;الباجية الإسكندرية&#8221;، ثم المرحلة الثانية &#8220;الرشدية&#8221;؟</span></p>
<p><span dir="ltr"><span style="font-family: Times"> </span></span></p>
<p><span style="font-family: Times"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">:</span></span> <span lang="AR-SA">تطلبون منّي رأيي في قول المرحوم جمال الدين العلوي بوجود مرحلتين في تطور إشكالية العقل، والحالُ أنني الذي قلتُ بهذا التطور بناءاً على تصريح ابن رشد نفسِه في مراجعته &#8220;لجوامع كتاب النفس &#8220;، وبناءا على تعقبي الطويل لهذه المسألة في مختلف أعماله التي كتبها في فترات متعاقبة يعرفها الجميع. فمن اطلع على كتابي &#8220;إشكالية العقل عند ابن رشد&#8221;، سيجد أنني تكلمت عن ثلاث مراحل: أولاها المرحلة التي سميتها &#8220;بالمرحلة الإسكندرية&#8221; والتي كان يقول فيها بالطبيعة العدمية للعقل المادي؛ لكنه في مرحلة لاحقة من أجل أن ينفلت من مُحالات الجوهر العدمي للعقل، أي من أجل أن يَحُلَّ مشكلَ القوام الأونطولوجي للعقل، التجأ إلى الأطروحة الباجوية القائمةِ على اعتبار الخيال هو المادة أو الموضوع الذي يَحُلُّ فيه العقلُ الهيولاني؛ ولكنه لمّا شعر بالتناقض بين طبيعة العقل اللامادية وطبيعة الخيال المادية، اضطر إلى القول بفكرة &#8220;المادة العاقلة&#8221; باعتبارها الموضوعَ الذي يَحُلُّ فيه العقلُ الهيولاني. إذن كانت هناك مرحلة شبه إسكندرية، ومرحلة شبه باجية، ومرحلة رشدية؛ بل إننا إذا اعتبرنا كلَّ ما جاء في &#8220;تلخيص كتاب النفس&#8221; هو لابن رشد حقا، فيمْكن الكلامُ حتى عن مرحلةٍ ثاميسطية (نسبة إلى ثامسطيوس الأفلاطوني المُحْدَث)، لأننا نجده في هذا الكتاب يشير إلى وجود العقلين المادي والفعال داخل النفس العاقلة البشرية. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">وظاهرة التحول متواترة عند أبي الوليد وفي مجالات متعددة كالمنطق والطبيعة وما بعد الطبيعة والطب والفلك، حيث نراه يَكون تارة متأثراً بالفارابي أو ابن سينا أو الغزالي أو بطليموس أوجالينوس، وتارة أخرى يتحول نحو هذا الاتجاه أو ذاك وبخاصة نحو أرسطو. غير  أن تحولات ابن رشد لم تتجه في الظاهر نحو إبداع تأويل جديد، وإنما كانت ذات وجهة تراجعية، أي أنها تتراجع عن المكتسبات التأويلية التي حققها تاريخ الفكر اليوناني والإسلامي، للعودة بالمفاهيم والدلالات والتحليلات والمناهج إلى أصولها الأرسطية. لكن هذه الحركية تدل من ناحية أخرى على أنه لم يكن واقفا مطمئناً إلى ما يقوله، بل كانت المسألة تبقى حية في ذهنه باستمرار، بحيث كان يؤلف في المسألة الواحدة رسالة أو جامعا أو تلخيصاً ثم يعود إليها مرارا وتكرارا. فالتطور إذن حاصل في نظرية العقل الرشدية وسبق لي أن بيَّنته بنوع من التفصيل في عدة مواضع من كتابي &#8220;إشكالية العقل عند ابن رشد&#8221;، لكنه يبقى مع ذلك ـ كما قلتُ ـ تطورٌ شارح لا تطورٌ مبدع للنص وما يَلحقه من رؤى ومفاهيم.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة للشق الأول من السؤال والمتعلق بنفي المركزية عن إشكالية أو نظرية العقل في فكر ابن رشد، فمن الواضح أنه كلام موجَّه إلي، لأنني نوهتُ بهذه المسألة في كتابي المذكور. وهنا لا بد أن أشير أنه من المعروف أن الباحث عندما ينخرط كلية في تعقب المسألة الواحدة أو المفهوم الواحد في متن معيَّن، فإنه قد يجد أن تلك المسألة حاضرة في كل أجزائه. وعندما يسجِّل هذا الباحث أن حضور هذا المفهوم في الأعمال المختلفة للفيلسوف المدروس ليس حضوراً عرَضيا بل حضورا جوهريا، فإنه لا يملك إلا أن يَحكم بجوهريةِ المفهوم في فكر الرجل. وهذا ما جرى بالنسبة لي؛ فقد وجدتُ مسألة العقل حاضرة في كتب ابن رشد النفسية والطبيعية (بما فيها علم الفلك) والطبية والإلهية وكتبه الأصيلة (الفصل والمناهج والتهافت). وهذا الحضور كان بجهات مختلفة، ولكنه كان حضوراً مركزيا. فالعقل عند ابن رشد له علاقة بالوجود، وعلاقة بالأفلاك، وعلاقة بالطبيعة، وعلاقة بالإنسان بما هو إنسان، وعلاقة بالإنسان بما هو جسم</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times">…</span></span><span lang="AR-SA"> نعم، توجد هناك مراكز اهتمام أخرى، غير أنها متعلقة بالعقل في نهاية الأمر. فمن الممكن أن نتكلم عن الحركة والصورة والفاعل والمحرك الأول باعتبارها مفاهيم مركزية، كما يمكن أن نتكلم عن الوجود والواحد باعتبارهما مبدأين مركزيين في فلسفته، ولكن بما أنني كنت منخرطا من رأسي إلى أخمص قدمي في نظرية العقل، فقد رأيتُ عن حق بأنها مركز فكر ابن رشد. انظرْ إلى مقاصد أيِّ كتاب من كتب ابن رشد، ستجد أن محرك مقالته في الكتاب مسألة العقل: الفصل، المناهج، تهافت التهافت، تفسير وتلخيص وجوامع ما بعد الطبيعة&#8230; </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إننا نعتقد أن إشكالية العقل ليست محورية فقط بالنسبة لكتاب النفس، بل وكذلك بالنسبة لمعظم كتب ابن رشد؛ ذلك أننا نجد أن اللحظات المشرقة في &#8220;تفسير ما بعد الطبيعة&#8221; وفي &#8220;جوامع ما بعد الطبيعة&#8221; هي تلك اللحظات التي يتكلم فيها عن العقل. أما في الكتب المنطقية التي تنظر في أجناس القول أو أجناس الاستدلال ابتداءاً من القول الشعري فالخطابي فالسفسطائي فالجدلي فالبرهاني، فإنها كلها قائمة في عمقها على نظرية العقل. وعليه، فالعقل موجود في طبيعيات ابن رشد وإلهياته وسيكولوجيته. فالنظام أو السببية، سواء تعلقا بالحركة الطبيعية أو بالحركة الاستدلالية أو النفسية، فإنهما يَقومان على مبدأ العقل، أو قل إنهما تجلٍّ من تجلياته. أما الوجود نفسُه فقائم عند ابن رشد على مبدأ الربط، والربط هو سرُّ العقل، أي أن العقل هو عبارة عن ربط المقدمات بالنتائج، أو ربط الموضوع بالمحمول والنتائج بالمقدمات. إذن، فإذا تصفحنا الفلسفة الرشدية من زاوية العقل، سواء في تجليه الأونطولوجي، أو في تجليه الإجرائي المنطقي الإبستمولوجي، أو في تجليه الميتافيزيقي، فإننا سنجده حاضرا في كل مكان كمفهوم مركزي للفلسفة الرشدية. لقد كان العقل، بتجلياته النفسية والمنطقية والميتافيزيقية، رهانَ كل كتاباته. وكما أسلفتُ القول، فإن مركزية العقل في الرشدية العبرية واللاتينية هي أفضلُ دليل على مركزيته في النص العربي لابن رشد، لأنه لولا الرهانات والمقاصد التي تنطوي عليها نظرية العقل لما لفَتَتِ انتباهَهم. أنا لا أفهم ما معنى وجود هذه الرغبة في الفصل بين ما هو لاتيني أو عبري، أي بين ما هو غربي وبين ما هو عربي، أو بين ما هو إسلامي وما هو مسيحي أو يهودي، هل نأبى وننكر على ابن رشد، وبالتالي على الفكر العربي الإسلامي، قدرتَه على العناية بالعقل وتوليتِه مكان الصدارة من اهتمامه؟ هل معنى هذا أن حضارتنا الإسلامية قاصرة على الاهتمام بهذا الموضوع؟ هل معنى الفصل بين ما هو رشدي عربي وما هو رشدي غربي هو إثباتُ أن لا وجود لمركز في الفلسفة الرشدية، أو أن صاحبها غيرُ قادر على أن يجعل من فكرةٍ ما أو إشكال ما محورَ تأملاتِه التي ترافقه طوال بحثه الفلسفي، أي غيرَ قادر على أن يكون فيلسوفاً؟ أم أن الغاية من وراء هذا الكلام إثباتُ مركزيةٍ أخرى في الإنتاج الرشدي؟ وفي هذه الحالة، فإن الكلام الذي قيل على مركزية العقل سينسحب على المركزيات الأخرى. فبإمكاننا مثلاً أن نعترض وبقوة على جعل نظرية البرهان أو نظرية الحركة أو نظرية الوجود أو الواحد أو نظرية التضاد مراكزَ للفكر الرشدي. خلاصة القول، إن نزعة الفصل والتمييز بين ما هو عربي وما هو غير عربي نزعة مضادة تماما للروح الرشدية نفسها.</span></p>
<p>لمتابعة قراءة الجزء الثالث والأخير أنقر على الرابط أسفله:</p>
<p><a href="http://www.aziz-boussetta.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84/">رابط الجزء الثالث والأخير من الحوار</a></p>
<p><img id="809assoura2photo" title="" src="/files/403696/809assoura2photo.jpg" alt="" /></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الثالث</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84/#comments</comments>
		<pubDate>Tue, 10 Jul 2007 21:20:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>
		<category><![CDATA[ندوات وملتقيات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/403691/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84/</guid>
		<description><![CDATA[  حوار مع الدكتور محمد المصباحي حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثالث نُشر بمجلة(( &#8220;الصورة&#8221; مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))  السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي &#38;الصورة: أصبحتم معروفين داخل الجامعة المغربية وفي أوساط الباحثين العرب في الفلسفة الإسلامية بانتصاركم [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<h3><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;">  </span></span><span style="text-decoration: underline; color: #000000;"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;">حوار مع الدكتور محمد المصباحي</span></span></span></h3>
<h4 dir="rtl" style="text-align: center;" align="center"><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثالث</span></h4>
<h4 style="text-align: left;"><span style="color: #000000;"><strong>نُشر بمجلة(( &#8220;الصورة&#8221; مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))</strong></span></h4>
<h4 dir="rtl" style="text-align: left;" align="center"><span lang="AR-SA" style="color: #000000;"> السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء</span></h4>
<p dir="rtl"><span style="color: #000000;"><strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium;">أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي</span></span></strong></span></p>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">أصبحتم معروفين داخل الجامعة المغربية وفي أوساط الباحثين العرب في الفلسفة الإسلامية بانتصاركم لمنهج فريد قوامُه إعادة النظر في مسألة تأريخ الفلسفة. ذلك أن القصد الأول عندكم من تاريخ الفلسفة &#8220;هو النصُّ لا سياقه، بل المهم في هذا القصد الأول هو النصُّ ذاته لا معناه بالنسبة لعصره أو حتى بالنسبة إلينا. ومن ثم فإن النظر إلى النص من حيث هو نص يَرومُ الوقوفَ على فعاليته الحية لإنتاج الشكوك وتنويع الدلالات وتفريعها وبناء الاستراتيجيات القولية وتحديثها. ولذلك لن يكون الغرضُ الأساسي من التأريخ الفلسفي هو إضفاءُ هذا اللون أو ذاك على نظريةٍ أو موقف أو إشكالية، بل هو متابعة قدرةِ النص على الدفاع عن نفسه والتعبير عن قضاياه والكشفِ عن تجربة كاتبه المتميزة. أما دلالته على وضع تاريخي أو اجتماعي أو عقائدي معيَّن، فهو أمر يهم علوما إنسانية أخرى أكثرَ مما يهم تأريخ الفلسفة&#8221;. (كتابكم: تحولات في تاريخ الوجود والعقل، ص: </span><span lang="AR-SA">315-316</span><span lang="AR-SA">).</span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">بيد أن هذا المنهج، الذي يستنكف عن التاريخ، مجتهدا في التنقيب والبحث عما هو أصيل وعميق في حقيقة النص خارج معطيات زمنيَّتِه السوسيولوجية، لماذا نجده يلوم فلسفة الفارابي مثلا باستنكافها عن التاريخ وعن المدينة، ليطالعنا بخلاصات صادمة مفادها أن فلسفة الفارابي &#8220;مضادة للإنسان&#8221; (كتاب: من المعرفة إلى العقل، ص: </span><span lang="AR-SA">33</span><span lang="AR-SA">)، أو هي &#8220;فلسفة ابتلاع الإنسان&#8221; (ن. م، ص: </span><span lang="AR-SA">42 </span><span lang="AR-SA">و</span><span lang="AR-SA">44</span><span lang="AR-SA">)؟ ولماذا يلوم فلسفة ابن باجة أيضا، لنفس الاعتبارات السالفة، واصفا إياها بكونها &#8220;فلسفة عدمية&#8221; (ن. م، ص:</span><span lang="AR-SA"> 116</span><span lang="AR-SA">)، وبأنها &#8220;لا مدنيّة لكونها تَنشُد التوحُّدَ، ولا تاريخيّة بحكم ارتباطها بالمطلق، ولاأخلاقية لأنها تدَّعي أنها توجَد فوق القيم والفضائل، ولا معرفيّة نتيجة سعيها نحو الحقيقة، ولا إنسيّة لأن الذي يهمُّها ليس هو الأنا في كائِنِيَّتِه وفعاليته، بل هو الأنا حين يَتحول إلى كينونة عقلية خالصة&#8221; (ن. م، ص:</span><span lang="AR-SA"> 125</span><span lang="AR-SA">)؟</span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">الحقُّ أننا قد نتفهم انتقاداتٍ من هذا القبيل كانت تَصْدُر عن مناهج مغالية في مُنافَحَتها للنزعة التاريخية، لكننا نجد صعوبة كبيرة في فهمها من جانب منهجكم الذي يبدو أكثر تفهما واقترابا من عمق التجربة الفلسفية والوجودية لمثل هذه الفئة من الفلاسفة</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">ألا يمكن اعتبار الدعوة إلى التعالي عن التاريخ وعن المدينة، حين يلوثها تسلط القيم والمعارف الجمهورية اللافلسفية، بمثابة جرأةٍ فلسفية تؤمِّن للذات حصانة في مواجهة جبروت اللاعقل؟ وبعبارة أخرى ـ نستأذنكم في استعارتها من روح منهجيتكم ـ ألا يمكن أن نرى في دعوةٍ مِن هذا القبيل رغبة جامحة في شق معالم &#8220;استراتيجية قولية جديدة&#8221;؟</span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> أود في البداية أن ألفت الانتباه إلى ضرورة مراعاة زمن الكتابة. ومع ذلك عندما كنت </span><span lang="AR-SA">أُ</span><span lang="AR-SA">صدر الأحكام على هؤلاء الفلاسفة فليس من أجل لومهم وتوبيخهم، بل لأنوه بتجربتهم، بجرأة ابن باجة والفارابي في تخلصهما من المدينة ولوازم المدينة، لتوسيع مجال الحرية وفضاء القول المستقل عن الجمهور وعن السائد في مجتمع ما. وعندما أصف تجربة ابن باجة بأنها تجربة &#8220;عدمية&#8221;، فإنني لاأفعل ذلك من أجل انتقادها، بل من أجل تقريبها من التجربة الوجودية الحديثة، من أجل الترويج لقول ولخطاب فلسفي يكون غاية لذاته، لا غاية لسلطةٍ من السُّلط الإيديولوجية أو السياسية. إن هذا تنويه بمثل هذه التجارب. وهذا هو معنى الدعوة إلى منهج يَنظر في الجانب الفعال من النص، أي باعتباره دينامية خلاقة تنتِج نفسَها من أجل نفسِها، من أجل خلق كائنات ومفاهيم ومبادئ فكرية، من أجل خلق فضاءات للإبداع وأوراش للنقاش. وقبل ذلك وبعدَه من أجل صياغة أسئلة جديدة لم يكن لنا عهد بها&#8230; لكن في نفس الوقت إذا كنتُ أقف ضد كل نزعة تشجع على الخضوع للسلط، فليس معنى هذا أنني أتساهل في التخلي عن الإنسان في سبيل المطلق.</span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">القصدُ إذن من دعوتي إلى عدم الركون إلى النظر إلى النص الفلسفي من خلال سياقه أو من خلال المدينة إنما هو تعبير عن غِيرة على الفلسفة من أجل أن تكون مستقلة عن كل السُّلط، و من أجل أن لاتستجيب لرغباتٍ جاهزة وقبْليّة يفرضُها سوقُ &#8220;التداول الفكري&#8221;. ينبغي أن يكون القولُ الفلسفي مستقلا عن هذه السوق، وهذا هو شرط ريادته وقدرته على التعبيئ وقيادة الأجناس القولية الأخرى.</span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">لقد تم تجريب القول الإيديولوجي ـ وما زلنا نكتوي به ـ هذا القول الذي أدى في نهاية الأمر إلى الإفلاس بكيفية مروعة وعلى نحو شامل لم نحصد منه غير خراب المدينة والذات. قد تكون الفلسفة في كنهها محتاجة إلى هذا الفشل وهذا الشقاء من أجل أن تنطوي على نفسها وتفكر وجها لوجه في الوجود في معزل عن السلط والقيود التي ينتجها التاريخ من أجل إنتاج رؤى جديدة تغذي أحلامنا من جديد. فالإنسان لايستطيع أن يعيش بدون حلم، لأنه امتداد لجسده ووجودِه. وسببُ فشل القول الإيديولوجي هو أنه خاطب الذاتَ التاريخية، وفي مخاطبته لها خاطب النخبة في الذات السياسية، وفي مقابل ذلك تم نسيان الذات الفردية. إننا هنا والآن محتاجون إلى &#8220;أنوات&#8221; فردية، لا إلى &#8220;أنا&#8221; جمعي ينوب عن الكل. وهذا لن يتحقق إلا إذا تخلصنا من ثقل الآني، ثقل السلط التي أرهقتنا بمطالباتها اللامتناهية بالطاعة .</span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">تستحضرون دائما أثناء مجهودكم النقدي تجاه التراث العربي تحقيقَ مقصدين استراتيجيين متوازيين ومتكاملين: استنطاق النص الفلسفي في نصِّيتِه وتفكيك عناصر ديناميته النظرية الداخلية بما هو خلاصة خصبة تعكس جدلَ علاقته المتوترة بشتى مكونات تاريخ ذاكرته الفلسفية من جهة، وهو ما يمكن تسميته بلحظة <strong>الاتصال</strong> أو التواصل مع النص لجعله يبوح لنا بمكنوناته وبواطنه؛ ثم العمل، من جهة أخرى، على استفزاز هذا النص القديم عبر الزَّجِّ به في معمعة سؤال أو أسئلة الحداثة لبيان حدوده، وكذا لإخصاب ما ينطوي عليه من إمكانات ظلت سجينة دائرة المنسيات واللامفكر فيه</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;"> (</span></span><span style="font-family: Times;"><em><span dir="ltr">I</span></em><em><span dir="ltr" lang="FR">m</span></em><em><span dir="ltr">pensables</span></em></span><span style="font-size: x-large;"><span dir="ltr">)</span></span><span lang="AR-SA">، وهو ما يمكن تسميته بلحظة <strong>الانفصال</strong> التي يشير إليها تواترُ أسماء أعلام الحداثة والمعاصرَة الغربية: ديكارت، كانط، سبينوزا، هيجل، فرويد، هيدجر</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">…</span></span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">بيد أنه على الرغم من أن العملية الأولى تستغرق معظم مجهودكم، بحيث لاتحضر العملية الثانية إلا في شكل إشراقات ولمع خاطفة غالبا ما تكون في خواتم أبحاثكم، فإننا نلاحظ أن حضورها يظل حاسما وموجِّها بالنظر إلى أن الهزات العميقة التي بلورتها الحداثة الفلسفية المعاصِرة عبر ثوراتها المتراكمة تبدو بالنسبة إليكم حقائقَ حاسمة لارجعة فيها؛ بل &#8220;إن ما نشعر به، ونحن نقرأ الخلاصات النقدية التي يعلق بها د. المصباحي على المذاهب الإسلامية، هو أن نقطة الانطلاق عنده تصبح هي الإشكالات الفلسفية المعاصرة، حيث يتم انطلاقا من هذه الإشكالات اتخاذ مواقف من مذاهب الماضي&#8221; (محمد وقيدي: الدلالة وبناء المذاهب الفلسفية، العلم الثقافي، </span><span lang="AR-SA">30</span><span lang="AR-SA">/</span><span lang="AR-SA">12</span><span lang="AR-SA">/</span><span lang="AR-SA">1995</span><span lang="AR-SA">، ص: </span><span lang="AR-SA">8</span><span lang="AR-SA">).</span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">ألا ترون أن هذه الوضعية تجعل موازين القوى مختلة وفي غير صالح النص الفلسفي القديم، خصوصا وأنكم تكتفون بالإلماح إلى بعض أطروحات الفلسفة الغربية المعاصِرة دون إخضاعها لذلك النمط من النقد العلمي الصارم الذي يَطبع تعاملكم مع التراث العربي، وأن الأمر يؤول إلى نوع من الحوار اللامتكافئ بين مقولاتٍ فلسفية معاصِرة مازالت متوهِّجة وواعِدة وتمتلك طاقات خصبة لم تستنفَذ بعد، وبين نص تراثي أضحت كثيرٌ من مقولاته وبديهياته في ذمة التاريخ؟</span></span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">الملاحظة المنهجية التي طرحتموها في هذا السؤال، والمتمثلة في فقدان التوازن بين الاتصال والانفصال في منهجية مقاربتنا للنص، ملاحظة وجيهة ودقيقة. لقد فهمتُ من سؤالكم أنكم تطالبون بضرورة إعادة التوازن بين عنصري الاتصال والانفصال بإخضاع الفلسفة الحديثة والمعاصرة نفسِها لنوع من النقد والمراجعة كما نفعل بالنسبة للنص الفلسفي العربي القديم. </span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">أعتقد بأن مشكلتنا بالنسبة لتاريخ الفلسفة العربية الإسلامية هو أننا لم نقم بمسعى الاتصال مع النص مباشرة بما فيه الكفاية. المجهودات التي أقيمت كانت تدور في الغالب على محاولة استخلاص معاني النص بالنسبة لعصره من أجل خدمة أغراض عصرنا، بينما ظلت محاولات الدخول في حوار مع النص قليلة جدا. طبعا، هذا الحوار فيه مخاطرة، لأن اتخاذ جانب الاتصال بالنص أو التماسِّ معه، قد يؤدي بنا إلى الحلول فيه، فنصبح مجردَ ناطقين باسمه وبأجوائه الوُسْطوية والسكولائية. لكن الانفصال عن النص بصفة نهائية والنظرَ إليه من خلال الإشكاليات الفلسفية الحديثة والمعاصرة قد يجعلنا في المقابل نُنطِق النصَّ بما لم يكن له عهدٌ به. الموقفُ العدلُ بالنسبة لنا هو الذي ينطلق من افتراض أن النص القديم ـ كأي نص كان ـ يحتوي على إمكانيات غير منتظـَرة، وعلى أفكار توجَد بالقوة، أو على أفكار توجَد بالفعل ولكن في منتصف الطريق. فالمطلوبُ منا، نحن أبناء هذا الزمن، أن لانواجه هذا النص حفاةً عراة، بل أن نحاول الاتصالَ به انطلاقاً من خلفية فلسفية ومنهجية معاصِرة. نعم، لهذا التواصل مقصد علمي هو التعرفُ على طبيعة الفكرة كما هي في سياقها النصي. ولكن هذا المقصد لا يكفي، بل لا بد من إنجاز مطلب آخر ذي طبيعة فلسفية، وهو تطويرُ النص القديم بفتح أقواس وآفاق وخروم في داخله، وذلك من أجل أن يَستثيرَنا لحل مشاكلنا أو للاستمرار في التفكير من خلال مَوْقِعِنا. </span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span lang="AR-SA">أما عن الجانب الأخير من سؤالكم، وهو لماذا نكتفي بالمصادرة على الأوجه المشرقة للفلسفة المعاصرة دون الدخول معها في حوار ونقد وفحص علمي، فينبغي أن أعترف لكم بأن هذا المشروع وارد، وإن كنت أعتقد بأن إنجازَه لا يمكن أن يكون بنفس المعاملة التي عاملتُ بها النصوصَ القديمة. والسبب في ذلك أنني لا أومن بمنهج المقارَنة في الفلسفة وإنما بمنهج الإيقاظ، إيقاظ أفكار وعناصر للتفكير موجودة في نصوصنا. فعدم التكافؤ الذي تحدثتم عنه هو واقع موضوعي ولا يمكن تجاوزه بإرادةِ المقارَنة وكَيْلِ النصوص القديمةِ والمعاصِرةِ بنفس المِكيال.  فالعُدَّة الفلسفية في نصوصنا القديمة قد تكون ما زالت صحيحة، لكن أساسَها الثقافي و</span><span lang="AR-SA">لَّى</span><span lang="AR-SA"> ولا يُمْكن بعثُ الروح فيه من جديد. </span></span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA"> ثمة أطروحة مركزية مافتئتم تؤكدون عليها باعتبارها فيصلَ تفرقةٍ إبستمولوجية بين تيارين أساسيين خَيَّما بظلالهما على تاريخ الفلسفة الإسلامية بشتى تلاوينِه ومذاهبه، وهي القولُ بوجود تعارض مبدئي بين ما تسمونه بتيار &#8220;مشائي منحرف&#8221; (كتابكم: &#8220;تحولات في تاريخ الوجود والعقل&#8221;، ص: </span><span lang="AR-SA">214</span><span lang="AR-SA">)، يتزعمُه الفارابي وابن سينا، يَرفع شعار فصل الوجود عن الماهية ويقول بعرضية الواحد، في مقابل ما تسمونه بتيار &#8220;مشائي مخلص&#8221;، يتزعمه ابن رشد، يَرفع شعار وحدة الماهية بالوجود، ويقول بذاتية الوجود</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">الواقع أن هذه الأطروحة </span><span lang="AR-SA">تذكِّرُنا</span><span lang="AR-SA"> بأطروحةٍ شهيرة طالما دافع عنها الأستاذ د. محمد عابد الجابري، وهي أطروحة &#8220;القطيعة الإبستمولوجية التي تمس المنهجَ والمفاهيم والإشكالية&#8221; (د. محمد عابد الجابري: نحن والتراث، ص:</span><span lang="AR-SA"> 212</span><span lang="AR-SA">) بين فلسفة مشرقية أفلوطينية غنوصية قائمة على قياس الغائب على الشاهد وبالتالي على دمج الدين في الفلسفة من جهة، وبين فلسفة مغربية مشائية برهانية قائمة على مناهضة ذلك القياس وبالتالي على الفصل الإبستمولوجي بين مجالي الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية.</span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">          </span></span><span lang="AR-SA">نود أن نغتنم مناسبة هذا الحوار لنَعرف منكم عناصرَ وحدود الاتصال والانفصال الممكنة بين الأطروحتين</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times; font-size: x-large;">&#8230; </span></span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;"> </span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">لايمكن للمرء عندما يعاين عن كثب التيارات والاتجاهات المذهبية في العصور الوسطى إلا أن يعترف بوجود اختلافات بين هذا الفيلسوف أو ذاك، وبين هذه المدرسة أو تلك. فكل متتبع لفلسفتي الفارابي وابن سينا لا يملك إلا أن يسجل بنوع من الإعجاب إرادتَهما في الانفصال عن أرسطو والأرسطية وتأسيسَ أفق فلسفي خاص بهما. لكنني عندما كنت أنعت منتوج إرادة الخروج عن الأرسطية &#8220;بالمشائية المنحرفة&#8221;، فليس لغرض لوم الفارابي وابن سينا، بل لغرض المدح غير المباشر، لأن الانحراف أحيانا عن المذهب هو الذي يسمح للفيلسوف بأن يغامر بأسئلة جديدة وبطروحات جديدة وبخلق مناخ فلسفي جديد. وهذا بالفعل ما حَصل بالنسبة للفيلسوفين المذكورين. فابن سينا يُعتبَر فيلسوفا جباراً لأنه استطاع أن يؤسس لنظر فلسفي جديد قائم على عرضية الوجود على الذات وانفصال الماهية عن الوجود.</span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">إذن كلما انحرفنا عن المنبع وانفصلنا عن الأصل  ـ ولكن بعد استيعابه ـ استطعنا أن نحقق ذلك الاستقلال الذي يمَكِّننا من الأداة الفلسفية التي ننشئ بها أقوالا جديدة. إذا خُيِّرتُ بين المطلب العقلاني والمطلب الإبداعي فقد أفضل هذا الأخير. فالمطلب الإبداعي في مجال الفلسفة لايقل أهمية بالنسبة لي عن المطلب العقلاني، بل إني، أكثر من ذلك، أفضِّل المطلبَ الإبداعي حتى ولو رَكِبَ مَرْكَبا لاعقلانيا، فقد أفضِّل نيتشه أو شوبنهور على كانط أو سبينوزا. لأن الفلسفة بنحو ما هي تلك القدرة على تغيير بل وزلزلة المشهد القولي الدلالي لأسماء الفلسفة، وليست القدرة على الوفاء لخط مذهبي معيَّن. إني أفضل رجلا مثل الملا صدرا الشيرازي الذي استطاع فعلاً أن يحقق خروجَه من الأفق الأونطولوجي الأرسطي عندما أدرَج الحركة تحت مقولة الجوهر، ففتَح بذلك إمكانية التغيير حتى على صعيد ماهيات الأشياء. أقول إني أفضل مثل هذا الرجل على من يَستنكر عليه جعلَ إحدى لواحق الوجود في مرتبة الجوهر، لأن في ذلك تهديدا لقانونية الأشياء وضرورة الطبيعة. إن الانقلاب الذي أحدثه الشيرازي في ميدان الفلسفة الإسلامية من شأنه أن يؤدى إلى جعل الحركة جوهرَ الوجود بدل اعتبارها عَرَضا من أعراضه. ولم يكن للشيرازي أن يتأتى له هذا التغيير في المشهد الفلسفي لولا استمدادُه من نور العرفان. الأمر الهام بالنسبة لي هو أنه أبدع مفهوما جديداً للوجود قريبا منا، وجود من النوع السيّال الذي لا تنفصل فيه الحركة عن الزمان. ونفس الأمر يقال بالنسبة لفصل الماهية عن الوجود أو ربطها به، فأطروحة عرضية الوجود بالنسبة للماهية قد تبدو أكثر خصبا من القول بوحدتهما. ليس معنى هذا أننا صرنا ننتصر للعرفان على حساب المعرفة، أو نفضل اللاعقلانية على العقلانية، وإنما غاية ما في الأمر اقتناعُنا أنه من الأجدى فتحُ كل الأبواب والمنافذ على الخَلق والإبداع. وكلامي هذا ليس موجَّهاً لأحد، فأنا أقدِّر المجهود الهائل الذي قام به الأستاذ الجابري في تغيير وجه دراسة التراث الفكري العربي، والفرضيات الخصبة التي حَرَّك بها البحثَ في هذا المجال. لقد راهن الجابري على العقلانية كمكيال للتمييز بين أنصار التقدم وأنصار التبعية والتقليد، غير أن المثال الذي ضربناه يبرهِن كيف أن الفكر العرفاني يمكن أن يكون أكثرَ قدرة على ممارسة القطيعة من الفكر البرهاني.</span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">ورد في مؤلفكم &#8220;تحولات في تاريخ الوجود والعقل&#8221; أن &#8220;القول بمفارَقة العقل ووحدتِه وارتباطِه الصميمي بالوجود وبالبرهان، أفضى بالتراث إلى تصور صُوري جامد للعلم أو للحقيقة وإلى تقديس السلطة المعرفية، التي أدت على صعيد المقارَبة إلى التعلق بالتفسير بدل الميل إلى التجاوز والإبداع&#8221;. فهل استطاع الفكر العربي المعاصر تجاوز هذه الرؤية لركوب غمار التجاوز والإبداع؟ أم أنه مازال خاضعا لتأثير عقلانيتنا التقليدية العاجزة عن صياغة أفق جديد لفكرنا وحياتنا؟ أم أن سيطرة حضارة الغرب ـ التي نعيش على هامشها ـ على كافة الوسائل التقنية والعلمية والتي تجعله في المركز والصدارة، لاتسمح لنا بتجاوز تبعيتنا لها على كل الأصعدة؟ </span></span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> دعني أقول لكم بصراحة إن سؤالكم هذا هو من جهة سابق لأوانه، لأننا لا نستطيع أن نقارن بين فكر وصل إلى مرتبة الربط الصميمي بين الوجود والعقل، وبين فكر يبحث عن وجوده وعقله! </span><span lang="AR-SA">إننا الآن مازلنا نعيش مشكلة استعمال العقل في النظر إلى الوجود، هذه المشروعية التي صارت مهدَّدة يوميا، وخاصة في هذه الأزمنة الأخيرة، فأحرى أن نتكلم عن محاولة تجاوز الربط الصميمي بين العقل والوجود.</span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">لكن سؤالكم من جهة أخرى يَطرح ضرورةَ الفصل في تشخيص الفكر العربي المعاصر بين حدي التقليد والتجاوز، سواء بالنسبة لعقلانيتنا التقليدية أو بالنسبة لحداثة الغرب . </span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">يجب الاعتراف منذ البداية ورفعاً لأي التباس أن العقلانية التقليدية لم تعد نافعة، لم تعد قادرة على أن تكون حاملة لمشروع حضاري فأحرى ثقافي. لقد انتهى الأساسُ الحضاري لوجودنا ولا يمكن أن يعود. ولذلك نجد حتى أولئك الذين ينادون علناً بالاكتفاء الذاتي بالتراث حضارةً وثقافة فيما يسمونه بجوانبه المشرقة، يضمرون شيئا آخر في قرارة أنفسهم وأثناء ممارستهم الفعلية. فالحضارة الغربية ـ ورديفتها الثقافة ـ موجودة هناك ولايستطيع أي أحد الاستغناءَ عنها أو تجاهلها أو إزاحتها من الطريق. ومن ثم فلا يمكن أن نبدع وأن نفكر إلا داخلها وفي طريقِها. إن التلويح بتقديم بديل حضاري وثقافي وتنموي للحضارة الغربية هو من باب الأوهام والتخاييل المريضة التي لا يمكن أن توضَع اليوم في برنامج أمة من الأمم، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بخطابات سياسية وإيديولوجية يُقصَد منها الاستهلاكُ واستثارة أحلام الجماهير لاستجلاب أصواتها من أجل السيطرة على السلطة. إذن لم يعد فكرنا العربي خاضعا لما سميتموه بعقلانيتنا التقليدية.</span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">لقد فَهمتِ الطلائع الأولى من المفكرين العرب هذا الوضعَ جيداً، ولذلك وجَدناها تَعكف على الانخراط مباشرة في تجربة فكرية رائدة غيرَ مُقِيمةٍ وزناً للثقافة التقليدية. هكذا بدأ الإنتاج الفلسفي يَظهر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي هذا الصدد أتذكر الوجودي عبد الرحمن بدوي، والشخصانيين محمد عزيز الحبابي ورينيه حبشي، والتوماوي يوسف كرم، والبرغسوني نجيب بلدي، والوضعي المنطقي زكي نجيب محمود&#8230; الخ. </span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">ولكن ما فتئتِ الرِّدة عن الفلسفة قد انتشرت، لتطغى على الإنتاج الفلسفي الاهتماماتُ السياسية والإيديولوجية. ولكن الساحة الثقافية شهدت في مقابل ذلك  ازدهارَ الكتابة في العلوم الإنسانية الذي سَلب من الفلسفة جانبا من دورها في مقابل تدعيمها على نحو غير مباشر. إن الإبداع الفلسفي في العالم العربي ما زال يشق طريقه، لكن آفات الإيديولوجيا وسوق العمل وغير ذلك من الأمور المرتبطة بالسياسة تحول دون اللحاق بالركب الفلسفي العالمي. إن الخوف من الفلسفة يترجـِم في الحقيقة خوفا من مواجهة الذات، من استعمال الفكر والعقل، من التصدي للمصير بتحدّ ومسؤولية. لقد صارت ممارسة الفلسفة في العالم العربي اليوم وكأنها ممارسة للتطبيع مع الغرب! إنها نفس الإشكالية التي كان يعاني منها فكرُنا في القديم عادت للظهور، وهي إشكالية علاقتنا بالآخر. ومن جديد لايمكن الخروج من هذا الإشكال إلا بالحل الذي قدَّمه كل من الكندي وابن رشد كلٌّ بطريقته الخاصة: النظرُ إلى علاقتنا بالآخر من خلال الحقِّ. فلا وجودَ للآخر في الحقِّ!</span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;"> </span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">ما فتئتم في السنوات الأخيرة تبدون اهتماما خاصا بالفكر الصوفي، كما نلمس ذلك مثلا في تلك القراءة المشرقة لجانب من رباعيات سيدي عبد الرحمن المجذوب والقطب مولاي عبد السلام بن مشيش (بحثكم: &#8220;من تجاهل الشخص إلى مناهضة الكائن&#8221; المنشور ضمن كتابكم: &#8220;تحولات في تاريخ الوجود والعقل&#8221; ص ـ ص: </span><span lang="AR-SA">292-311</span><span lang="AR-SA">)، وكذا بحثكم: &#8220;حول فشل لقاء الشعر والفلسفة بالتصوف&#8221; (مجلة &#8220;فكر ونقد&#8221;، </span><span lang="AR-SA">عدد6، فبراير1998).</span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">فهل كان في إمكان فلسفة ابن رشد، والفلسفة العربية الإسلامية عموما، أن تتفادى ما أشرتم إليه من فشل اللقاء بالتصوف؟ والحال أنها فلسفة التزمت ـ بدرجات متفاوتة ـ بالتقليد المشائي القائم على البرهان وعلى المنطق الصوري…؟ وبما أنكم في خاتمة بحثكم الأخير تثمِّنُون اللقاءَ بين الفلسفة والتصوف، فما الذي يمكن أن تستفيدَه الفلسفة من التصوف؟</span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">بالفعل، أجد نفسي هذه الأيام، وبعدما أخذت جرعة قوية من العقلانية، أنزاح شيئا فشيئا عن أرض العقل والعقلانية للمغامرة في أرض الخيال، أرض القلب. إنه لامفر من لقاء الفلسفة بالتصوف، إنه لقاء قدَريٌ، قد يَفشل أحياناً، قد يكون ماكرا وفيه كثير الحجابات غير المرئية، ولكنه مع ذلك منذور أن يكون. </span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">إن التجربة الصوفية مغرية لاسيما إذا كانت لا سقف لها يحميها أو يَحدُّ من جموحها. إنها تجربة مُغرية لأن اللغة فيها تلتبس بالوجود، والإنسان بالمطلق؛ مُغرية كذلك لأن الطريق فيها قد يكون أفضلُ من الوصول، أو لأنه في نقطة الوصول قد يكون الواصلُ هو الوصول. إن التجربة الصوفية طريق من بين طرق نحو الفلسفة، طريق في قلب الوجود يسير نحو الوجود. إنها تجربة مغرية لأن الوجود فيها ملتبس بالخيال إلى حد يَصير فيه الخيال جوهرَ كل وجود. إنها تجربة رُؤْيَويّة تحوِّل الوجودَ إلى مرآة، إلى حلم، إلى صورة صادرة عن الذات ومنعكسة عليها. فتَصير الذاتُ في هذه التجربة هي ذلك المجال الشفاف الذي تَظهر فيه الأشياءُ والموجودات. أليس الفرقُ بين الفلسفة والتصوف هو الفرقُ بين النظر والرؤية؟ لكن النظر لايَسمح بالحلم، وحتى إذا سَمح به فإنه يتحول إلى كابوس، في حين تسمح الرؤية بالحلم في زمن نهاية الأحلام!</span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span lang="AR-SA">إن التصوف يَسمح للخائض فيه برؤية هيراقليطية للكون، رؤيةٍ تمكِّنُه من حرية أكبر حيال السقوف والسدود المفهومية والقولية الحابسة لجريان الفكر، حرية تحث على خرق العادة في القول والفعل. إن الجانب القوي من العقل هو بالضبط جانبُه الضعيف، فالصرامة في الاستدلال والانسجامُ في مراعاة المبادئ والمقدمات قد يؤديان إلى إجهاض فعل التوليد الدلالي والقولي، في حين يدفعك التصوف، الذي يستمد عُدَّتَه من الخيال، نحو القيام بمغامرات دلالية قد لاتخطر على البال. </span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;"> </span></span></span></h5>
<h5><span dir="ltr" style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"> </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span> <span lang="AR-SA">يشعر القارئ المتتبع لمسيرتكم العلمية الطويلة ولاجتهاداتكم الفلسفية الرائدة وكأنكم بصدد بلورة هادئة ومتأنية لمشروع نظري متكامل يستوعب جُماع التجربة الفلسفية العربية، أو تجربة الخطاب الفلسفي بالغرب الإسلامي على وجه التدقيق، في شتى تجلياته ومكوناته الصوفية والعلمية والكلامية والفلسفية؛ وكأن أبحاثكم المونوغرافية الدقيقة بصدد إشكالات العقل والوجود والإنسان إنما هي مقدماتٌ واعدة، بما تفتحه من آفاق رحبة ومن جرأة على استشراف أسئلة نوعية مغايرة، تبشر بإنجاز مشروع فلسفي طموح يُثري ما هو متداوَل حاليا من مشاريع علمية</span><span dir="ltr"><span style="font-family: Times;">.</span></span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">ـ هل تتفقون معنا في أن أبحاثكم تروم تحقيقَ هذا الاتجاه؟</span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> إن فضل مثل هذا الاستجواب المستوعِب واليقظ أن ينبِّه المعنيَ بالأمر إلى كليةِ إنتاجه، بصعوباته وتناقضاته وتطوراته والآفاق التي يمكن أن يَفتحها. نعم، إنني ما زلت في هذه المرحلة متعلقاً بالنص، بعد أن كنتُ متعلقاً بالمدينة وبما يَليها، لِما أجدُه فيه من قدرة على خزن الوجود والمشاغَبة عليه. وسيأتي الوقتُ الذي سيَكون عليَّ فيه أن أنتقلَ من النص إلى الوجود، للعودة عبرَه إلى المدينة. من مغارةٍ إلى مغارةٍ، من مغارةِ المدينة إلى مغارةِ النص، وكأننا لا نُطيقُ شمسَ الوجود، فنكتفي بالنظر إليه من وراء حجاب.   </span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span dir="ltr">&amp;</span><strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">الصورة</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span dir="ltr"> لو التمسنا منكم التفضلَ بكلمة تقويمية نقدية في حق التوجه الثقافي العام الذي اختارته المجلة، فماذا تقولون؟<span style="font-family: Times; font-size: x-large;"><br />
</span></span></span></h5>
<h5><span style="color: #000000;"><span style="font-family: Times;"><span dir="ltr">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline;"><span lang="AR-SA">د. المصباحي</span></span></strong><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large;">:</span></span><span lang="AR-SA"> إن الأمر الذي أثارني في مجلتكم، والذي بُحت به لعدة أصدقاء، هو هذه الإرادة القوية والثابتة التي تقف وراء هذا المشروع الواعد، لأنني أعلم بأن هناك مؤسسات وجمعيات ومنابر تقف وراءها جهات قوية تتلقف منها أشكالا مختلفة من الدعم، ومع ذلك لا تستطيع أن تصدر مجلة بهذا الرونق، وبهذا التنوع والعمق، وبهذه النظرة الواضحة إلى المجال الثقافي. إن الإرادة المحرِّكة للمجلة تبعث على الدهشة وتبشر بالخير. إن صدور هذه المجلة عن هذه الطاقات الشابة يبرهن أن المجتمع المدني في بلدنا ما زال حيّاً، وأن الإرادات الفردية قادرة، بإيمانها وتفانيها، على أن تؤسس في هذا البلد تيارا ثقافيا وتقليدا فلسفيا فاعلاً. فهذا هو الجانب الذي أعجبتُ به، بغض النظر عن محتويات العدد الأول، فالأملُ وطيد في أن تستمر هذه الإرادة، إرادة التحدي والخَلق.</span></span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">أما بالنسبة للمحتويات وللتبويب، فأعتقد أن جعل المجلة منفتحة على آفاق متنوعة من أدب وفلسفة وفنون، وفتحَها أمام اللغات الحديثة له أكثرُ من دلالة حضارية. وأود هنا أن أشدد على رمزية الأرض التي تَصدر منها هذه المجلة، وهي مدينة القصر الكبير، التي هي جزء مما يمكن أن أسميه بـ&#8221;الأندلس الكبير&#8221; الذي يبتدأ من قرطبة أو من جنوب مدريد وينتهي في أرض لوكوس، هذه الأندلس التي تشكل تجربتها الثقافية والتاريخية نموذجا فذا للقاء الثقافات ولحوار الحضارات وللتعايش بين مختلف ألوان التفكير وأجناس القول.</span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;"> </span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;"> </span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;"> </span></h5>
<h5><span lang="AR-SA" style="color: #000000;">                        أجرى الحوار: محمد الشلي/ عزيز بوستا.</span></h5>
<p>&nbsp;</p>
<p><img id="719assoura2photo" title="" src="/files/403691/719assoura2photo.jpg" alt="" /></p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%a8%d8%a7%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>يوميات قادس بإسبانيا؛ عن رحلة دراسية من6 إلى 16 ماي 2007</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a8%d8%a5%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7%d8%9b-%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%85/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a8%d8%a5%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7%d8%9b-%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%85/#comments</comments>
		<pubDate>Sun, 08 Jul 2007 19:41:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[معرض الصور]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/400559/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a8%d8%a5%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7%d8%9b-%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%85/</guid>
		<description><![CDATA[GACETA GADITANA يوميات قادس لقراءة أو تحميل هذه اليوميات  باللغة الإسبانية، انقر على الرابط أسفله  gacetagaditana BOLETÍN DE LA ESTANCIA DE LOS ALUMNOS PROFESORES DE TÁNGER Y FEZ EN LA CIUDAD DE CÁDIZ   Coordinador: Abdelkader Aouad Maquetación y toma  de fotos: Aziz Boussetta Redacción: Abdelilah Nait Rais, Abderrahman Sayedi,Abdelouahab Nagraoui,  Ahmed Bouidmar, Hakim  Shiht,Nouaman [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<div dir="ltr">
<p><span style="font-size: medium">GACETA GADITANA <span dir="rtl">يوميات قادس</span></span></p>
</div>
<div>
<p><span style="font-size: large">لقراءة أو تحميل هذه اليوميات  باللغة الإسبانية، انقر على الرابط أسفله</span></p>
</div>
<h1 style="text-align: center"> <span style="color: #ff0000"><a style="color: #ff0000" href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/gacetagaditana.pdf">gacetagaditana</a></span></h1>
<p dir="rtl" align="left"><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/gacetagaditana.pdf">BOLETÍN DE LA ESTANCIA DE LOS ALUMNOS PROFESORES DE TÁNGER Y FEZ EN LA CIUDAD DE CÁDIZ</a></p>
<p><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/gacetagaditana.pdf"> </a></p>
<p dir="rtl" align="left"><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/gacetagaditana.pdf">Coordinador: Abdelkader Aouad</a></p>
<p dir="rtl" align="left"><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/gacetagaditana.pdf">Maquetación y toma  de fotos: Aziz Boussetta</a></p>
<p dir="rtl" align="left"><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/gacetagaditana.pdf">Redacción: Abdelilah Nait Rais, Abderrahman Sayedi,Abdelouahab Nagraoui,  Ahmed Bouidmar, Hakim  Shiht,Nouaman Houdou, Younes El Aiche,  Youssef M´sahal</a>,</p>
<div id="attachment_787653" style="width: 310px" class="wp-caption aligncenter"><a href="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/Cadiz-2007.jpg"><img class="wp-image-787653 size-medium" src="http://www.aziz-boussetta.com/wp-content/uploads/2007/07/Cadiz-2007-300x225.jpg" alt="Cadiz 2007" width="300" height="225" /></a><p class="wp-caption-text">رحلة دراسية لقادس بإسبانيا رفقة الطلبة الأساتذة لشعبة الإسبانية سنة 2007</p></div>
<p dir="rtl">
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a8%d8%a5%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a7%d8%9b-%d8%b9%d9%86-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>حوار مع الدكتور محمد ألوزاد &#8211; الجزء الثالث والأخير</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7-2/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7-2/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 06 Jun 2007 20:54:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>
		<category><![CDATA[ندوات وملتقيات]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/356867/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7/</guid>
		<description><![CDATA[حوار مع الدكتور محمد ألوزاد حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثالث والأخير &#160; وهو آخر حوار أجري مع المرحوم د. محمد ألوزاد قبل وفاته بأشهر، ونُشر ب&#60; مجلة الصورة- مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي&#62; السنة الرابعة ، العدد الرابع، شتاء 2002، دار النشر المغربية بالدار البيضاء &#160; وأعيد نشره  ب: &#8220;مدارات فلسفية&#8221; [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p align="center"><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">حوار مع الدكتور محمد ألوزاد</span></span></span></strong></p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;font-size: large">حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثالث والأخير</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Arial;font-size: large">وهو آخر حوار أجري مع المرحوم د. محمد ألوزاد قبل وفاته بأشهر، ونُشر ب&lt; مجلة الصورة- مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي&gt; السنة الرابعة ، العدد الرابع، شتاء 2002، دار النشر المغربية بالدار البيضاء</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large"><strong>وأعيد نشره  ب: &#8220;مدارات فلسفية&#8221; مجلة الجمعية الفلسفية المغربية </strong></span></span></p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large"><strong>العدد 14 صيف 2006 دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط</strong></span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium"><strong>أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي</strong></span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><strong>الصـورة</strong></span></span><span lang="AR-SA">: يلاحَظ في السنوات الأخيرة أن هناك شغفا متزايدا لاستلهام فلسفات ما بعد الحداثة بمختلف صيغها ونماذجها، بُغية إخصاب التراث الفلسفي العربي وجعله يَستشرف آفاقا معرفية جديدة ومغايرة. وفي مقابل ذلك، يلاحِظ المتتبع لأعمالكم وكأنكم تحافظون على مسافة نظرية حيال هذا التوجه العام&#8230; </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ فهل يتعلق الأمر بتحفظ مبدئي من جانبكم تجاه هذا الموقف؟ أم أن الأمر بالنسبة لكم لا يحظى بالأولوية، قياسا إلى تركيزكم على المنحى المونوغرافي العلمي الدقيق؟ ثم إلى أيّ حدّ يمكن أن تسعفنا فلسفات ما بعد الحداثة في إعادة قراءة تراثنا الفلسفي، والحال أننا ما زلنا لم نستوعب بعدُ أهم مكتسبات فلسفات الحداثة؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><strong>د. ألوزاد</strong></span></span><span lang="AR-SA">: </span><span lang="AR-SA">تذكِّرُني مسألة ما بعد الحداثة بطريقة تعامل المشتغلين بالفلسفة عموما مع الإنتاجات الغربية، وهي طريقة لم تبلغ بعد المنطقة التي يمكن أن نسميها بالمنطقة الإيجابية، ولم تبلغ بعد المدى الذي تصبح فيه في موقع الحوار الإيجابي. أمامنا أولا تحفُّظ تجاه الغرب، بحيث ما تزال المنطقة تعاني من التحفظ، إنْ لم نقل في بعض الحالات من العداء. لم يصل الغرب ولا المجتمعات الإسلامية بعدُ إلى أرضية مشترَكة على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية وغيرها. وكل ما بُذِل لحد الآن ما يزال في المهد، ولم يتحقق شيء كبير كما كان متوقَّعا.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">الأمر الثاني هو التأخر الذي يبدو كما لو كان مزمنا في المنطقة الإسلامية (أتعمد تسميتها بالإسلامية لتشمل المناطق الممتدة إلى تخوم تركيا وغيرها). نجد أنفسنا أمام تخلف مزمِن لم يَعُدْ مجرَّد تخلف عَرَضي. فيما مضى كان هناك تخلف يمكن أن نسميه تخلفا مؤقتا في الزمن الذي كان يتم فيه الحديث عن &#8220;دول نامية&#8221; أو &#8220;قابلة للنمو&#8221;، لكن المنطقة تعاني اليوم من تخلف مزمِن، ولا تفتأ المسافة تتزايد، إنْ لم تظل ثابتة لا تَعرف أيَّ تقارب في الأفق المنظور. هناك تخلُّف على جميع المستويات. ماذا أنتج هذا التخلف؟ أنتج ظاهرة ثقافية غير طبيعية تتمثل في أن ما ينتَج في الغرب ثقافيا لا يُستوعَب في المجتمعات الإسلامية، وحتى إن استوعِب فبعد أن يصبح ماضيا في تلك المجتمعات. إذن نحن نلهث دون أمل في أن نَلحق يوما ما بالمعاصَرة لِمَا يَجري في الغرب. والمغرب ربما من بين إيجابياته أنه من الذين يَطمحون دوما إلى الحصول على آخِر ما أنتجه الغرب، رغم التأخر الموجود الذي نتحدث عنه دائما، ولكن هناك سعي دائب. بينما في مجتمعات أخرى نعلم أن هذا التأخر ليس مستوعَبا وليس هناك إدراك لخطورته. في هذا السياق تأتي ظواهر فلسفية معيَّنة: الماركسية والوجودية وغيرها من الحركات الفكرية، كيف ظهرت في الغرب؟ كيف انتقلت إلينا؟ سنجد أنها ارتبطت بهذه العناصر التي ذكرنا. فلسفات ما بعد الحداثة بدورها تندرج في هذا الاتجاه. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">بيد أن لي ملاحظتين في هذا الباب: الملاحظة الأولى هي أن هذه التجديدات التي عَرَفها الغرب لا يجب أبدا أن تَحجُب عنا أن الإنتاج الغربي متنوع، فنحن نتوهم أن الجديد يَنفي القديم أوتوماتيكيا أو تلقائيا، وهذا خطأ في فَهْم الغرب. فالكثيرون يَتصورون مثلا أنه لا وجود في الثقافة الغربية المعاصرة للاتجاهات الدينية، مادام الغرب قد تجاوزها. هذا كلام لا معنى له، إذ في الفلسفة الغربية تجد تنوعا؛ هناك اجتهادات جديدة، وإضافات جديدة، ولكن هناك باستمرار تيارات متنوعة جدا: هناك تيارات كلاسيكية، كالأرسطيين والوسطويين وغيرهم.. إذن فتعامُلنا مع الفلسفة الغربية يجب أن يكون في نطاق انفتاح حقيقي، ما دمنا في وضعية تسمح لنا باستيعاب كل شيء والاستفادة من كل شيء. علينا أن نمحِّص ما هو الأكثر إيجابية بالنسبة للنشاط الفلسفي اليوم. ثم علينا أن لا ننسى الأساسي الذي أدى إلى هذه النتائج في الغرب وهَيَّئَهَا ومَهَّد لها. فالبقاء فقط في النتائج هو كالبقاء فقط على مستوى الاستهلاك دون الطموح إلى عملية الإنتاج نفسِها. إذا كنا نطمح إلى الإنتاج، فإن علينا أن نتساءل عن الوسائل التي هَيَّئَها الغرب، والتي استطاع بفضلها خَلقَ هذه الإنتاجات الجديدة. هذه الوسائل ليس فيها التغيُّر الكبير الذي نتوهم. فلو تأملنا مثلا تعليم اللغات، سنجد أن مدرسة شارتر الفرنسية بباريس ما تزال قائمة منذ نابليون إلى الآن، وهي من المدارس المهمة والجيدة والرفيعة جدا في مجال تدريس اللغات القديمة. ومعظم الأعلام الذين تخرَّجوا منها يضطلعون بعمليات ترجمة وتحقيق النصوص. هذه بعض الوسائل التي تساعد على فهم التراث وتَمَثلِه وإنتاج تراث أو عمل وازن ذي قيمة. هل نملك مثل هذه الوسيلة؟ </span></p>
<p><span lang="AR-SA">لو انتقلنا إلى ما بعد الحداثة نفسِها، فإننا سنلاحظ وكأن تاريخ الغرب المعاصر ينطوي على سلسلة مستمرة من الثورات: ثورة في العلوم الإنسانية، ثورة الاتصالات، ثورة التكنولوجيا.. ففلسفة ما بعد الحداثة تضعنا أمام النتائج التي أدى إليها التجديد الغربي الشامل في أهم مجالات وحقول العلوم الإنسانية، سواء في مجال اللغة، أو الإبستمولوجيا، أو التواصل والاتصال، بل وحتى على مستوى العلم والإعلاميات. إن هذا الميدان الذي نسميه بما بعد الحداثة قد نَرى له وجها مهما جدا بالنسبة لنا، لأنه يَحُلُّ مشكلة الإمكانيات الضئيلة عندنا. فالتطور التكنولوجي والعلمي أصبح في بعض الحالات يسد كثيرا من الثغرات والعجز في الإمكانيات.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">كما أن هذا التطور الحادث في العلوم الإنسانية يفيدنا اليوم في دراسة تراث آخَر ليس هو التراث المكتوب، وهو ما يُسمَّى بالتراث الأنثروبولوجي في مجتمعاتنا، وهو تراث غني أيضا. ولعل أحد أسباب فشل العديد من مشاريع التنمية والكثير من البرامج الثقافية اليوم هو عجزُها عن الدخول إلى هذه المناطق، بحيث تظل المدن، أو بعض الأطراف من المدن فقط، هي التي تستطيع أن تساير ركب التطور، أما الباقي فيظل يمثل دائما هذا الخزان الهائل من المخلفات التاريخية. هناك مثلا الثقافة الشفهية، علما بأن هذه الوسائل، مثل الإعلاميات ودراسة اللغة، تَسمح اليوم بإعادة تقويم هذا الإنتاج الأنثروبولوجي الشفهي الذي أبدعته هذه المجموعات البشرية التي تشكل في البوادي المغربية مثلا نسبة هائلة جدا. ولا شك أن ذلك من شأنه  المساهمة إيجابيا في إخراج البادية من عزلتها الثقافية، وأيضا العودة بهذا التراث إلى النشاط الثقافي، ومن ثم إدماجه كمادة للبحث العلمي. فهذه ربما تكون قنطرة نحو إدخاله إلى الجامعات كمؤلَّفات وكمصادر، أو تحويلِه إلى مصادر لأبحاث علمية أخرى. بهذا المعنى، يمكن أن نَرى أنفسنا أمام دور مهم جدا للبحث العلمي في استعمال هذه الوسائل دون أن نظل مقيَّدين بالسياج التقليدي للقِيَم والمُثل والمبادئ. مع امتلاك القدرة على مراجعة المفاهيم الرئيسية&#8230; </span></p>
<p><span lang="AR-SA">وعلاوة على ذلك، فإن فلسفات ما بعد الحداثة يمكن أن تفيدنا أيضا في فهم التراث المكتوب. وعندنا تراث كتابي إسلامي لطالما أقصيناه بدعوى أنه لا يندرج ضمن الثقافة العقلانية الرسمية، كالكتابات الصوفية مثلا. هناك تراث صوفي كبير يمكن قراءته فلسفيا، ويقدِّم عوالِم من الصعب أن تحلَّل بالطرق التقليدية، ولابد من استعمال منهجيات جديدة تنبني على هذه المقاييس والمعايير المتداوَلة الآن. ثم إننا نرى أن التراث الفلسفي الإسلامي يتفاعل، شئنا ذلك أم أبينا، مع مجالات لغوية مختلفة (يونانية، سريانية، عِبْرية، لاتينية&#8230;). هذا التفاعل ليس مجرَّدَ انتقال فقط، ولكنه أيضا انتقال يَخضع لقواعد معيّنة لهذه اللغة أو لهذه اللغات المختلفة التي يتفاعل معها. وهنا يبدو أن هذا التواصل الذي يحققه هذا النص يمكن أن يساهِم في تحقيقِه بالوسائل التي يوفرُها. لكننا نأمل أن لا تكون ما بعد الحداثة وسيلة لتخريب الفلسفة، بل لتعضيدها ومحاولة لحل مشكل التواصل الذي كان دائما مشكل الفلسفة قديما حتى تنتقل إلى الجمهور العريض. ونأمل أن تستفيد الفلسفة الإسلامية والفلسفة عموما في مجتمعنا من هذا التواصل مع الجمهور العريض، وأن لا يُستعمَل ذلك لضرب الفلسفة وجعل التواصل مقصورا فقط على الصور الرديئة.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">هذا كل ما يمكن أن تقدمه لنا فلسفة ما بعد الحداثة، لأنها تفتح آفاقا أوسع لم تكن تفتحها من قبل الفلسفات القديمة السابقة عنها.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><strong>الصـورة</strong></span></span><span lang="AR-SA">: ما فتئ سؤال الهوية الثقافية في مجتمعاتنا موضوعا خلافيا منذ فجر النهضة العربية. فإذا كان السواد الأعظم من الناس لا يأبه لمثل هذا السؤال الوجودي، لأنه لا يجد أيَّ حرج في الجمع بين ثقافات وسلوكات ذات مشارب مختلفة وأحيانا متناقضة، فإن المثقفين عموما، والمفكرين المنظرين منهم على وجه الخصوص، قد بالغوا في الدفاع عن مفاهيم متناقضة للهوية؛ فمنهم من يزعم أنها تنحصر في البُعد الديني، ومنهم من يضيف إليها عنصر الثقافة العربية، ومنهم من يضيف عنصر الثقافة الأمازيغية، ومنهم مَن لا يَستثني منها عنصر الثقافة الغربية الحديثة.. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">        ـ ألا ترون أن فكرنا العربي المعاصر لم يتجاوز بعد الإشكالية الكلاسيكية بخصوص سؤال الهوية، تلك الإشكالية التي يمكننا أن نميز فيها بين توجهين أساسيين: توجه سلفي محافظ يرفض الثقافات والعلوم الواردة من الخارج باعتبارها علوما دخيلة ـ مع بعض الاستثناءات ـ يمثله الأصوليون والفقهاء وبعض المتكلمين.. وتوجه يَقبل الأخذ بالعلوم الدخيلة والتحاور معها، على قدم المساواة مع العلوم المسماة بـ&#8221;الأصيلة&#8221;؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA">        ـ ما رأيكم في هذا الموضوع الخلافي؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span lang="AR-SA">  <span style="text-decoration: underline"><strong>د. ألوزاد</strong></span>: الحق أنني لا أرى في مسألة الهوية دائما سوى شيء من الانحراف. أعني أنّ مَن يَطرح المسألة ويَضَعُها في قلب هواجسه إنما يسعى باحثا في سياق نوع من الانحراف عن الهوية الإنسانية. فحين نبحث عن هوية أخرى، يبدو أننا نتجه اتجاهات غير مأمونة العواقب. فعندما بدأ الألمان يبحثون عن الهوية الألمانية، ظهرت النازية. الإنسان يملك هوية، هوية واحدة يُمْكن إغناؤُها في كل مكان وزمان. وكل محاولة أخرى إنما هي محاولة لتغييره وتحويله إلى أداة داخل منظومة جماعية أو دينية أو عقائدية، وتيْسِير استعمالِه في هذا المخطط وإخضاع ضميره وأفكاره ومُثله لمُحاسَبات ولِما شاكل ذلك من أشكال القهر والاستعباد. إن فتح باب الهوية هو فتحٌ لباب خطير جدا، تماما كبابِ الأصالة، من شأنه أن يؤدي إلى العديد من التمايزات، وإلى رفض الآخَر، وإلى استعبادات، وتعسفات، وتعصُّب، وإقصاءات. فمسألة الهوية يجب أن تؤخَذ بحذر، وإذا استعمِلت فينبغي أن تستعمَل بنوع من الضبط.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span style="font-family: Times"> </span>&amp;<span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><strong>الصـورة</strong></span></span><span lang="AR-SA">: الهوية حين تتحول إلى </span><span lang="AR-SA">انتماء فإنها تنطوي على نوع من الثبوت الذي يُحِيل إلى مميزات ميتافيزيقية&#8230;</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span lang="AR-SA">    <span style="font-size: large">    </span></span><span style="font-size: large">  <span style="text-decoration: underline"><strong>د. ألوزاد</strong></span>: هذه الأشياء تعود بنا إلى أرسطو وإلى مبدأ الهوية، وهذا على كل حال خطأ كبير وخطير. في الحقيقة، إن الاتجاه حاليا يسير نحو رفضها، لأن الاتجاه الحالي هو أن نقول إن الأصل في الإنسان لا يملك هوية لغوية ولا هوية منطقية، لأنه هذا هو الأساس الذي يمكن أن يحرِّر الإنسان، لأنه ما إن تقول مثلا إن الإنسان حيوان عاقل، ونفترض للعقل مثلا معايير معيّنة ومنطقا معيّنا، وكلُّ مَن خالفها لا يُعتبَر إنسانا، إلا وتبدأ التمايزات للتي سَبَّبت مآس إنسانية لا حصر لها. وليس مما يشرِّف الحضارة أو المجتمعات المعاصرة، ولا مما يشرِّف أية حضارة أن تزعم أنها تمثِّل أو تشكِّل هوية. وحتى الدين نفسُه لا يشرِّفُه أن يَكُون هوية، بل الدين قناعة وانتماء إلى دعوة لا حدود لها. والإيمان يجب أن يُترَك لإرادة الفرد ولنفسِه ولضميره، ولا مجال لأن يصبح وسيلة للإرغام، أو قرارات يتبعها الناس بدعوى أن هذا لصالحهم، وأن هذا يمثلهم وهذا لا يمثلهم. فهذه بدون شك كلها وسائل غير إنسانية، أو بالأحرى وسائل فاشية إن صح التعبير.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large"> </span></span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><strong>الصـورة</strong></span></span><span lang="AR-SA">: لو التمسنا منكم التفضل بكلمة تقويمية نقدية في حق التوجه الثقافي العام الذي اختارته المجلة، فماذا تقولون؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span lang="AR-SA"> <span style="text-decoration: underline"><strong>د. ألوزاد</strong></span>: هذا المشروع اعتبرتُه في حينه ومنذ انطلاقته بمثابة مغامرة، لأننا ندرك الصعوبات التي يواجهها كل من تصدى لفكرة من هذا القبيل. هناك صعوبات جدية الآن، والإعياء الذي بدأ يصيب النشاط الثقافي في المغرب لم يُعالَج لحد الآن. الدعم لا يزال ضعيفا ومتواضعا ومحدودا، ولا يرقى إلى ما يجب أن يكون. ولذلك لا يسعني إلا أن أنوٍّه بهذه التجربة، وأن أقدِّر هذا الصبر الذي يتحلى به الذين أصدروا هذه المجلة/المشروع وسهروا عليها، رغم الصعوبات والتكاليف التي نعرف أنها ليست سهلة.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة للتوجه الثقافي العام، فلعل الإيجابي والجديد في هذه المجلة، بالمقارنة مع بقية المجلات، أنها استطاعت لأول مرة أن تخصِّص قسما دائما للعمل وللبحث الفلسفي، وأن تحرص عليه بانتظام دائما في أعدادها. ونحن عَهْدُنا بالمجلات الثقافية العامة أنها لا تَحرص على ذلك بدعاوي مختلفة. وما آمُله بالنسبة لمستقبل هذا المشروع هو أن تتاح له الإمكانيات للاستمرار، وهذا يقتضي أن يُتاح له فريق مستمر ودائم من المتخصصين. أعني أن يستمروا كفريق يهيِّءُ المجلة، ويتفرغ لها، ويحرص دائما على ظهورها في حينها حتى تكون على موعد منتظم مع القارئ.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span lang="AR-SA">     </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times"> </span></span></p>
<p align="right">
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7-2/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>2</slash:comments>
		</item>
		<item>
		<title>حوار مع الدكتور محمد ألوزاد- الجزء الثاني</title>
		<link>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7/</link>
		<comments>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7/#comments</comments>
		<pubDate>Wed, 06 Jun 2007 04:14:00 +0000</pubDate>
		<dc:creator><![CDATA[عزيز بوستا]]></dc:creator>
				<category><![CDATA[علوم إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[غير مصنف]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة الصورة]]></category>
		<category><![CDATA[مختلفات]]></category>
		<category><![CDATA[منشورات]]></category>
		<category><![CDATA[ندوات وملتقيات]]></category>
		<category><![CDATA[محمد آلوزاد]]></category>
		<category><![CDATA[محمد ألوزاد]]></category>
		<category><![CDATA[محمد الوزاد]]></category>

		<guid isPermaLink="false">http://afaktarbawiya.maktoobblog.com/356066/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7/</guid>
		<description><![CDATA[حوار مع الدكتور محمد ألوزاد حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثاني &#160; وهو آخر حوار أجري مع المرحوم د. محمد ألوزاد قبل وفاته  بأشهر، ونُشر ب&#60;مجلة الصورة- مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي&#62; السنة الرابعة ، العدد الرابع، شتاء 2002، دار النشر المغربية بالدار البيضاء         أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي   [&#8230;]]]></description>
				<content:encoded><![CDATA[<p align="center"><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: x-large">حوار مع الدكتور محمد ألوزاد</span></span></span></strong></p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Times;font-size: large">حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية &#8211; الجزء الثاني</span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Arial;font-size: large">وهو آخر حوار أجري مع المرحوم د. محمد ألوزاد قبل وفاته  بأشهر، ونُشر ب&lt;مجلة الصورة- مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي&gt; السنة الرابعة </span></span><span lang="AR-SA"><span style="font-family: Arial;font-size: large">، العدد الرابع، شتاء 2002، دار النشر المغربية بالدار البيضاء</span></span><span lang="AR-SA"><span style="font-size: small">        </span></span></p>
<p><span lang="AR-SA"><span style="font-size: medium"><strong>أجرى الحوار: عزيز بوستا / محمد الشلي</strong></span></span></p>
<p align="right"><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large"><strong>وأعيد نشره  ب: &#8220;مدارات فلسفية&#8221; مجلة الجمعية الفلسفية المغربية </strong></span></span></p>
<p align="center"><span lang="AR-SA"><span style="font-size: large"><strong>العدد 14 صيف 2006 دار أبي رقراق للطباعة والنشر بالرباط</strong></span></span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-family: Times"><span dir="ltr" lang="FR">p</span></span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">د. ألوزاد</span></span></strong><span lang="AR-SA">: </span><span lang="AR-SA">لتكن بدايتنا من مسألة التوحُّد، فالسؤال يكاد يدور حول تصور ابن باجة لمسألة التوحُّد. إن ما كتبته في زمن ما حول مشكل &#8220;الصعود&#8221; و&#8221;الهبوط&#8221; كان، في الحقيقة، جزءا من بحث يعود إلى أوائل التسعينات. وبدون شك، فإن الأمر أصبح يستحق اليوم أكثر من ذلك. ربما يحتاج الأمر إلى توضيح فكرة التوحُّد عند ابن باجة لنتبيَّن أنها مفهوم مستقل، أعني أنه يملك حمولة فلسفية متميزة لديه. يمكن القول إن التوحد جاء نتيجة لسؤال قديم كانت الإجابات عنه مختلفة في زمن ابن باجة. إنه سؤال الفلاسفة، ولكنه أيضا سؤال الصوفية، وقد يكون سؤال بعض المفكرين الذين انعزلوا أو اختلفوا مع محيطهم في تلك الفترة. السؤال هو: كيف يمكن للمرء أن يكون فيلسوفا، وأن يعيش في الوقت نفسه ضمن المدينة الجاهلة؟ وحينما أقول &#8220;الجاهلة&#8221;، فهذه الكلمة لها رنينُها الخاص عند ابن باجة، إذ تعني المدينة التي ينعدم فيها العلم النظري، المدينة التي لا تَعرف الفكر، أو التي تُعانِد أهل الفكر، أو تستبدل آراء أهل الحكمة بآراء أهل  الغَلَبَة وبالآراء الباطلة، والتي تُغَلِّب الاتجاه الجسماني على العقلي في العلاقات الاجتماعية. هذا هو السؤال الباجي، وهو سؤال يعكس الوضع السائد آنذاك، كما أنه يمثل سؤال المحيط الذي عاشه كل الحكماء والمفكرين الذين فضلوا العزلة، أو الانفراد، أو الاختلاف مع محيطهم. والأسماء يَعرفها الجميع في تلك الفترة مِنْ حياة المدنية الإسلامية. إنها محنة الخاصة التي ربما تشكل دراما تستحق يوما ما أن تُعْرَض بطرق فنية أو أدبية.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن جواب ابن باجة كان هو جواب الفيلسوف، وليس جواب الأديب. ولكن ليس جواب الفارابي، ولا جواب ابن طفيل صاحب &#8220;<strong>حي بن يقظان</strong>&#8220;، لأن جواب الفارابي كان جوابا يَنبني على أساس التسليم بإمكانية تحقق مدينة فاضلة بناءً على مقولة سياسية وُجدت في مجتمعه، هي المقولة الشيعية التي كانت تَرى أنّ دعوة الإمام يمكنها أن تغيِّر النظام الاجتماعي وأن تكون سببا في قيام تلك المدينة الفاضلة. الفرق فقط أن الإمام الشيعي يحقق التعاليم الشيعية، بينما الإمام الفلسفي يحقق المُثُل الفلسفية. هناك إذن عند الفارابي أمل في أن يَظهر هذا الإمام/الفيلسوف، تماما كما أن هناك أملا عند الشيعة في أن يَظهر الإمام الشيعي ليملأ الدنيا عدلا بعد أن مُلئت جُورا. وهذا نوعٌ من &#8220;المهدوية&#8221; في تفكير أبي نصر الفارابي. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة لابن طفيل، فإنه يتبنى القطيعة؛ يرى أنه لا مفر للحكيم من أن يعتزل، من أن يهاجر إلى الجزيرة، والجزيرة تعني أنْ يَقطع صلته بالمجتمع. إن ابن طفيل يستلهم النموذج الصوفي. لم يكن ذلك بغريب، فقط إن صاحب &#8220;حي بن يقظان&#8221; قدّم الأمر تقديما فلسفيا، فجَعَل أسباب العزلة أسبابا فلسفية، باعتبارها اتجاها نحو تطوير نظرة فلسفية للعالم.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما ابن باجة، فسيقدِّم تصورا آخر للتوحُّد، لا هو تصور ابن طفيل، ولا تصور الفارابي. تصور طريف مفاده أنه يمكن للحكيم أن يعيش في المدينة الجاهلة، وأن يكون، مع ذلك، حكيما. معنى ذلك أن الإنسان يعيش حياة &#8220;مزدوجة&#8221; إذا جاز التعبير. وإذا استعملنا اللغة الحديثة، سنقول إن الحكيم يَكون إلى حدٍّ ما &#8220;<strong>مغتربا</strong>&#8220;. وابن باجة نفسُه يَستعمِل كلمة &#8220;<strong>الغربة</strong>&#8220;، أعني أن الإنسان يعيش، من جهةٍ، وطنا بجسمه، ويعيش، من جهة أخرى، وطنا آخر بفكره. ولا يمكن أن يمتلك المرء أفقا فكريا وعقليا منفصلا عما هو رائج في محيطه. لاشك أن التوحد عند ابن باجة له شروطه، ويَفترض طريقة لبلوغ شكل من التعايش بين واقعين متناقضين. إنه يَفترض موقفا معيّنا من الجسم ورغباته، وَيفترض موقفا من الخيال والتخيُّل، ومحاسبة النفس، ويَفترض موقفا من العِلم. إن الإنسان عليه أن يتبع نظاما تعليميا أو هيرارشية تعليمية معيَّنة ليَبلغ بالعِلم المقامَ الذي يَسمح له بأن ينتقل إلى استشراف عالَم آخر، هو عالَم أو مرتبة السعداء. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">هنا يبدو أن مسألة التوحُّد تقدِّم لنا شيئا آخر، تصورا آخر للفلسفة لو رأيناه منعزلا لَمَا لمسنا فيه الشيء الكثير، أما لو رأيناه في ضوء التحول الفلسفي العام فسنلفيه بمثابة خطوة جريئة في اتجاهٍ حاسم ستسير عليه الفلسفة لاحقا، هو اتجاه تحرير الأفكار. ففلسفة الأفكار أو فلسفة التصورات التي ستهيمن منذ ديكارت، وهو الاتجاه الذي ستستقر عليه الفلسفة تدريجيا، وهو جَعْل الفيلسوف يعاني بصفة عامة من مشكل التواصل بينه وبين محيطه. فمن المعروف أنه منذ القرن التاسع عشر، سيستقر الرأي تدريجيا على وجود صعوبات في التواصل بين العالَم النظري للفيلسوف، وبين محيطه. هذه الخطوة الجريئة في التفكير الفلسفي الباجي لعلها تعتبَر من الخطوات التي ما فتئت تبهر القراء إلى اليوم في نصوصه. وأذكر هنا المستشرق الإسباني بالاثيوس </span><span style="font-family: Times"><em><span dir="ltr" lang="FR">Palacios</span></em></span><span lang="AR-SA"> الذي اندهش وهو يقرأ رسالة &#8220;<strong>تدبير المتوحد</strong>&#8220;، وهي من النصوص الجميلة جدا التي تنطوي على هذه الإيحاءات، دون أن ننفي أفقها الأرسطي. فعبقرية ابن باجة جَعَلت الأفق الأرسطي يَسمحُ بهذا القدر من التأويل. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بخصوص القول بأن فلسفة ابن باجة لاسياسية، أذكر أن أحد الزملاء كان قد قدَّم عرضا أشار فيه إلى هذه المسألة، وحَمَل على ابن باجة من هذه الزاوية، بحيث اعتبَرَه عدميا، وهو تكرار لِما ورد في مقالةٍ صَدَرَتْ بهذا الشأن ضمن أحد أعداد مجلة كلية الآداب بفاس. علينا أن نحتاط من مثل هذه الأحكام ما لم تستند إلى شيء من التعليل والتقويم القوي. فلو رجعنا إلى ما قاله ابن باجة في عدد من نصوصه، سنجد أنه من الصعب الحديث عن فيلسوف مضادّ  للتنظيم السياسي. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن ابن باجة سيشير إلى نص &#8220;<strong>الأخلاق إلى نيقوماخوس</strong>&#8221; لأرسطو، وسيقول إنه لا يمكن أن تكتمل السعادة؛ سعادة السعداء، ما لم تتحقق المدينة الفاضلة. هذه إشارة واردة لديه في &#8220;<strong>شرحه للكون والفساد</strong>&#8221; بوضوح جلي. كيف ستتحقق المدينة الفاضلة؟ لعله لا يشاطر الفارابي في حُلمه، ولكنه يبدو أنه يَنزع نحو الحديث عن ما يمكن أن نسميه اليوم بمدينة النخبة، أو مجتمع النخبة، وهذا على كل حال ليس ضد السياسة. فالعمل السياسي، أو الأنظمة السياسية كلها، بشكل أو بآخر، تسلِّم أو ترضخ لفكرة النخبة. المسألة تتحدد فقط بطبيعة هذه النخبة: هل هي نخبة مالية، أم اقتصادية، أم غيرها. المجتمع اليوم هو مجتمع النُّخَب. الفرضية تتحدث عن النخبة الفلسفية أو الحكماء، ولذلك هي التي يمنحُها ابن باجة الخلود، أما الباقي كله فلا يتمتع في نظره بخلودٍ ما. طبعا، إن الخلود الذي يتحدث عنه ابن باجة هو الخلود العقلي، لا الخلود الجسماني. ولهذا نجده يمنح للنخبة الفلسفية وزنا وشرفا في التاريخ الإنساني، ويعتبرُها الضامن لوحدة الإنسانية. وهكذا يمكن القول إنه، بالعكس، لديه رؤية سياسية أوسع. إنه يريد أن يَستبدل نخبة الأمراء والفقهاء في المدن الجاهلة بنخبة أخرى هي نخبة الفلاسفة. ثم لا ينبغي أن ننسى أنه كان وزيرا للمرابطين طيلة أزيد من عشرين سنة، وأنه لم يكن غريبا عن المجالات السياسية، وإشارته في &#8220;<strong>تدبير المتوحد</strong>&#8221; إلى انقراض الدول، وإلى الأسباب التي تؤدي إلى هذا الانقراض، تنم على أنه لم يكن غريبا عن التأمل السياسي. وبالتالي من الصعب أن نقول إن فلسفته فلسفة لاسياسية.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصـورة</span></span></strong><span lang="AR-SA">: من خلال استقراء ما راكمتموه من إنتاجات فلسفية عبر مسيرتكم العلمية الطويلة، يلاحِظ المتتبع أن لديكم شغفا وعناية خاصة بالتراث الفلسفي لمنطقة الغرب الإسلامي. هكذا اشتغلتم على نماذج من أقطاب هذه الفلسفة، بدءا من ابن مسرة، إلى ابن باجة، مرورا بابن تومرت، ثم ابن رشد&#8230; ما هي الدواعي والعوامل التي حركتكم نحو هذا الاختيار؟ هل يتعلق الأمر لديكم بأسباب وطنية نابعة من الرغبة في إعادة الاعتبار لفلسفة الغرب الإسلامي، بالنظر إلى قلة الاهتمام بها قياسا إلى نظيرتها المشرقية؟ أم أن الأمر، بالأحرى، يتعلق بقناعتكم بوجود &#8220;خصوصية مميِّزة&#8221; لهذه الفلسفة؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">بخصوص الاهتمام بفلسفة الغرب الإسلامي، لا زلتُ أتذكر كلمة لأحد الدارسين المشارقة، حينما صرح، ونحن ما زلنا طلابا بكلية الرباط، قائلا: لماذا يهتم غيركم بتراثكم وأنتم عنه غافلون؟ فمَن يُنكِر هذه القضية يُنكِر واقعَه أيضا. نحن أقرب إلى هذا التراث، ليس بالصفة الوطنية، أو بالمعنى الضيق والشوفيني. فأنا شخصيا لا أميل إلى مثل هذه النظرة، ولكنني أعتبر نفسي منتسِبا لهذه المنطقة كلها، أقصد المغرب والأندلس. فهناك نَسَبٌ لهذه المنطقة يَفرض عليّ بعض الواجبات، منها الاهتمام العلمي بها. ليس فقط بتراثها الفلسفي، فلو كنت في ميدان تخصصيٍّ آخر لكانت عنايتي بالمنطقة من هذه الزاوية التخصصية؛ جغرافيتِها مثلا، أو العناية بطقسها، وهكذا. لنقلْ إن ترتيب الأولويات تفرضه أو تساهم فيه، على كل حال، أسبابٌ تعود نوعا ما إلى المُسَاكَنَة أو المواطَنَة. واليوم، الدرس نتعلمُه من إسبانيا التي استطاعت أن تتجاوز جامعاتُها الحاجز التاريخي الذي كان يَحُول دونَها ودون العناية بتاريخها الإسلامي. فأصبح هذا التاريخ اليوم يُدرج في جامعاتها، ويُعتنَى به، ويتولاه مختصون، وتُخصَّص له ميزانيات هائلة وأبحاث مهمة، على أساس أنه مِلْكٌ للشعب الإسباني، بغض النظر عن الخلافات التاريخية والسياسية، ما دام قد نشأ على أرض هذا البلد وساهم فيه رجالُها وجيرانُها أيضا. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">هذا جانب لا يمكنني أن أنكره أبدا. وأعتقد أننا سنكون مخطئين جدا لو أسندنا مثل هذه المهام إلى الآخرين، أو انتظرنا أن ينجزَها غيرُنا بالنيابة عنا. أعتقد أن الجامعة المغربية قد أَهدَرت الكثير من الطاقات حينما لم تهتم بالكثير مما كان يجب أن تَهتم به بالنسبة لموقعها الجغرافي. فما يقال ويُكتَب بصدد عبقريةِ المغرب والمغاربة، أعتقد أنها عبقرية تكمن في المكان بالدرجة الأولى؛ فموقعُه الجغرافي يمثل في تاريخه وفي مستقبله الشيء الكثير. فالمغرب لا يملك ثروات ضخمة، ولكنه يملك هذه الميزة الجغرافية التي يجب أن تَفرض نفسَها على جامعاتنا وعلى أبحاثنا. كان يُفترَض أيضا أن نمتلك اليوم </span><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">–</span></span><span lang="AR-SA">ليس فقط عن الماضي بل حتى عن الحاضر- أن نمتلك معاهد ومراكز للبحث في المنطقة الإسبانية، وفي تاريخها المعاصر من جميع الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها. والأمر نفسُه بالنسبة لجيراننا المغاربيين، وأيضا بالنسبة لجيراننا الأفارقة في الجنوب. وللأسف، فإن الجامعة لدينا لا تمارس هذا الدور، ما تزال بعيدة عن تحقيق هذا الطموح، ولا تلبي الحاجيات التي يفرضها الواقع المغربي الجيوسياسي. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">بقيت مسألة أخرى، وهي هل هناك ما يحركني شخصيا لأحتضن هذا الاتجاه؟ هناك بدون شك أمور أخرى حركتني أيضا في هذا الاتجاه، منها اتصالي عموما بباحثين في هذا الميدان، هذا الاتصال كان له أثر كبير على الاتجاه الذي سلكتُه. وفي المقام الأول بدون شك صلتي بباحثين هنا بالمغرب وبفرنسا ممن أيقظوا لديَّ هذا الاهتمام، وأيقظوا لديَّ في الوقت نفسه اتجاها نقديا معيَّنا. لا أقصد فقط الأعمال التي أنجزتْ في إطار الفكر الإسلامي، ولكن حتى في الإطار الغربي نفسِه، حيث لاحظتُ أنها، حتى في سياقها، لمْ تَأخُذ ولمْ تَكتسِب القيمة التي كان يجب أن تحظى بها. إن الغرب الآن قد بدأ يَتجاوز هذا الوضع مع ظهور مجموعة من الباحثين الذين بدأوا يحاولون إنارة الرأي العام بهذا النمط من الأبحاث. ويُتوقع يوما ما أن تساير الجامعات الغربية هذا النمط من الأبحاث، خصوصا تلك التي تَحْتَضِن جاليات إسلامية، أنْ تسايِر هذا الاتجاه في إنارة الفكر الفلسفي الإسلامي ومنحِه موقعا عالميا في تاريخ الفلسفة، حتى لا يظل هذا القصور الملاحَظ دائما لدى فلاسفة الغرب أنفسِهم في التعرف على الفلسفة الإسلامية. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة لمسألة &#8220;القطيعة&#8221;، فإن لها تاريخا يعود بنا إلى خلافات جرت خلال إحدى الندوات بكلية الآداب بالرباط، سينطلق منها جدال آخر ما بين المشرق والمغرب اليوم، خاصة بعض المشارقة الذين أغضبتهم أو أزعجتهم الفكرة. أنا شخصيا لا دَخْلَ لي كثيرا في هذا السجال؛ لأنني لا أزعم أنني مصلِح، لأن كل هؤلاء تقريبا يزعمون أنهم مصلحون، لا يصلحون الفكر فقط ولكن يصلحون المجتمع. وزَعْمُهُم مبنيٌّ على أساس أنه إذا تحقَّق إصلاحُ الفكر عبر دعوات أو تأليفات معيَّنة، يمكن أن يحَقِّق المجتمع تطورا. هذه أطروحة معروفة. طبعا، كانت الماركسية تقول إنه إذا أصلِحت الأوضاع الاقتصادية للطبقة العاملة وللفئات الكادحة يمكن أن يتم إصلاح المجتمع. هذه المقولة الماركسية تُستبدَل هنا بمقولةٍ ربما فيها شيءٌ من المثالية القائلة بأن إصلاح الفكر ربما يُعتبَر مقدمة لإصلاح المجتمع وإخراجه من مرحلة الانحطاط. أنا ليست لديَّ هذه النزعة، وأحترم أصحابَها. فبالنسبة لي، أولا أنْ أحمل معي فكرة القطيعة منذ البداية، هذا في اعتقادي أمر غير علمي. فحينما أفحص أيَّ نص إسلامي، هل أجد عند أبي بكر ابن باجة أو عند ابن رشد مثلا هذا النوع من الانفصال، أو شيئا من هذا القبيل؟ هل هناك مسار ثقافي أو تقليد فلسفي متمايز يرقى إلى مستوى القطيعة؟ شخصيا لم أقع بعد على ما يثبت ذلك. هل يمكن أن يمثل أيُّ نقد أو أيُّ خلاف عنصرَ فصل وانفصال؟ هذا أمر لا تؤيده الوثائق، ولا تسنده المعطيات الحالية، ما لم يَحْصُل جديد مستقبلا. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">وحول دلالات الصراع أو المواجهة بين التيار الفيضي للفارابي ولابن سينا من جهة، وبين التيار العقلاني لابن باجة ولابن رشد من جهة أخرى، لا نملك ما يؤيد أية أطروحة، ولا نملك ما يؤيد، حتى في تاريخ الفلسفة، أن تيارا أفضل من تيار. فتجربة البحث الفلسفي في تاريخ الفلسفة، تكشف لنا أن العقلنة نفسَها تختفي وراء اللاعقلنة، وأن شيوع تيار معيَّن لا يلغي التيار الذي سبقه وبُنِيَ على نقده. فلا يمكن مثلا أن نرجِّح أرسطو على أفلاطون في تاريخ الفلسفة. لا شك أن الأفلاطونية لعبت دورا هاما، فالكثيرون لا يَعرفون أن ديكارت أفلاطوني، إنه انتقام لأفلاطون على أرسطو الذي هيمن على العصر الوسيط، فجاء ديكارت ليُعيد الاعتبار لأفلاطون، فكانت الحداثة الفلسفية. إذن، جاءت الحداثة عن طريق &#8220;الأفلاطونية&#8221;. فلو نظرنا إلى هذه المسألة من منظور العقلاني واللاعقلاني لَمَا كان الأمر مستساغا. ففي تاريخ الفلسفة، من الصعب جدا أن نضع أنفسنا في موقع تفضيلي أو ترجيحي لاتجاه بعينه على حساب غيره من الاتجاهات. هناك معايير أخرى أكثر علمية من هذه. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ثم أخيرا وبهذه المناسبة، أعتقد أن الوقت قد حان للباحثين في الجامعات المغربية أن يتخلصوا تماما من فكرة &#8220;المثقف/النبي&#8221;. يجب أن تنتهي هذه الأطروحة التي تعود إلى زمن النضال منذ قرن على الخصوص، بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. هذه الأشياء قد أصبحت الآن متجاوزَة كثيرا. فاليوم أصبحنا  نتحدث عن المثقف/الخبير، المثقف/المتخصص، المثقف المتواضع الذي يدرك حدود عمله ويَعرف أين يجب أن يقف. علينا أن نحترم هذه الآفاق، وأن نسمح لفاعلين آخرين لهم شروط أخرى للعمل لا يمكن للمثقف أن يتولاها أو أن يَحُلّ محلهم فيها. واعتقاد بعض المفكرين أنهم يشكلون &#8220;ضمير الأمة&#8221; أو يمثلون &#8220;رموزا خالدة&#8221;، هذه أشياء تبدو لي غير ذات قيمة. ومن النادر أن تتوافق أحكام الحاضر مع أحكام المستقبَل الذي لا تنقطع تحولاته.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصـورة</span></span></strong><span lang="AR-SA">: يقول الأستاذ طه عبد الرحمن في &#8220;<strong>حوارات من أجل المستقبل</strong>&#8221; (منشورات الزمن، عدد 13 أبريل 2000، ص: 84): &#8220;فلئِنْ صحَّ أنْ نقول بأنّ ابن رشد فقيهٌ وفيلسوف معا، فلا يصحُّ أنْ نقول بأنه فقيهٌ فيلسوف، لأن هذا يفيد أنّ تكوينَه الفقهي قد أثمر لديه اجتهادا فلسفيا خاصا&#8230; فلا أثر عنده لحكمةٍ متميزة تَستمد مبادئَها، أو، على الأقل، روحَها من ممارستِه الفقهية والشرعية. كما لا يصحُّ أن نقول بأنه فيلسوفٌ فقيه، لأن هذا يفيد أن تكوينه الفلسفي قد أفضى به إلى استخدام معارفه الفلسفية في المجال الفقهي&#8230; باختصار، إن <strong>ابن رشد لم يبدِع في الفلسفة عن طريق الفقه، ولا أبدع في الفقه عن طريق الفلسفة</strong>&#8220;.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ هل تتفقون مع هذه الأطروحة؟ وهل صحيح أنْ لا تأثير لممارسة ابن رشد الفقهية في تفكيره الفلسفي؟ أَوَ لمْ يكن لفلسفته تأثيرٌ على باقي الحقول المعرفية الأخرى التي اشتغل بها؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">مثل هذه الأطروحات تدخل ضمن تأويلات معيَّنة. إن الأستاذ طه عبد الرحمان يَحفل تاريخُه العلمي بدون شك بأعمال جادة على مستوى التحليل والتنقيب، ولغته تسمو بالقارئ إلى مستويات من الفهم لا ترقى إليها لغات أخرى. ولكن مثل هذه الأحكام الشاملة على فلسفة الفيلسوف تحتاج إلى نوع من التحفظ. فمن الممكن أن نقول إن عددا من أعمال ابن رشد التي أمكننا الاطلاع عليها اليوم قد لا نجد فعلا للفقه فيها موقعا، ولكن من الصعب أن يمتد هذا الحكم ليشمل ما لم نستطع إلى اليوم أن نحققه أو نفحصه، بحيث أن مثل هذا الحكم يتطلب على كل حال وجود نشرة نقدية وعلمية لسائر ما أنتجه ابن رشد لتسمح لنا بذلك. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ولكنني لا أدري بالضبط ماذا يقصده الأستاذ طه بتأثير الفقه في الفلسفة؟ لأن هناك معنيين للتأثير: هناك من جهة معنى يمكننا أن نقول إنه مجرّد أثر لعِلمِه بالفقه، ينعكس في أسلوبه وطريقة تعبيره. وأعتقد أنه من الصعب للأستاذ طه أن يُنكر أن عددا من رسائل ابن رشد وُضِعت في نسق فقهي، أو قدِّمت بأسلوب فقهي. فتقسيم القضايا كما يقسمها الفقهاء يقسمها ابن رشد بنفس النظام، وهذا شيء نجده مثلا في &#8220;<strong>فصل المقال</strong>&#8221; المشهور، وهو نموذج مصغَّر للفتوى الفقهية. لكن هل كان للفقه أثر أعمق في مذهب ابن رشد؟ أنا أؤيد الرأي القائل بأنه ليس للفقه صلة بالفلسفة، ولكن لا بمعنى أنه لا يمكن أن يكون للفقه دور فلسفي أصلا. لعل الأستاذ طه يرى أن للفقه دور فلسفي، لكنه لا يرى أن له هذا الدور في فلسفة ابن رشد مثلا. أنا لا أعرف بالضبط السياق الذي وَرد فيه هذا القول، ولكني أقبَلُ منه أنّ الفقه ليس له دور في فلسفة ابن رشد، وهو أمر تؤيده الوثائق المتوفرة حاليا، ولكني لا أستطيع أن أسلِّم معه –في حدود علمي- أن الفقه يملك أيّ دور فلسفي، لسبب رئيسي هو أننا لا نملك ما يُسمَّى بفلسفة الفقه أو فلسفة القانون. فالإسلام لم يَعرف شيئا اسمه فلسفة القانون، أو فلسفة الفقه، أعني أن محاولة تقعيد المبادئ شيء ضعيف عندنا. ففي بنية التشريع الإسلامي، بُنيَ الفقه على مجرد استدلالاتٍ من مقدماتٍ معيَّنة فقط، ولذلك يقال دائما إنه عِلْمُ الظن. ننتظر ظهور فلسفة للفقه، وأن يكون للفقه فلسفة.. لست ضدّ أن يكون للفقه فلسفة. ننتظر من الأستاذ طه ومن آخرين أن يكشفوا الجوانب الفلسفية للفقه الإسلامي إذا كان يمكن الوصول إليها. فما لم تقدَّم مثلُ هذه المعطيات، فإن الأمر يبقى مجرد تخمين أو مجرد فرضية. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بخصوص التساؤل عما إذا كان للفلسفة تأثير على باقي الحقول المعرفية، فلا بد أن أضع ملاحظة أساسية في هذا الباب، وهي أن كثيرا من الباحثين عندنا، وخاصة المبتدئين منهم، غالبا ما يضيِّعُون أعمارهم تحت تأثير مثل هذه الأطروحة، حيث يتوهمون أن الفكر الفلسفي يندرج أو يمكن إدراجُه ضمن الفكر العام. هذه المقولة هي مقولة بنيوية من جهة، وكانت قد ظهرت في أعقاب الحرب، وتؤيدها اليوم اتجاهات مضادة للفلسفة نفسِها. وقد انتشرت كثيرا حتى لدى من يعارضون الفلسفة ويعارضون الفكر الفلسفي. فيَعيش الطلبة والباحثون المبتدئون هاجس جَمْع ما لا يَجتمع، ولمِّ ما لا يَلتئم. علينا أن نُقرَّ في البحث الفلسفي بما نُقرُّ به في سائر الميادين، أنه هناك صلات، ولكن لا فائدة للباحث في أن يخلط بين هذه الأمور؛ فسقوط جسم معيَّن ينبغي أنْ ندرسَه في نطاقه المحدود، لا أن نقيس تأثير المريخ في هذا السقوط. صحيح، قد يَحضر مثل هذا التأثير، لكن هذا لا يفيد البحث، وإنما قد يُفسده. الذين يبحثون مثل هذه الأبحاث هم كمن يَبحث مثل هذا البحث الشمولي المطلق.. فالفلسفة، مثلها مثل علم الفلك والعلوم التعاليمية وعلم الطب والعلوم التجريبية وعلوم الآداب، لها بعض الصلات والوشائج التي تربطها بعضُها ببعض، ولكن ما يَفْصِلها هو الأهم. والباحث عليه أن يحرص على ما يَفْصِل لا على ما يَتصِل.. فلا فائدة في البحث في هذه العلاقات التي لا تَعرِف حدودا، لأنها قد تنقلنا بدون نهاية من مفكر إلى مفكر؛ كأن نقول مثلا إن الغزالي قد أثَّر في ابن رشد، وأن الغزالي أثر فيه إمام الحرمين الجويني، ونَدخل في شبكة لا تنتهي. هذا لا يُغري الباحثين ولا يُنتج بحثا علميا. الفلسفة نمط من التفكير له استقلاليتُه وخصوصيتُه وحدودُه، على الباحث أن يحترمها ويعمل في نطاقها، في إطار زمني محدَّد. ولذا، إذا أردنا الحديث عن فلسفة أصولية علينا أن نرى أيَّ عمل يعبِّر عن هذه الفلسفة، أما ما يبدو أنه مجرد أثر، فهذه الأشياء يمكن الإشارة إليها في الهوامش، دون الدخول فيها، ودون الدخول في تطويعات اصطناعية مثل محاولات البعض جعل ما يقوله ابن رشد في الطب يَخضع له ما قاله في ما بعد الطبيعة. القدماء أنفسهم قد أدركوا الفوارق، وكان هناك أناس يقولون عنهم إنهم حكماء، وهناك من يقولون عنهم إنهم أطباء، وأناس يقولون عنهم إنهم موسيقيون، وأنهم يشاركون فقط في هذه العلوم. فحتى من استطاع أن يَجمع في بعض الحالات بين تخصصين، فذلك شخص متفرد، ويبدو كشخصين في جسم واحد، والباحث عليه أن يحترم هذه الفواصل والفوارق. وللأسف، أعرف بعض الأسماء التي استغرقتها هذه الاهتمامات في البحث، خاصة وأن هذا الاتجاه ينحو بصاحبه أيضا، منحى أخطر من ذلك وهو أن يتوهم أنه، وهو يبحث في كل هذه المجالات، يبحث في &#8220;فكر عربي&#8221;، أو يبحث في &#8220;عقل إسلامي&#8221; لا حدود ولا ساحل له.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">الصـورة</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">ألا يعود هذا إلى تأثر باحثينا بما أنجز في الغرب من دراسات شبيهة بهاته، كحديث ميشيل فوكو مثلا عن &#8220;الإبيستيميات&#8221; المميِّزة لعصر من العصور&#8230;الخ؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">إن الغرب في الواقع يغطي هذه النقائص. إنه يمتلك أرضية توثيقية قوية تسمح له بأن يَلمس كثيرا من الجوانب التي لا نستطيع نحن امتلاكها، فالولادات والوفيات مثلا، والمصحّات االعقلية وغير ذلك، كلها تتوفر على ملفات وعلى أرشيفات تاريخية يستطيع الباحث بفضلها أن يلقي نظرة ليَلمس كثيرا من طرق العلاج وغيرها، وأن يستطلع نظرة أفضل من نظرتنا نحن إلى المجتمعات الإسلامية التي لم تكن منشغلة بهذا ولا تدرك وسائله. ولكن المؤسف حقا هو أننا نعوِّل على مجرد كتب نظرية محضة، فنعتقد أنها تمثل، بالاستنباط المحض، حقائق مجتمعاتنا الوسطوية إلى حدود الصين. والحال أننا اليوم نعرف أنه حتى في مجتمعاتنا الراهنة، رغم وسائل الاتصال، هناك أناس كتبوا كتبا لا يعرفها أحد، وتراكمات لا نستطيع استقراءها.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">الصـورة</span></strong>: إذا كان ابن رشد ـ شأنُه في ذلك شأن باقي الفلاسفة المسلمين ـ قد عانى كثيرا من التأثير السلبي للسلطات الفقهية والسياسية في زمانه، فكيف تفسرون استمرار محاربة الفكر الرشدي في زماننا الراهن هذا بدعاوي ومسوِّغات ملتوية؛ كالقول بـ&#8221;أن الهدف البعيد من وراء هذه الدعوة (إلى الفكر الرشدي) هو <strong>بث روح العلمانية</strong> في نفوس المسلمين والعرب..&#8221; (طه عبد الرحمن: م. س، ص: 86)، أو القول بأن ابن رشد &#8220;<strong>مقلدٌ لأرسطو</strong>، بل ليس في فلاسفة الإسلام مَن هو أشدُّ منه تقليدا لفلاسفة اليونان..&#8221; (م. ن، ص: 90-91)، أو القول بـ&#8221;أن انبعاث الأمة العربية الإسلامية <strong>لن يكون عن طريق فكر ابن رشد</strong>، ولو استنفَر الرشديون عَدَدَهُم وعُدَّتهم كلها لِبَثه في النفوس، بالترغيب أو الترهيب..&#8221; (م. ن، ص: 92).</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ ألا يُعَبِّر هذا العداء الصريح لفكر ابن رشد عن استمرار تضييق الخناق على الفكر الفلسفي حتى من طرف بعض كبار المشتغلين بالفلسفة، فضلا عمَّن سواهم مِن غير المشتغلين بها؟ </span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">أعتقد أن الأستاذ طه عبد الرحمان خِرِّيج شعبة الفلسفة، ومن المتخصصين فيها، ومن المتشبعين بالروح الفلسفية. قد تكون خصومته مع ابن رشد ليست في الحقيقة خصومة مع ابن رشد ذاتِه، بل بالأحرى خصومة مع الذين يريدون إحياء ابن رشد. أعتقد أن هناك أمورا يصيب فيها، وهناك أشياء مَحَطّ جدال وسجال كلامي. ما أوافقه عليه، وما يهمني شخصيا، هو نقده للطريقة التي استعملها مَنْ يَنسِبون أنفسهم لابن رشد، خاصة في المشرق وبعض المغاربة. وهي طريقة غير علمية في التعامل مع النصوص الرشدية. أعني محاولة جعل ابن رشد ينطق بما يريده الباحث، لا بما هو كامن في النص. هذا نوع من التعسف في التعامل مع الأقوال الرشدية. وهو شيء حتى وإن تمَّ لأغراضٍ نبيلة، كنشر العقلانية والحداثة والعلمانية، كيفما كانت الغايات، فهو من الناحية العلمية غير مبرَّر، ولا يمكن أن نبرر هذا الخلط ما بين ابن رشد التاريخي وابن رشد كما نريد أن نوظفه اليوم. لكل إنسان أن يصوِّر ابن رشد كما يريد، فتاريخ الفلسفة كتاريخ الآداب يَسمح بذلك. فكل فيلسوف في الغرب له سقراطُه. هذا شيء معروف منذ أفلاطون إلى سارتر، كلٌّ له تصور معيَّن عن سقراط يمكن أن يُنشئه كما يريد، ولكن سقراط التاريخي لا أحد يجب أن يخالف في إشكاله التاريخي؛ أي الاعتراف بأن لسقراط تاريخ يكتنفُه غموض والتباسات وأشياء مبهَمة يسلِّم بها المؤرخون. والكل يَحترم سقراط التاريخي، و يدرك صعوباته، ويترك أمرَه للمؤرخين. المشكلة الحاصلة الآن، والتي قد تبرِّر أو قد تُسوِّغ ما يقوله الأستاذ طه عبد الرحمن، وإن كان في لغته ربما بعض القسوة، هو أننا، فيما يُكتب عن ابن رشد، لا نحترم هذا الفصل، حيث لا يَحرص هؤلاء على أن يقولوا للناس إن ما نقدمه لكم هو تصورنا وقراءتنا الخاصة لابن رشد، أما ابن رشد كما تَكتب عنه التواريخ، فللباحثين أن يقدموه لكم. بل على العكس، يُقال لهم إن ما نقدمه لكم هو ما كان عليه ابن رشد. في هذا المجال، يبدو أن للأستاذ طه عبد الرحمان بعض الحق في ذلك. فالفيلم السينمائي الذي أنجزه مثلا يوسف شاهين في السنوات الأخيرة حول محنة ابن رشد (شريط &#8220;المصير&#8221;) هو قراءة ممكنة، وتصور فني مباح. والبعض من الغاضبين لا يُعتدّ بهم، فالعمل الفني السريالي يمكن أن يَرسم ابن رشد بالطريقة السريالية، ولا أحد يمكن أن يمنعه من أن يُدخل ابن رشد في المِخيال الفني، وأن يُخرجه من التاريخ ليعيد قراءته كما يشاء، ولكن عليه أن يقول للناس بأن هذا العمل يمثل مُجَرّد قراءتي أو صورتي الشخصية لابن رشد. ولكن هذا لم يحدث. وللأسف، فمنذ كتاب فرح أنطوان (ابن رشد وفلسفته) إلى الآن، نجد الاتجاه الغالب هو محاولة تقديم ابن رشد كما لو كان بالفعل هو ابن رشد التاريخي. هذا شيء نرجو أن نتخلص منه مستقبلا، ومثل هذا المركز للدراسات الرشدية الذي نعمل فيه وغيرُه مهمته هو أن نحقق استقلالية لابن رشد التاريخي، ليُفتح المجال آنذاك أمام الخيال، أو أمام التصورات الفلسفية لتتمتع بمشروعيتها المستقلة. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما القول بأن انبعاث الأمة لن يكون عن طريق فكر ابن رشد، فإن من يَعتبر نفسَه مكلَّفا بانبعاث الأمة هو الذي يستطيع أن يجيب. الساسة يزعمون ذلك في لحظات تاريخية معيَّنة، ولكن كيف يمكن لباحث في ابن رشد كيفما كان، مصيبا أو غير مصيب، دقيقا أو غير دقيق، علميا أو غير علمي، أن يكون سببا في انبعاث الأمة! هذا شيء لا أفهمه. أعتقد أنه يتجاوز ما يمكن أن يحققه أيُّ مثقف أو أيُّ باحث أو أيُّ عالِم في تاريخ الإنسانية كلها. لعل النشاط العلمي والأدبي والفني في مجتمع ما يمكن أن يهيِّئ انبعاث الأمة، والاقتصاد أيضا يمكن أن يهيِّئ انبعاث أمة. الانبعاث مسألة ربما لها شروط أخرى. إذا زَعَم الرشديون غير ذلك فهُمْ مخطئون، وإذا زَعَم أيضا مَنْ يَردُّ عليهم أنه من يملك وسيلة لانبعاث الأمة فهو بدوره مخطئ، فالأمر سِيَان. لا ننسى بأن الدور الاقتصادي اليوم أصبح أخطر من الدور الثقافي بكثير، فالزمن الراهن يعيش طفرة اقتصادية تكنولوجية. هؤلاء الاقتصاديون، ربما، أوْلى بأن يَقُولوا إنهم يمكن أن يحققوا انبعاث أمة، ومع ذلك فإنهم لا يزعمون ذلك. فالاقتصادي العاقل متواضع جدا وتقديراته شديدة التواضع وتَحْكُمُها عدة شروط ومتغيرات، بل ربما قد تأتي الوقائع على غير ما كان يتوقعه، أو قد تسوء الأوضاع ولا تتحسن. فكيف يمكن، في وضعية أخرى ليست لها نفس الأهمية، أن نزعم أننا كفيلون بتحقيق انبعاث أمةٍ، بحتميةٍ ويقين مطلق؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصـورة</span></span></strong><span lang="AR-SA">: </span><span lang="AR-SA">ألا تلاحظون أن هذا التوتر الحاصل بين أطروحات واجتهادات الأستاذ طه عبد الرحمان وبين زملائه من الرشديين يؤشِّر على تفشي نمط من &#8220;حوار الصُّم&#8221; بين الأطراف الفاعلة في الحقل الفلسفي والثقافي ببلادنا، وبالعالم العربي عموما، حيث لا أحد يَقرأ لأحد، ولا أحد يكترث باجتهادات الغير. هذا فضلا عن استفحال ظاهرة نُدرة القراءة، إن لم نقل انعدامها في أوساط عموم المتعلمين. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ ما هو تعليقكم على هذه الظواهر السلبية، قياسا إلى تلك اللحظات المشرقة في تراثنا القديم، حيث الحوار الخصب والخلاق بين &#8220;التهافتين&#8221; مثلا أيام الغزالي وابن رشد؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">هذه مشكلة حقيقية فعلا. إن الوضعية السلبية التي تكابدها القراءة قد ابتدأت منذ السبعينات، حيث بدأنا نلاحظ بعض الانحدار في نسبة القراءة. وسوق تداول الكتاب ما فتئ الآن يؤشر على تراجع مخيف، وهو تراجع يرتبط بأوضاع المغرب. وإذا انتقلنا إلى مجتمعات إسلامية أخرى، فسنجد الوضعية أسوأ. ولكن وضعية القراءة في المغرب أصبحت حاليا تنذر بالخطر. أرى أن السوق الثقافية العامة في جميع البلدان أصبحت تهيمن عليها اليوم ثقافة الصورة، والناس تحوَّلوا إلى مجرد مشاهِدين سلبيين، يَهضمون ما يقدَّم لهم دون أيِّ نقاش أو استعمال لقدراتهم الذهنية.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">هناك جانب آخر يمكن أن نسميه بـ&#8221;الديانة الشعبوية&#8221; أو &#8220;الإسلام الشعبوي&#8221;. لا أقصد طبعا الإسلام بالمعنى العميق في التراث الإسلامي الأصيل، وإنما أقصد هذه المجموعة الهائلة جدا من الكتب والمبسَّطات وغيرها التي تحلِّل وتحرِّم وتَشِيعُ في أيدي القراء، تُبَسِّط لهم الأمور وتجسِّد لهم كل شيء، تَعِدُهُم بوعود مُغرية. هذه أيضا سوق رائجة. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">الأمر الثالث الذي لا يمكن إغفاله هو عامل الدَّخل الفردي؛ ففي المغرب يلاحَظ التفقير المتزايد للطبقة الوسطى. والاقتصاديون كلهم يُجمعون الآن أن المغرب أقدمَ على القضاء خلال الثمانينات على الطبقة الوسطى. فالطبقة الوسطى هي التي كانت وما تزال في المغرب تشكل سوق الكتاب، وهي التي تروِّج النشاط الثقافي، وهي التي تنفق على شراء الكتاب. وللأسف، فإن مداخيلها تتجه الآن إلى الانخفاض وتعاني من البطالة ومن القهر السياسي. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما فيما يتعلق بهذا النمط من حوار الصم المنتشر بين الممارسين للفلسفة وغير الفلسفة، فأعتقد أنه يَرجع إلى ظاهرة كان يَعرفها المغرب قديما في مدارسه العتيقة، وكان يَعرفها علماءه القدامى، أعني ظاهرة التنافس غير الإيجابي. وأذكر هنا على سبيل المثال أن أساتذة الجامعة قلَّ أن يُشيروا إلى كتاب لزميل لهم، وأعرف حالات كانت فيها الاستفادة قائمة والإشارة منعدمة</span><span lang="AR-SA">!</span><span lang="AR-SA"> وهذه كلها أوضاعُ تَنَافُس غير سليم في الجامعات، أعتقد أن حلها يكمن في تصحيح النظام الجامعي المغربي وإخراجه من الطريق التقليدي. أعني أن يُمنح الأستاذ الجامعي صاحبُ الكرسي فريقا للعمل يعمل معه، يوجهُه في أبحاثه، وينسق مسألة التضامن العلمي، ويَخلق هذه الروح الجمعية منذ بدايات السلك الثالث. فالشعور الذي يظل في النفوس ويكرس هذا التنافس غير المحمود، هو أن كل شخص يظن أنه خَطَّط لنفسه وحدَه، وأنْ لا فضل لأحدٍ عليه، ومن ثم، فإنه يتوهم نفسَه دائما على حقٍّ وأن الآخرون على باطل. وهذه ظاهرة نلاحظها حتى  في الاقتصاد الوطني المحلي في نُدرة الشركات المتضامنة خارج البنية العائلية، لأن كل واحد يعتقد أن هذا الإرث الذي يَنعم به قد حقَّقه بمفرده، وهو يَتماهَى معه ويَعتبرُه هويتَه ويَرفُضُ أن يشاركَه غيرُه فيه، ويَرفض أيَّ دَيْنٍ للآخَر عليه في هذه المجال. هذه الأمور يجب أن تتغير بتغيير نظام التعليم، وإلا، فمن الطبيعي أن تحدث في الجامعات ظواهر سلبية من هذا القبيل. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما الخلاف في المواقف والنقد المتبادَل، هادئا أو عنيفا، فكله أمر محمود. فالجامعة ما كانت إلا مكانا للخلافات المذهبية وللخلافات في وجهات النظر. ولو توفرت الشروط الصحية لكانت هذه الخلافات إيجابية ولأنتجت مدارس وأعمالا ترقى إلى مستوى مشرِّف. ولكن النظام الجامعي للأسف لم يَشهد تحولا إيجابيا في هذا الاتجاه، بل شَهِد تدهورا، خصوصا بعد ظهور شُعَب لا صلة لها بكلية الآداب، وتعود بنا إلى النمط التقليدي الذي يَجعل فكرة البحث العلمي نفسَها غيرَ واضحة. فهي إحياء ساذج للمدارس العتيقة، ولا شأن لها بفكر طه عبد الرحمن، رغم مزاعم خصومه. فطه عبد الرحمان إنما يخالِف في مصادر أو منابع التفكير الفلسفي، ولكنه يسلِّم بالتفكير الفلسفي وبوَجاهتِه وأهميتِه، وهذا شيء لا يجب إنكاره.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصـورة</span></span></strong><span lang="AR-SA">: في بحثكم الذي يحمل عنوان: “في الرشدية العربية المعاصرة، مقاربات &#8220;الكشف عن مناهج الأدلة&#8221; نموذجا” (ضمن مجلة: &#8220;<strong>مقدمات</strong>&#8220;، عدد 15، شتاء 1998)، قمتم بفحص نقدي لنموذجين متعارضين من القراءات العربية المعاصرة للفلسفة الرشدية، أحدُهما يمثل ما أسميتموه &#8220;<strong>القراءة السلفية</strong>&#8220;، وهو محمود قاسم، من جهة، وثانيهما يمثل ما أسميتموه &#8220;<strong>القراءة التنويرية</strong>&#8220;، وهو محمد عابد الجابري، من جهة أخرى. وقد انتهيتم إلى الخلاصة الآتية: “إذا كانت القراءة الرشدية السلفية تعاني من البُعد الفلسفي المشائي، وتريد أن تتخلص من مأزقه المُحرج عقائديا، فإنّ القراءة الرشدية التنويرية تعاني من الأفق الوسطوي لأعمال ابن رشد. كيف يَستسيغ هذا الأفق الدعوةَ لحرية العقيدة والفكر!</span><span lang="AR-SA">.. ورغم ذلك، نزعم أن بإمكان الرشدية المعاصِرة </span><span lang="AR-SA">منحَ قراءتها لنصوص ابن رشد عمقا فلسفيا تستحقه، يتجاوبُ مع روح مشاغلنا اليوم <strong>إذا اقتدت بمسار الدراسات المشائية والوسيطية في الغرب</strong>. وهذا يعني الحرص على إغناء الأبحاث الدقيقة في ابن رشد التاريخي، وفصلها وتمييزها تماما عن &#8220;القراءات والتأويلات&#8221; التي تستلهمُها”. (م. س، ص: 36). </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن هذه الخلاصة التي انتهيتم إليها تضعنا أمام التساؤلات الآتية:</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ كيف يمكن، عمليا وإجرائيا، الفصل، أثناء اشتغالنا على الفلسفة الرشدية، بين مطلب المعرفة العلمية الدقيقة من جهة، وبين مطلب ربط هذه الفلسفة برهانات مشاغلنا المعاصرة؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ ألا ترون أن الدراسات المشائية والوسيطية في الغرب، التي دعوتم إلى استلهامها، لا تشكل في عمومها وحدةً متجانسة؟ وأنها، رغم التزامها بنهج أسلوب الأبحاث الدقيقة، فإنها مع ذلك لا تقل من حيث تعدد واختلاف خُلاصاتِها عمَّا نلحظه من تعددٍ في خُلاصاتِ الأبحاث العربية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأيُّ نموذج من الدراسات الغربية تقصدون بالضبط؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ ألا ترون أن تحقيق دعوتكم إلى ضرورة استلهام تجربة البحث الفلسفي الغربي يصطدم لدينا بما يكابده البحث العلمي الفلسفي ببلادنا من غياب مؤسسات وهياكل علمية وطنية شبيهة من حيث الإمكانات والرعاية والدعم. وأنَّ قَدَر البحث الفلسفي ببلادنا أن يظل، والحالة هذه، رهينَ اجتهاداتٍ ومجهودات فردية؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">سأنطلق من نهاية السؤال، وهي أن قدَر البحث الفلسفي منذ وُجد، وقدَر الفلسفة عموما أنْ تكون فردية، وأن تكون عملَ أفراد، ما في ذلك شك. وإلى اليوم لا نجد في الأعمال الفلسفية ما يمكن أن يعوِّض العمل الفردي. صحيح أن عملية التأريخ للفلسفة يمكن إنجازُها في نطاق مجموعات للبحث ذات أغراض متعددة، لكن الإبداع والإنتاج الفلسفي نفسَه يبقى في نهاية المطاف عملا فرديا، تماما مثل العمل الفني. وحتى بعض الميادين العلمية نفسها يظل فيها العمل فرديا، ولا مجال فيها لدور الجماعة. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما بالنسبة لما نشرتُه في مجلة &#8220;<strong>مقدمات</strong>&#8221; حول محمود قاسم والجابري، فإن ما أريد أن أضيفه هنا هو أنه ليس المقصود بتاتا أن نظل متعلقين بابن رشد، فذلك سيكون بمثابة دوران في حلقة مفرغَة. المفروض أن يتطور البحث التاريخي ليَشمل كل الفلاسفة الذين لهم وزنهم في الفلسفة الإسلامية. إن ابن رشد يُعَدُّ مدخلا أيضا لأرسطو، وعلينا أن ننجز دراسات أرسطية أيضا. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">إن استلهام النموذج الغربي ليس معناه بالضرورة تكرار ما استلهمَه بعض الغربيين أو غيرُهم. فالمهم هو أن هذا المشروع يجب أن يَشمل نهضة عامة لتاريخ الفلسفة في كل مَوَاطِنِها وكلِّ أشخاصها، وأن يَكون بذلك المجالُ مفتوحا لاستلهام كل ما يمكن استلهامُه عند هؤلاء الفلاسفة. فالمفروض أن توفِّر لنا الجامعات (وليس هذا صعبا إذا ما توفرت الإرادة والوسائل المحدودة جدا) قاعاتٌ مخصَّصة للبحث العلمي في الهيجيلية وفي الأرسطية، ولِمَ لا، حتى في الماركسية. لأن غياب النموذج الاشتراكي حاليا ليس حُجّة ضد ماركس كفيلسوف. وهكذا، فكل هؤلاء الأعلام يمكن أن يَجدوا مَحلَّهم، وأن يَجدوا لهم نخبة من الباحثين الذين يَفحصون النصوص ويَدرسونها. فليس معنى الوسطوية أن نظل في الوسطويات. بهذا المعنى يمكن أن نتوقع ظهور مثل هؤلاء الأعلام الذين قد يَستوعبون هذه الدروس التاريخية لإنجاز أعمال منفصلة. نحن الآن نطلب من الطالب أو من الباحث المستحيل، بحيث نطلب منه عبر مجموعة من الإملاءات ومن الدروس الجزئية ومن المترجَمات الضعيفة والسيئة، نطلب منه أن ينافس أعلام الفلاسفة فيما بعد! وأن يحقق لنا مشاريع فكرية فلسفية ضخمة!.. والحقيقة أن المغربي استثناء، فللمغرب امتياز، لأن بعض الجامعات المشرقية تملك كل الوسائل، لكنها لا تملك التأطير البشري الذي يملكه المغرب، وهو أمر لا يَعرف المغاربة قيمته الآن. والمؤسف أنه في الفترة التي بدأ فيها المغرب يتمكن من الحصول على الثمار التي غرسها منذ الخمسينات، (لأن التعليم الثانوي والتعليم الجامعي تعاضَدَا معا من أجل الوصول إلى هذه الغاية، وبدأنا نلاحظ تخرُّج عدد من الأفراد المهيَّئين والطموحين والراغبين في الإنتاج العلمي والفلسفي)، في هذه الفترة أصبح يقال لهؤلاء المتخرجين من شعب الفلسفة إنه لا جدوى لعملكم، ولا فائدة منه، وأن كل شيء رهين بأمور أخرى وبمهن أخرى&#8230; هذا هو المؤسف في المغرب، لأن كل هؤلاء الخريجين يمكن أن يتحولوا إلى أداة فاعلة وبدون تكلفة كبيرة. أعرف مثلا أن هناك أستاذا في التعليم الثانوي استطاع بمجهوده الفردي، وبوسائله البسيطة، ترجمة كتاب لأرسطو ترجمة رائعة، ونشرَه على حسابه الخاص&#8230; إن المغاربة يملكون هذه الروح الفلسفية وهذه الرغبة التي عملت عوامل عديدة على ترسيخها منذ زمن. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">الأمر إذن لا يتعلق بأمنيات، بل بتخطيط نرجو في يوم ما أن يتحقق في مؤسسات وهياكل، وأن يُرعَى بالإمكانيات والدعم. ولِمَ لا نَحلم شيئا ما بالدعم؟ وما هو هذا الدعم؟ لو قورن اليوم حتى بما يُنفَق في مجالات أخرى داخل الجامعات للاحظنا أنه لا يمثل الشيء الكثير. يكفي أن يُحوَّل قسط من هذا الدعم لصالح البحث الفلسفي لتتحقق أهم دعائم المشروع الثقافي لهذه الأمة. صحيح أنه في زمن ما كان الجسم السياسي لا يَعِي قيمة النشاط الفلسفي، بل كان يَعتبرُه خصما. وفي بعض الحالات كان يَعتبره تافها ولا قيمة له، ولكن غياب الفلسفة اليوم أصبح يَخْلُق، كما يقال،  فلسفة رديئة. حينما بدأت هذه الفلسفة الرديئة تنتشر وتزعم أنها ضد الفلسفة، وتخلق مشاكل للمجتمع السياسي، استيقظ الاهتمام والوعي بأن المغرب ربما عاش، نسبيا، تحت المظلة الفلسفية. هذه المظلة المتواضعة حَمَته من كثير من السلبيات التي عرفتها مجتمعات أخرى تجاهَلت هذا النشاط، أو لم تكن تؤمن به على الإطلاق. فكثرة الأطباء والمهندسين لم تَحْم أحدا يوما ما من مغبة الفكر السيئ، أو الفكر المنحرف. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">أعود إلى حديثي عن ضرورة استلهام أو الاقتداء ببعض الدراسات العلمية الغربية، لأقول بأن الوقت قد حان لأن نهيِّئ، كما دعا إلى ذلك سابقا الأستاذ عبد الله العروي، لأن نهيِّئ أيضا أعمالا أصيلة ووازنة في الفلسفة الغربية نفسِها وفي فلاسفة غربيين مغمورين. لِمَ لا ننجز أعمالا حول القديس أغسطين، أو توما الأكويني، أو جون ستيوارت ميل؟.. لقد حان الوقت كي تتحرك هذه العجلة، ليس بالضرورة أن نرجِّح فيلسوفا على حساب فيلسوف آخَر. يجب أن لا يقيَّد البحث في هذا المجال، وأن يُفتَح الحوار على مصراعيه. فتماما كما أن السوق المفتوح حَكَمٌ في المسائل الاقتصادية، فإن الحوار المفتوح كذلك حَكَمٌ في المسائل الفلسفية.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصـورة</span></span></strong><span lang="AR-SA">: في سياق نقدكم للرشدية العربية المعاصرة، أثرتم إشكالية بالغة العواصة، تتعلق بالدور الذي لعبه علم الكلام في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، والذي يمكن أن يقوم به في زماننا الحاضر من خلال علاقته المزدوجة بكلٍّ من العقيدة والفلسفة، حيث دعوتم إلى ضرورة تجاوز بعض المواقف &#8220;اللاأدرية&#8221; لابن رشد بخصوص مواضيع فلسفية/كلامية، كمسألة العلم الإلهي، والصفات الإلهية&#8230; والتي اضطرته إليها ظرفيته المجتمعية الخاصة، من أجل رد الاعتبار لعلم الكلام، فقلتم بأنّ &#8220;وضْعَ الإرث الكلامي الضخم كله بين قوسين سيشكك في إمكانية أيِّ تجديد عقائدي تتوقعُه الحكمة من الملة منذ زمن الفارابي، والذي أصبح ضرورة حيوية منذ فجر النهضة الحديثة. <strong>فوحدَه الفقيه/المتكلم</strong> هو الذي يملك واقعيا الفعالية المباشرة في الحَدَث الديني في الإسلام. واستمرارُ غياب هذا التجديد الكلامي الفعال إنما خَدَم ويَخْدُم قضية السلفية الحنبلية النقلية المحافِظة التي تنفر من كل مظاهر البحث العقلي الكلامي والفلسفي&#8221; (م. س، ص: 32).</span></p>
<p><span lang="AR-SA">    ـ نلتمس منكم مزيدا من التوضيح بخصوص هذه النقطة. هل ستنتظر الفلسفة من علم الكلام أن يمهِّد لها الطريق لتشتغل بحرية أكبر؟ أم على الفلسفة، بالمقابل، أن تعُود مجدَّدا إلى اقتحام مجالات علم الكلام لتسريع وتيرة التجديد العقائدي المنشود؟ ثم ألا يعيقنا الانشغال بهذه المهام عن مسايرة ركب التطور الفلسفي العالمي المعاصر، ويجعلنا، بالتالي، نقع على هامشه، بَدَل الانخراط الفعلي في صميمه؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">p</span></span><span lang="AR-SA">  <strong><span style="text-decoration: underline">د. ألوزاد</span></strong>: </span><span lang="AR-SA">يندرج هذا السؤال في إطار ما يمكن أن نسميه </span><span dir="ltr" lang="FR"><span style="font-family: Times">–</span></span><span lang="AR-SA">إن صح التعبير- دعوةً  إلى لإصلاح الديني في الإسلام: كيف يمكن أن يوفِّق المسلم بين عقيدته وبين الواقع المعاصر بكل تعقيداته حتى لا نصل إما إلى دمار الفرد نفسِه، أو إلى مسخ ثقافته، وهي نتيجة فظيعة وكارثية جدا بالنسبة لحياة الفرد والجماعة على السواء. حتى لا نصل إلى هذه النتيجة، علينا أن نَستدرك التأخر الحاصل في الإصلاح الديني، ذلك الإصلاح الذي بدأ منذ القرن التاسع عشر، حيث بدأت هذه الدعوة في نطاق السلفية. لكن الخطوات التي أنجزَتْ اقتصرت للأسف على المستوى العمَلي، ولم تنجَز نفسُ الخطوات على المستوى النظري. فلو قرأنا &#8220;<strong>رسالة التوحيد</strong>&#8221; لمحمد عبده وقارناها بدعواته في الميدان السياسي والاجتماعي، أي بما يتعلق بمسألة الخلافة وبآرائه في التعليم والاختلاط وغيرها، لرأينا أن هذه خطوات مهمة لا يعادلها ما ورد في &#8220;رسالة التوحيد&#8221;. الشيء الذي أعاق كثيرا الإصلاح الديني في الإسلام، ووَضع له حدودا لا يتجاوزها، بل سرعان ما استغِل هذا التأخر في الإصلاح النظري من أجل إعاقة تطور الإصلاح العمَلي فيما بعد، حين  بدأت الحنبلية في شخص رشيد رضا وحسن البنا تكتسح الساحة المصرية خلال العشرينات. ونحن نلاحظ حاليا كيف تستغَل المحافَظَة النظرية لدعم المحافَظَة على المستوى العمَلي. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">من يستطيع القيام بهذا الإصلاح؟ أعلم أن الفلسفة لا تستطيع في الإسلام أن تضطلع بذلك بصورة مباشرة. المفكر والأديب بدورهما لا يستطيعان ذلك، والسياسي أيضا لا شأن له في هذا الباب. إن الإصلاح لن يكون ممكنا دون مشروعية معيَّة، فإنه لا يمكن تصوُّر حدوث تغيير دون أن يكون المنطلَق هو الفقه الإسلامي. ولكن متى يصبح الفقه قادرا على الإصلاح؟ إنه يستطيع ذلك حينما يستعيد قدرته على مناقشة القضايا النظرية الأساسية، أي حينما يصبح الفقيه متكلما. وهذا أمر مشروع ومقبول في الإسلام، تخلت عنه التقاليد الإسلامية فقط في زمن متأخر. فالمعتزلة مثلا كانوا فقهاء ومتكلمين. وعليه، فإنه من الممكن إحداث ثورة إصلاحية في الإسلام إذا ما أحدثنا ثورة في التكوين الحالي للفقهاء. الإصلاح الديني سيكون عميقا إذا ما أحدثنا إصلاحا عميقا في التكوين بصفة عامة؛ التكوين الكلامي إضافة للتكوين الفقهي، ولكن يجب أن يتولاه مختصون ذوو معرفة علمية دقيقة بعلم الكلام، بالفلسفة، بالفكر السياسي إلخ، حتى يُتاحَ عبْرَها التطرق إلى العديد من المسائل التي تُسَلَّم الآن وتُعتبَر منطلَقات وتُبْنَى عليها بناءات رئيسية وخطيرة جدا، كمسألة التكفير التي يَنسَى البعض أنها قضية كلامية تحتاج اليوم إلى مراجعة وإعادة نظر، وهي مراجَعة ممكنة ومشروعة جدا في الإسلام. بدلا من البقاء في مسألة الحدود الشرعية والنقاش حول تطبيق الشريعة، فإننا في الحقيقة ننسى الأساس، ننسى أن الأرضية كلها هي التي يجب أن تراجَع، بدلا من البقاء فقط فيما هو عَمَلي.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">أما السؤال حول موقع الفلسفة: هل تنتظِر الفلسفة أو لا تنتظِر؟ لقد سبق لمحمد عبده أن قال كلمة غيرَ منصِفة في حق فلاسفة الإسلام. قال إن سبب مِحَنِهم أنهم دَخَلوا طرفا في الصراعات الكلامية، بينما كان الأوْلى بهم أن يَبتعدوا عنها. لا فائدة للفلاسفة اليوم في أن يَدخلوا بتاتا في الصراعات ذات الصلة بالإصلاح الديني، حيث لا يمكن أن يُحدثوا أيَّ تغيير، بل يمكنهم أن يُحدثوا النقيض لأسباب تاريخية. فالمجتمع ليس مهيأ لأن يَستمع إلى الفلاسفة بهذه الصورة المباشرة، ولكن يمكن أن يَستمع إليهم بصورة أخرى، ويمكنهم أن يساهموا إيجابيا في مثل هذا الإصلاح بكيفية أخرى وفي موازاة معه إذا تَفَرَّغوا لأعمال تجاهلوها منذ القديم. هناك مجالات لم تقل فيها الفلسفة قديما شيئا، وبإمكانها اليوم أن تقول فيها، وأن يَدعم ذلك عملية الإصلاح الديني. مثلا هناك غياب كلي على مستوى فلسفة التشريع وفلسفة الحق. ما الذي يمنع الفلاسفة اليوم في الإسلام أن يقدِّموا أعمالا في هذا الباب؟ ما السبب في ذلك؟ رغم أنه حينما يَقبل الفقيه تعديلات في الأصول وغيرها سيجد السند التشريعي في الفلسفة، وسيجد الأرض ممهَّدة في مدوَّنات قانونية أخرى تقدِّم تعديلات فلسفية أخرى. لماذا لا نُعيد اليوم تعضيدَ المالكية في المغرب بقراءةٍ فلسفية جديدة لنصوصها؟ </span></p>
<p><span lang="AR-SA">الميدان الأخلاقي، ماذا فعل فيه فلاسفة الإسلام؟ لا تزال المشكلة الآن في الإسلام منحصرة في ربط الضمير الأخلاقي بالإيمان. مازلنا إلى اليوم لم نَفْصِل بين الواجب الأخلاقي مثلا وبين الفعل الإيماني، رغم أن القدماء كانوا قد مَهدوا لهذا الفصل. هناك مجال آخر للضمير وللمسؤولية الأخلاقية يجب أن يُبحَث. لماذا يجرؤ بعض الناس اليوم على ذبح الأطفال بحُجج دينية؟ هناك التباس بين الضمير الأخلاقي، وبين المعيار الديني في السلوك. إن الفلاسفة لم يَهتموا بالبحث في الفكر السياسي، ولو أنه من ضمن علومهم. لم يَكتب أحد إلى اليوم في هذا العِلم، ولا زلنا لحد الآن ننظر للسياسة على أنها إيديولوجيا. إننا نفتقر اليوم إلى الفلسفة الدستورية، أعني إلى تأمل أو إلى مراجعة معيَّنة للأنظمة.</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><span dir="ltr" lang="FR">&amp;</span> <strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">الصـورة</span></span></strong><span lang="AR-SA">: يلاحَظ في السنوات الأخيرة أن هناك شغفا متزايدا لاستلهام فلسفات ما بعد الحداثة بمختلف صيغها ونماذجها، بُغية إخصاب التراث الفلسفي العربي وجعله يَستشرف آفاقا معرفية جديدة ومغايرة. وفي مقابل ذلك، يلاحِظ المتتبع لأعمالكم وكأنكم تحافظون على مسافة نظرية حيال هذا التوجه العام&#8230; </span></p>
<p><span lang="AR-SA">ـ فهل يتعلق الأمر بتحفظ مبدئي من جانبكم تجاه هذا الموقف؟ أم أن الأمر بالنسبة لكم لا يحظى بالأولوية، قياسا إلى تركيزكم على المنحى المونوغرافي العلمي الدقيق؟ ثم إلى أيّ حدّ يمكن أن تسعفنا فلسفات ما بعد الحداثة في إعادة قراءة تراثنا الفلسفي، والحال أننا ما زلنا لم نستوعب بعدُ أهم مكتسبات فلسفات الحداثة؟</span></p>
<p><span lang="AR-SA"> </span></p>
<p><strong><span style="text-decoration: underline"><span lang="AR-SA">د. ألوزاد</span></span></strong><span lang="AR-SA">: </span><span lang="AR-SA">تذكِّرُني مسألة ما بعد الحداثة بطريقة تعامل المشتغلين بالفلسفة عموما مع الإنتاجات الغربية، وهي طريقة لم تبلغ بعد المنطقة التي يمكن أن نسميها بالمنطقة الإيجابية، ولم تبلغ بعد المدى الذي تصبح فيه في موقع الحوار الإيجابي. أمامنا أولا تحفُّظ تجاه الغرب، بحيث ما تزال المنطقة تعاني من التحفظ، إنْ لم نقل في بعض الحالات من العداء. لم يصل الغرب ولا المجتمعات الإسلامية بعدُ إلى أرضية مشترَكة على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية وغيرها. وكل ما بُذِل لحد الآن ما يزال في المهد، ولم يتحقق شيء كبير كما كان متوقَّعا.</span></p>
<p><span lang="AR-SA">الأمر الثاني هو التأخر الذي يبدو كما لو كان مزمنا في المنطقة الإسلامية (أتعمد تسميتها بالإسلامية لتشمل المناطق الممتدة إلى تخوم تركيا وغيرها). نجد أنفسنا أمام تخلف مزمِن لم يَعُدْ مجرَّد تخلف عَرَضي. فيما مضى كان هناك تخلف يمكن أن نسميه تخلفا مؤقتا في الزمن الذي كان يتم فيه الحديث عن &#8220;دول نامية&#8221; أو &#8220;قابلة للنمو&#8221;، لكن المنطقة تعاني اليوم من تخلف مزمِن، ولا تفتأ المسافة تتزايد، إنْ لم تظل ثابتة لا تَعرف أيَّ تقارب في الأفق المنظور. هناك تخلُّف على جميع المستويات. ماذا أنتج هذا التخلف؟ أنتج ظاهرة ثقافية غير طبيعية تتمثل في أن ما ينتَج في الغرب ثقافيا لا يُستوعَب في المجتمعات الإسلامية، وحتى إن استوعِب فبعد أن يصبح ماضيا في تلك المجتمعات. إذن نحن نلهث دون أمل في أن نَلحق يوما ما بالمعاصَرة لِمَا يَجري في الغرب. والمغرب ربما من بين إيجابياته أنه من الذين يَطمحون دوما إلى الحصول على آخِر ما أنتجه الغرب، رغم التأخر الموجود الذي نتحدث عنه دائما، ولكن هناك سعي دائب. بينما في مجتمعات أخرى نعلم أن هذا التأخر ليس مستوعَبا وليس هناك إدراك لخطورته. في هذا السياق تأتي ظواهر فلسفية معيَّنة: الماركسية والوجودية وغيرها من الحركات الفكرية، كيف ظهرت في الغرب؟ كيف انتقلت إلينا؟ سنجد أنها ارتبطت بهذه العناصر التي ذكرنا. فلسفات ما بعد الحداثة بدورها تندرج في هذا الاتجاه. </span></p>
<p><span lang="AR-SA">بيد أن لي ملاحظتين في هذا الباب: الملاحظة الأولى هي أن هذه التجديدات التي عَرَفها الغرب لا يجب أبدا أن تَحجُب عنا أن الإنتاج الغربي متنوع، فنحن نتوهم أن الجديد يَنفي القديم أوتوماتيكيا أو تلقائيا، وهذا خطأ في فَهْم الغرب. فالكثيرون يَتصورون مثلا أنه لا وجود في الثقافة الغربية المعاصرة للاتجاهات الدينية، مادام الغرب قد تجاوزها. هذا كلام لا معنى له، إذ في الفلسفة الغربية تجد تنوعا؛ هناك اجتهادات جديدة، وإضافات جديدة، ولكن هناك باستمرار تيارات متنوعة جدا: هناك تيارات كلاسيكية، كالأرسطيين والوسطويين وغيرهم.. إذن فتعامُلنا مع الفلسفة الغربية يجب أن يكون في نطاق انفتاح حقيقي، ما دمنا في وضعية تسمح لنا باستيعاب كل شيء والاستفادة من كل شيء. علينا أن نمحِّص ما هو الأكثر إيجابية بالنسبة للنشاط الفلسفي اليوم. ثم علينا أن لا ننسى الأساسي الذي أدى إلى هذه النتائج في الغرب وهَيَّئَهَا ومَهَّد لها. فالبقاء فقط في النتائج هو كالبقاء فقط على مستوى الاستهلاك دون الطموح إلى عملية الإنتاج نفسِها. إذا كنا نطمح إلى الإنتاج، فإن علينا أن نتساءل عن الوسائل التي هَيَّئَها الغرب، والتي استطاع بفضلها خَلقَ هذه الإنتاجات الجديدة. هذه الوسائل ليس فيها التغيُّر الكبير الذي نتوهم. فلو تأملنا مثلا تعليم اللغات، سنجد أن مدرسة شارتر الفرنسية بباريس ما تزال قائمة منذ نابليون إلى الآن، وهي من المدارس المهمة والجيدة والرفيعة جدا في مجال تدريس اللغات القديمة. ومعظم الأعلام الذين تخرَّجوا منها يضطلعون بعمليات ترجمة وتحقيق النصوص. هذه بعض الوسائل التي تساعد على فهم التراث وتَمَثلِه وإنتاج تراث أو عمل وازن ذي قيمة. هل نملك مثل هذه الوسيلة؟ </span></p>
<p>ملحوظة: لمتابعة قراءة الجزء الثالث والأخير من هذا الحوار أنقر على الرابط أسفله:</p>
<p><a href="http://www.aziz-boussetta.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A3%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7-2/?preview=true&amp;preview_id=356867&amp;preview_nonce=0b3ab910df">رابط الجزء الثالث والأخير من هذا الحوار مع د. محمد ألوزاد رحمه الله</a></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
			<wfw:commentRss>http://www.aziz-boussetta.com/%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a3%d9%84%d9%88%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
		<slash:comments>0</slash:comments>
		</item>
	</channel>
</rss>
