حوار مع الدكتور محمد المصباحي / الجزء الثاني
حوار مع الدكتور محمد المصباحي
حول قضايا متعلقة بالفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني
نُشر بمجلة(( “الصورة” مجلة النقد الأدبي والبحث الفلسفي))
السنة الثانية ، العدد الثاني، خريف 1999، دار النشر المغربية بالدار البيضاء
&الصورة: في الصفحة34 من كتابكم “تحولات في تاريخ الوجود والعقل”، تصرحون بأن “كل الاتجاهات في تاريخنا الفكري كانت صريحة في ربط مصير العقل بالبرهان والفلسفة… مما أدى إلى انتشار نزعة صَوْرَنَة المعارف وعدم الاهتمام بالتجربة وبالعلوم التجريبية”.
يبدو أن تصريحكم فيه بعض الإجحاف بالنسبة لمنزلة الإسهام العلمي العربي في حقول العلوم التجريبية، كالكيمياء والطب والفلك والتشريح والصيدلة، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار المعطيات الآتية:
* لقد كان الاشتغال بهذه العلوم مقصورا فقط على دائرة الفلاسفة العرب، كما نطالع ذلك في “عيون الأنباء” و”طبقات الحكماء” و”طبقات الأمم” وغيرها من كتب التراجم القديمة.
* صحيح أن ابن رشد ،على سبيل المثال، كان قد نَحَى إلى ما يشبه هذا المنحى الذي تشيرون إليه في صَوْرَنَة علم الطب وإن بطريقة معتدلة غير متطرفة حين قال في كتابه “الكليات في الطب”: “… ولذلك ما نرى أنَّ تعديد هذه الأمراض بحسَب عضو عضو، ووصفَ الأدوية النافعة لها، طريقٌ متمِّم لهذه الطريقة الكلية، وهي الطريقة الكناشية… وأما مَن يَقتصر على الطريقة الكناشية دون معرفة الطريقة الكلية، فيخطِئُ قطعا، كما يفعله أطباءُ وقتنا”؛ لكنه بالمقابل كان له موقف صارم ومناهض بصدد النزعة الرياضية المتطرفة لدى بطليموس التي آلت بنظرياته الفلكية إلى عدة مُحالات وشناعات تتناقض وكثير من مقدمات وثوابت العلم الطبيعي الأرسطي، إذ يقول في مقالة اللام من “تفسير ما بعد الطبيعة” (ج3، ص: 1663-1664): “… فإنه يجب أن يُجعل الفحصُ مِن رأسٍ عن هذه الهيئةِ القديمة [الأرسطية]، فإنها الهيئة الصحيحة التي تَصِحُّ على الأصول الطبيعية… فإن علم الهيئة في وقتنا هذا ليس شيءٌ منه موجود، وإنما الهيئة الموجودة في وقتنا هذا هي هيئة موافِقة للحُسبان لا للوجود”.
* لقد كان للمارسة العلمية التجريبية أحيانا تأثير حاسم على الفلاسفة العرب، حتى وهم بصدد بناء مواقفهم في مواضيع فلسفية دقيقة كما هو الحال مثلا بالنسبة للتحليل الرشدي لجوانب معيَّنة من إشكالية العقل (انظر على سبيل المثال: د. محمد المصباحي: إشكالية العقل عند ابن رشد، ص: 197).
ـ كيف تبررون هذه المفارَقة؟ ثم ألا تلتقي هذه الدعوى مع بعض الأطروحات الاستشراقية الكلاسيكية؟ ومن جهة أخرى، كيف تنظرون إلى إمكانية إدماج تاريخ العلم العربي ضمن إشكاليات تاريخ الفلسفة الإسلامية؟
p د. المصباحي: هذا السؤال، شأنُه شأن السؤالين السالفين، ينطوي على عدة أسئلة، ولكنه ينطلق من معاينة نوع من الإجحاف بصدد الحكم على تاريخ العلم أو الفلسفة العربية الإسلامية، هذا الإجحاف الذي عبَّرتم عنه بالقول بأنني أشرتُ إلى أن معظم الاتجاهات كانت تَسير في اتجاه صَوْرَنة المعارف والعلوم.
عندما يُصدر الإنسان حكما عاما على تاريخ بأكمله، فإنه لا يعني أن هذا الحكم العام يخص جميع مظاهره، أو أنه تمتنع معه وجودُ جيوب من الاستثناءات الكثيرة التي قد تصبح هي القاعدة. فهذا الحكم الذي أصدرتُه هو من هذا القبيل، أي أن الفلسفة العربية الإسلامية تندرج في إطار الاتجاه العام الذي ساد منذ أفلاطون وهو هيمنة العقل على الوجود، هذه الهيمنة التي تؤدي إلى إخضاع الوجود لمقولاتِ وأساليب العقل. أكثرُ من ذلك، عندما واجهتِ الحضارة العربية الإسلامية علومَ الأوائل، واجَهَتْها في الغالب بعقل شارح يريد أن يَفهم ما جرى وما تم إنتاجُه في الحضارات اليونانية والإيرانية والهندية. إذن فالرغبة في جر الوجود إلى ناحية العقل قد تؤدي إلى هذه الصَّوْرَنَة وإلى النظر إلى الوجود نظرة ماهوية قائمة على الحَدِّ والبرهان، لا على التجربة والاختبار. والدليل على ذلك أن جل العلماء الذين أضافوا شيئا إلى تاريخ العلم في الحضارة العربية الإسلامية هم من خارج أرض الفلسفة، لأن الذي يَكون داخل الفلسفة، وبخاصة من داخل التيار المشائي، لايستطيع الانفلات من منطق العقل ومن المبادئ التي كانت تَحكم إلهيات وطبيعيات الفلسفة المشائية. إن الأرسطية لا تسمح بالمغامرة، في حين أننا نجد أن الذين كانوا يَنهلون من نزعات الأفلاطونية المُحْدَثة والتصوف، استطاعوا أن يلتصقوا بالتجربة وأن يخوضوا في مغامرات إبداعية، سواء في الرياضيات أو الكيمياء.
نعم، إن البرهان نفسَه قد يقود إلى الإبداع والمغامرة، أقصد أنه حتى بالنسبة لابن رشد، حين كان يحاول أن يُخضِع مادة معرفية معيَّنة لنسق برهاني أو لإجراءٍ برهاني، فإنه، أثناء ممارسته المُحَايِثَة، يواجه صعوبات لايستطيع البرهانُ أن يَحلها، مما كان يضطرُّه إلى الخروج إلى فضاءات جديدة وتأسيس آفاق جديدة عن طريق إحداث تغيير في الدلالة.
أما عن الأطروحات الإستشراقية، فما وجهُ العيب أن يعتمدَها المرءُ إذا كانت صحيحة؟ أنا لا أظنكم من أعداء أن يَدرس الغيرُ حضارتنا، كما أنه لا مانع عندكم في أن نَدرس حضارتهم وفكرهم. صار البعضُ منا يَتكلم في الفلسفة وتاريخ العلم عن الاستشراق وكأنه في حركة وطنية تحارب الغزاةَ الأجانب. ولكن، أكثرَ من ذلك، معظم المستشرقين كانوا يناصرون النزعة التجريبية في العِلم العربي!
&الصورة: تتميز قراءتكم العميقة لأطروحات فلاسفة الإسلام بالتركيز على التحليل الداخلي لمنطق النص، وبمجهود متفرد في استنطاق مفاهيمه الأساسية وبيان مرجعياته ومقاصده، وذلك عبر توظيف غنيٍّ لجهاتٍ عديدة من الفحص المنطقي والإبستمولوجي والميتافيزيقي… بحيث تغدو لحظات التحليل والمقارَبة لديكم جزءا لايتجزأ من سياق السيرورة التكوينية للنص الفلسفي المدروس ذاتِه في توتره وقلقه، في مده وجزره، في نجاحاته وإخفاقاته… والنتيجة أن القارئ يجد نفسَه في نهاية المطاف أمام دلالات متعددة وأحيانا متضاربة لنفس المفهوم وبالنسبة لنفس الفيلسوف، دلالات قد تَرد متفرقة في أجزاء مختلفة من متنه الفلسفي، وقد تتعايش أحيانا في نص واحد بعينه؛ مما يؤدي إلى حالة من الالتباس والحيرة التي مافتئتم تحتفون بها منهجيا باعتبارها حالة صحية أو العنصر الإيجابي بامتياز في فعل التفلسف. والحال أن الفيلسوف بهذا يَفقد هويتَه المتميِّزة باعتباره صاحبَ أطروحة تمثل إضافته الشخصية في تاريخ الفلسفة.
ـ ألا ترون أن وحدة الفيلسوف تصبح مهدَّدة وعُرضة للضياع على حساب رؤية ذرِّيةٍ تعمل على تفتيت نسقيةِ شبكةِ المفاهيم، إلى درجة يصبح معها الفيلسوف متذبذبَ المواقف وموزَّع الانتماءات ذات اليمين وذات اليسار؟
ـ كيف يمكن أن ينقلب النص الفلسفي حجة ضد صاحبه، والحال أن ابن رشد على سبيل المثال حينما كان يحاور أو يَنتقد الفارابي أو الغزالي أو ابن سينا، فإنما كان ينطلق أساسا من كونهم أصحابَ مقال معلوم تنتظمُه مفاهيم ومصطلحات ذاتُ دلالات معلومة، تؤمُّ مقصدا معلوما لامجال فيه للالتباس؛ بل إنه طالما عاب عليهم الذهولَ عن عناصر التشكيكِ الثاويةِ وراء عبارة أرسطو، والوقوفَ عند معنى بعينِه دون سواه؟
p د. المصباحي: يبدو لي أنكم غيورون على هوية الفيلسوف ووحدتِه وحقه في أن يُعرض كاملا منسجما، وفي أن يكون لمقالته مضمون واحد لا مجال فيه للاختلاف. لقد كان هذا بالفعل هو غرضُ مناهج البحث النسقية التي كانت تريد أن تعطي صورة مطمَئنَّة قوية عن الفيلسوف، صورة هي أقرب ما تكون إلى الموضوع الجامد الميت الذي تَعمل على تشريحه تشريحا باردا. ولكن مَطالب الفكر الفلسفي والرؤية المنهجية اليومَ تَفرض علينا زاوية نظر أخرى، زاوية تجعلنا نَنظرُ إليه نظرة حية باعتباره كائنا يتغير في آرائه من كِتاب إلى آخر ومن فقرة إلى أخرى… نَنظرُ إليه باعتباره، كما قلتُ، ممتلئا بالنتوءات والخرومات التي تَسمح لنا أن نَدخل إلى النص وإلى فضاء الكاتب وأن نُنشِئ من خلاله قولا جديدا.
أنا لا يضيرني أبدا أن نغادر منطقة الحقيقة المطمئنَّة بالنسبة للفيلسوف المدروس، وأن ننشئ على تخوم نصه مجالا نعطي فيه الحقَّ لأنفسنا لكي نتكلم وندليَ برأينا ونجعل من أنفسنا شاهدا جديدا على دلالاته. إننا اليومَ مطالبون أكثرَ من أي وقت مضى بأن لانتعامل مع فلاسفتنا ومع ونصوصنا تعاملا مقدَّسا يَحْرمُنا من تجاوز النص ومن لفت النظر إلى عثراته وتناقضاته وتراجعاته، بل على العكس من ذلك، يتعيّن علينا أن نَنظر إلى النص باعتباره قابلا لكل التأويلات ولكل أشكال الأخذ والرد، وأن نعتبرَه مناسبة للدارس لكي يقول كلمتَه فيه.
أنا لا أتردد إذن في جعل النص ـ كما قلتُ ـ شهادةً ضد صاحبه لأن الشخص أحيانا يَنطق بشيء ويخفي أشياء أخرى، أو يعلن شيئا ويمارس أشياء أخرى، لأن منطق الكتابة قد يَنِدُّ عن إرادة الكاتب. فعندما نصل إلى أن نكتشف في الكاتب مكامن التردد والقلق، نكون قد نجحنا في وضع اليد على حقيقته الإنسانية. فليس هناك فيلسوف حقٌّ يَنِدُّ عن الالتباس، وإلا تحوَّل إلى ناظم لأقوال بيداغوجية تَقصِدُ التعليمَ والتلقين لا البحثَ القلِق عن السؤال، عن الطرق الجديدة للقول والفعل. لقد مضى ذلك الوقت الذي كنّا نَعتبر فيه أن للفيلسوف الواحد غاية واحدة ومقصداً واحداً، وذلك أن الثورات التي حصلت في المناهج وفي العلوم الإنسانية بَيَّنت لنا كيف أن الإنسان له غايات متعددة بحسب المواقف والعناصر التي عليه أن يتخذ موقفاً منها، بل إن هذه المناهج والعلوم أظهرت بأن الفاعل قد يَكون غيرَ واع حتى بالهدف الذي هو ذاهب نحوَه. لو كان هناك فيلسوفٌ عُرف بصرامته في الاستدلال ووحدته في الغاية فهو أرسطو، ومع ذلك، فقد صار اليومَ قِطعاً متشظية! لقد مضى زمن البنية والنسق والهوية والذاتية، وحل محله زمنُ الحدث و الاستثناء والاختلاف والتناقض. طبعاً ليس معنى هذا أن هذه النظرة هي النظرة النهائية، فالتاريخ ما زال يتحرك!
&الصورة: يذهب د.غانم هَنَّا في مقالته “وحدة العقل بين ابن رشد والرشدية اللاتينية” (مجلة عالم الفكر، المجلد27، عدد4، 1999) إلى التشكيك في صحة تبني ابن رشد لأطروحة وحدة العقل، معتبرا الأمرَ مجردَ نتيجة لعملية انتحال تعرضت لها أحدُ المكونات الأساسية في متن السيكولوجيا الرشدية، وهو نص “الشرح الكبير لكتاب النفس” الذي ما يزال مفقودا في أصله العربي ولم يصلنا منه كما هو معروف سوى ترجمته اللاتينية التي أنجزها ميخائيل سكوتوس في عشرينات القرن الثالث عشر الميلادي. وفي غياب النسخة العربية الأصلية للكتاب المذكور، يذهب هذا الباحث ـ كما ذهب قبله جورج زيناتي في كتابه “ابن رشد والفكر اللاتيني”، ص: 16 ـ إلى القول بأن ما بأيدينا اليومَ في النسخة اللاتينية “لم يكن في أصله العربي كتابَ ابن رشد فقط، بل كان تجميعا ضَمَّ آراءَ كثير ممن أدلوا بدلوهم في موضوع العقل والمعرفة، دون أن يُفْصَل في نسبة هذه الآراء إلى أصحابها” (ص: 115)؛ أي أن الأمر يتعلق بـ”إضافاتٍ وُجدت في النص العربي أو حَملها الناسخون على الترجمة اللاتينية” (ص: 112)، خصوصا وأن “حفيد ابن رشد كان قد نَقل عن والده آراء ضمَّنَها في رسالة حول اتصال العقل. فلربما ضُم هذا النص إلى ما كتبه الوالد في الترجمة اللاتينية دون أن يفرَّق بين الأب والإبن، أو أن النزعة الصوفية التي ازدهرت في تلك الفترة قد سَهَّلت ضم هذه النصوص” (ص: 108).
وبناء على ذلك، ينتهي هذا الباحث إلى أن أطروحة وحدة العقل دخيلة أو منحولة على ابن رشد، حيث يَعتبر أن لامكانَ لها في نصوصه الأصلية التي وصلتنا مثل “الشرح الأوسط لكتاب النفس” (مخطوط باريس عبري)، وكذا “جوامع كتاب النفس” (نشرة الأهواني)، ثم “تفسير مابعد الطبيعة”، الذي نعرف أن ابن رشد كان قد ألفه بعد فراغه من تأليف “الشرح الأكبر لكتاب النفس”.
نود أن نَعرف رأيكم في هذه الدعوى، خصوصا وأنكم كنتم في طليعة الرشديين العرب المعاصرين الذين نَبَّهوا إلى “أن أطروحة وحدة العقل الهيولاني هي محور الفلسفة الرشدية، وبؤرة اختمار المشاكل التي أثارتها فلسفته. وقد كانت استجابة لضرورات نسقه العام وحلا بديلا للإشكالات التي خلفتها نظريات العقل السابقة عليه” (د. محمد المصباحي: إشكالية العقل عند ابن رشد، ص: 77)؛ وخصوصا كذلك وأنكم لم تعتمدوا فقط في إثبات هذه الأطروحة على “الشرح الأكبر لكتاب النفس” فقط، وإنما على مختلف أجزاء المتن الفلسفي الرشدي، ولو أنكم عولتم في المقام الأول على الكتاب المذكور (ن. م، ص: 10).
p د. المصباحي: هذا السؤال فيه كثير من الإثارة والمشاغَبة، وهي أمور مطلوبة بل وواجبة في الفلسفة وفي تاريخها. نعم، إن مَن يَنظر في كتابي “إشكالية العقل عند ابن رشد” نظرة فاحصة سيجد اعترافا بأن العرض النسقي لنظرية وحدة العقل الهيولاني عند ابن رشد غيرُ موجود. ولذلك كان بنائي أو برهاني عليها بطريقة غير مباشرة أحيانا، لأن النصوص المباشرة التي تصرح بهذه الأطروحة قليلة. ومع ذلك لا يمكن أن ننكر وجود هذه الأطروحة لديه. ذلك أننا نجد في متونه المتعددة عدة حجج بَسَطتُها في الكتاب المذكور. أما دعوى “الانتحال” أو “التلفيق” فلا أعتقد أنها صحيحة لأن من يَعرف أسلوبَ ابن رشد وطريقة كتابته، ودقائقَ نظريته في النفس والعقل، وردودَه المتعددة على الاسكندر والفارابي وابن سينا وابن باجة وثامسطيوس… يدرك أن شرح كتاب النفس المترجَم إلى اللاتينية هو كتابُه هو لا لغيره، بل وهو كتاب منسجم يتماشى مع طريقته المعهودة في شروحه الكبرى.
هذا عن نص “شرح كتاب النفس”، أما عن غياب نظرية “وحدة العقل” في جوامع وتلخيص كتاب النفس، فهو كذلك تهمة غير صحيحة. ذلك أن موضوع شرح الفصلين الرابع والخامس من المقالة الثالثة من كتاب النفس في الجوامع والتلخيص هو البرهنة على مفارَقة العقلين الهيولاني والفعال للمادة وللواحق المادة، وهذا معناه في اللغة المشائية عدمُ تَعَدُّدِه، طالما أن المادة هي علة التعدد، وهي لاتَدخل في ماهية أيٍّ مِن العقلين.
نعود إلى نظرية وحدة العقل الهيولاني لنقول إن ابن رشد لم يصل إلى هذه النظرية بسهولة، أي أنه لم يكتشفها للوهلة الأولى في مستهل حياته الفكرية والعلمية، بل إنها كانت نتيجة معاناة طويلة ومواجهة مريرة لمجموعة من النزعات، كنزعة الاسكندر الأفروديسي الذي تَصوَّر العقل الهيولاني عبارة عن قوة مطلقة لا قوام لها، ونزعة ابن باجة الذي اعتبَر الخيالَ موضوعا لهذا العقل، ونزعة ثامسطيوس الذي اعتبَر العقل الهيولاني خالداً وفي نفس الوقت موجوداً داخل الإنسان بمعية العقل الفعال… هذا الصراع متعددُ الجبهات استمر مع ابن رشد طوال حياته الفكرية، وهو ما يفسر عودتَه المتكررة لشرح كتاب النفس أو لمعالجة مسألة العقل. لذلك علينا أن لاننتظر منه أن يفصح لنا منذ كتاباته الأولى، أي منذ “جوامع كتاب النفس”، عن نظريةٍ نسقية جاهزة في وحدة العقل بشكل صريح، بل ينبغي أن ننتظر “الشرحَ الكبير”، أي أكثر من ثلاثين سنة بعد أولى كتاباته في النفس والعقل. وقد مر موقفُه في هذا الصدد من الوضوح فالتذبذب فالوضوح؛ ذلك أننا إن كنا نجد في “جوامع النفس” نظرة شبه واضحة للعقل، لأنها كانت عبارة عن استخلاص لجوهر الفكر الأرسطي المتأثر خاصة بالفارابي وابن سينا، فإننا سنجده في نص “تلخيص كتاب النفس” غارقا في تناقضات وإشكالات نظرية العقل، بحيث لايستطيع الدارس أن يستخلص من هذا الكتاب نظرة واحدة واضحة لابن رشد بالنسبة للمسائل التي طرحها. وهذا ما يجعل “تلخيص كتاب النفس” وكأنه مختبر لتأزيم مشاكل نظرية العقل، بفتحه لأوراش متعددة تبشر بوجود اتجاهات ستتبلور بشكل أوضح فيما بعد. إن مطلب حل الصعوبات التي أثارها خاصة في “تلخيص النفس” هو السبب في مراجعة ابن رشد لكثير من آرائه في شروحه المختلفة لكتاب النفس. فـ”الشرح الكبير” إذن كان عبارة عن تتويج لمسيرة طويلة ومعقدة نحو حل صعوبات نظرية العقل. ومن مظاهر هذا التتويج التضحية بجملة من المقدمات والنظريات التي سبق أن قال بها فيما مضى والقيامُ بنقد ذاتي بشأنها، وذلك من أجل أن يتقدم إلى الأمام بالقول بنظرية وحدة العقل الهيولاني. إنه تطور طبيعي ومنسجم أفضى إلى نظرية وحدة العقل الهيولاني. وإذا كان لنا أن نشك في صحة نِسبة كتابٍ لابن رشد، “فتلخيص كتاب النفس” يبدو الأولى بهذا الشك، لأنه يتضمن نظريات متناقضة قد توهِم بأن كاتبَها ليس واحداً، وهذا بالضبط ما فعله الباحث الأمريكي المعروف دافيدسون وبأدلة فيلولوجية قوية ليست كالتي أشرتم إليها في سؤالكم.
من جهة أخرى، من حق الباحث أن يَفترض عدمَ وجود نظرية “وحدة العقل” لو لم تكن لها سوابق في الفكر الإسلامي، والحال أن تلك النظرية ليست بالغريبة على الفكر الفلسفي العربي الإسلامي؛ فمنذ الكندي والفارابي وابن سينا لاحت هذه النظرية بلواحقها البرهانية في كتاباتهم النفسية والعقلية، لكن هذه الوحدة كانت متجهة نحو العقلَ الفعال. أما الجديد بالنسبة لابن رشد فهو أنه حوَّل اتجاه هذه الوحدة لصالح العقل الهيولاني، بحيث صار هذا الأخير هو الذي يشكل المكانَ المشترَك الواحد الذي تلتقي فيه كل العقول البشرية بدل العقل الفعال. والمتتبع لنصوص ابن رشد النفسية يتعرف بسهولة على بذور نظرية “وحدة العقل الهيولاني” في “جوامع كتاب النفس” و”تلخيص كتاب النفس”، وغيرهما من رسائله وكتبه الإلهية، لاسيما وأن من طبيعة العقل عدمُ الالتباس بالمادة التي هي علة التعدد والاختلاف. أضف إلى ذلك أن جو الوحدة كان طاغيا على الفكر الرشدي: فهناك وحدة المادة الأولى، ووحدة الصورة الأولى، ووحدة الفاعل الأول، ووحدة العالَم، ووحدة المعرفة العقلية، ووحدة الاتصال المعرفي بين الناس… أقول إن هذا الجو الوحدوي كان لابد أن ينتهي به إلى إثبات وحدة أخرى على صعيدي العقل والإنسان، وهي “وحدة العقل الهيولاني”. لكن هذا الإثبات لم يكن كما قلتُ بالأمر الهيّن الذي يُقرأ على السطح في نصوص أبي الوليد، بل يجب استخلاصُه من خلال دروب استدلالية ومنعرجات خطابية وعرة، وعبر مناقشات عميقة مع الإسكندر الأفروديسي وابن باجة وابن سينا وأرسطو نفسِه. تلك المناقشات المضنية هي التي آلت به إلى أن يطوِّر مفهوم “المادة العقلية” ويُلصقها بالعقل الهيولاني من أجل إقامة توازن بين مملكة الطبيعة ومملكة العقل. فكما أن مملكة الطبيعة قائمة على مادة أولى وعلى صورة أولى، فكذلك مملكة العقل والمعرفة يجب هي الأخرى أن تَنهض على مادة عقلية أولى واحدة تتجلى في العقل الهيولاني، وصورةٍ أولى هي العقل الفعال. ووجوبُ العقل الهيولاني يأتي، كما أشرنا، من الحاجة إلى المعرفة وإلى التواصل المعرفي بين الناس، بل ومن الحاجة إلى وجود الإنسان بما هو إنسان.
إذن فحتى في نص “شرح كتاب النفس”، نجد نظرية وحدة العقل عبر مفازاتٍ ونقاشات، إلا أننا نجدُها شبهَ كاملة، أما مهمة إخراجها في كمالها الأخير فسيتكفل بها الرشديون اللاتين فيما بعد. وهذه المهمة التي سيقوم بها هؤلاء الرشديون ـ مهمة شرح واستثمار نظرية ابن رشد في وحدة العقل ـ دليلٌ آخر على صحة نسبةِ هذه النظرية لابن رشد، وإلا فما معناها وما معنى الموجات المضادة الكبيرة من النقد الذي وجَّهه أعداءُ الرشدية إليه وللتابعين له بصدد هذه النظرية بالذات. فـ“الرشديون” هم أولئك الذين اتخَذوا من القراءة الرشدية للمتن الأرسطي منهجا وعقيدة لهم، فبَسَطوا فيها القولَ وأخرجوه إخراجا جديدا لكنه غيرُ مغاير في الكُنه للتعاليم والمبادئ والدعاوى الرشدية.
أما بالنسبة لنظرية الاتصال، والتي تم وصفُها بأنها ليست نظرية فلسفية، وإنما هي دخيلة عليها من مجال التصوف، فهذه دعوى ركيكة للغاية، دعوى مَن لم يتمرس بالنصوص الفلسفية. ذلك أن من يتقول بهذا الكلام يبدو أنه لم يقرأ الفصل الخامس من المقالة الثالثة من كتاب النفس لأرسطو، الذي أثار فيه الإشكال الشهير المتعلق بإمكانية اتصال الإنسان بالعقل الفعال، والذي تركه معلقا، إلى أن جاء ابن رشد الذي صَحِبَه أكثرَ من ثلاثين عاما، والذي لم يستطع أن يجيب عنه إلا في أواخر حياته في “رسالة حول اتصال الإنسان بالعقل”. كما أن الذي طرح تلك الفرضية لا يَعلم فيما يبدو بوجود “كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس” الذي يتناول أرسطو فيه نفسَ المسألة تقريبا في المقالة العاشرة، وإن بصيغة أخرى. فمشكلة “الاتصال” هي من صميم نظرية العقل والفعل معا، ومن صميم الفلسفة الإسلامية، فهي موجودة عند جميع الفلاسفة المسلمين، وقد ألفوا فيها رسائل كثيرة من أشهرها رسالة لابن باجة تحمل نفس الاسم (التي لخصها ابن رشد)، والرسالة التي أملاها ابن رشد على أحد أبناءه وهو عبد الله بن محمد بن رشد.
ومن ناحية أخرى، كلُّ مَن على دُربة بصناعة الفلسفة، يَعرف الفرقَ بين نظرية الاتحاد أو الاتصال الصوفية، ونظرية الاتصال الفلسفية: فالاتحاد عند الصوفية بتجلياته المختلفة (عند البسطامي والحلاج وابن عربي وابن عجيبة)، هو تجربة روحية وجدانية قائمة على الرؤيا وخرق العادة والانتماء إلى طريقة أو شيخ يُؤخَذ منه العرفانُ أخذاً، إنها تجربة تطرح على مستوى القلب لا على مستوى العقل، على مستوى الذوق لا على مستوى النظر العلمي، على مستوى العرفان لا على مستوى المعرفة، على مستوى التجربة والحدس لا على مستوى البرهان والدليل. أما تجربة الاتصال الفلسفية فتَشترط الامتلاءَ المعرفي عن طريق ممارسةٍ علميةٍ في مختلف أجناس العِلم، أي تَشترط تحقيقَ العقل النظري تحقيقا كاملا وتعبئة الذات بمعرفة الطبيعة معرفة علمية إلى الحد الذي تصل فيه هذه المعرفة إلى لحظة تنقلب فيه انقلابا نوعيا لتَتَحَوَّلَ إلى تجربة ميتافيزيقية لاتَقصِدُ معرفة عوارض الطبيعة وقوانينِها وأسبابها، بل تَقصد الاتصالَ بمبدأ الوجود نفسِه بإلقاء نظرة ميتافيزيقية عامة على الوجود، لا نظرة قِطاعية إلى هذا العِلم أو ذاك. فالاتصال الفلسفي إذن لايتحقق إلا بالعلم، وليس بالرياضة أو الوَجد أو بالرؤيا والإلهام.
وأخيراً، فإن هذه المناسبة الدولية لإحياء ذكرى وفاة ابن رشد كان يجب بالأحرى أن تكون مناسبة وجودية وجدِّية، مناسبة وقار تستدعي شيئا من المسؤولية وشيئا من المواجهة العميقة للذات بمعناها الأونطولوجي لا بهذه الخفة في الأحكام والسرعة في التعامل مع رموزنا الفكرية بهذه الكيفية.
&الصورة: ما رأيكم في قول زميلكم الأستاذ المرحوم جمال الدين العلوي في بحثه “تطور إشكالية العقل عند ابن رشد، من الفحص الفيلولوجي إلى النظر الفلسفي” المنشور بهذا العدد من مجلتنا: “لقد كانت إشكالية العقل محورَ الرشدية اللاتينية، أو أهمَّ مَحاورها على الأقل، ولكنها لم تكن محورَ العمل الرشدي في لغته الأصلية وبيئته الأولى”، وتمييزه بين مرحلتين مختلفتين في تطور إشكالية العقل عند ابن رشد: المرحلة الأولى “الباجية الإسكندرية”، ثم المرحلة الثانية “الرشدية”؟
p د. المصباحي: تطلبون منّي رأيي في قول المرحوم جمال الدين العلوي بوجود مرحلتين في تطور إشكالية العقل، والحالُ أنني الذي قلتُ بهذا التطور بناءاً على تصريح ابن رشد نفسِه في مراجعته “لجوامع كتاب النفس “، وبناءا على تعقبي الطويل لهذه المسألة في مختلف أعماله التي كتبها في فترات متعاقبة يعرفها الجميع. فمن اطلع على كتابي “إشكالية العقل عند ابن رشد”، سيجد أنني تكلمت عن ثلاث مراحل: أولاها المرحلة التي سميتها “بالمرحلة الإسكندرية” والتي كان يقول فيها بالطبيعة العدمية للعقل المادي؛ لكنه في مرحلة لاحقة من أجل أن ينفلت من مُحالات الجوهر العدمي للعقل، أي من أجل أن يَحُلَّ مشكلَ القوام الأونطولوجي للعقل، التجأ إلى الأطروحة الباجوية القائمةِ على اعتبار الخيال هو المادة أو الموضوع الذي يَحُلُّ فيه العقلُ الهيولاني؛ ولكنه لمّا شعر بالتناقض بين طبيعة العقل اللامادية وطبيعة الخيال المادية، اضطر إلى القول بفكرة “المادة العاقلة” باعتبارها الموضوعَ الذي يَحُلُّ فيه العقلُ الهيولاني. إذن كانت هناك مرحلة شبه إسكندرية، ومرحلة شبه باجية، ومرحلة رشدية؛ بل إننا إذا اعتبرنا كلَّ ما جاء في “تلخيص كتاب النفس” هو لابن رشد حقا، فيمْكن الكلامُ حتى عن مرحلةٍ ثاميسطية (نسبة إلى ثامسطيوس الأفلاطوني المُحْدَث)، لأننا نجده في هذا الكتاب يشير إلى وجود العقلين المادي والفعال داخل النفس العاقلة البشرية.
وظاهرة التحول متواترة عند أبي الوليد وفي مجالات متعددة كالمنطق والطبيعة وما بعد الطبيعة والطب والفلك، حيث نراه يَكون تارة متأثراً بالفارابي أو ابن سينا أو الغزالي أو بطليموس أوجالينوس، وتارة أخرى يتحول نحو هذا الاتجاه أو ذاك وبخاصة نحو أرسطو. غير أن تحولات ابن رشد لم تتجه في الظاهر نحو إبداع تأويل جديد، وإنما كانت ذات وجهة تراجعية، أي أنها تتراجع عن المكتسبات التأويلية التي حققها تاريخ الفكر اليوناني والإسلامي، للعودة بالمفاهيم والدلالات والتحليلات والمناهج إلى أصولها الأرسطية. لكن هذه الحركية تدل من ناحية أخرى على أنه لم يكن واقفا مطمئناً إلى ما يقوله، بل كانت المسألة تبقى حية في ذهنه باستمرار، بحيث كان يؤلف في المسألة الواحدة رسالة أو جامعا أو تلخيصاً ثم يعود إليها مرارا وتكرارا. فالتطور إذن حاصل في نظرية العقل الرشدية وسبق لي أن بيَّنته بنوع من التفصيل في عدة مواضع من كتابي “إشكالية العقل عند ابن رشد”، لكنه يبقى مع ذلك ـ كما قلتُ ـ تطورٌ شارح لا تطورٌ مبدع للنص وما يَلحقه من رؤى ومفاهيم.
أما بالنسبة للشق الأول من السؤال والمتعلق بنفي المركزية عن إشكالية أو نظرية العقل في فكر ابن رشد، فمن الواضح أنه كلام موجَّه إلي، لأنني نوهتُ بهذه المسألة في كتابي المذكور. وهنا لا بد أن أشير أنه من المعروف أن الباحث عندما ينخرط كلية في تعقب المسألة الواحدة أو المفهوم الواحد في متن معيَّن، فإنه قد يجد أن تلك المسألة حاضرة في كل أجزائه. وعندما يسجِّل هذا الباحث أن حضور هذا المفهوم في الأعمال المختلفة للفيلسوف المدروس ليس حضوراً عرَضيا بل حضورا جوهريا، فإنه لا يملك إلا أن يَحكم بجوهريةِ المفهوم في فكر الرجل. وهذا ما جرى بالنسبة لي؛ فقد وجدتُ مسألة العقل حاضرة في كتب ابن رشد النفسية والطبيعية (بما فيها علم الفلك) والطبية والإلهية وكتبه الأصيلة (الفصل والمناهج والتهافت). وهذا الحضور كان بجهات مختلفة، ولكنه كان حضوراً مركزيا. فالعقل عند ابن رشد له علاقة بالوجود، وعلاقة بالأفلاك، وعلاقة بالطبيعة، وعلاقة بالإنسان بما هو إنسان، وعلاقة بالإنسان بما هو جسم… نعم، توجد هناك مراكز اهتمام أخرى، غير أنها متعلقة بالعقل في نهاية الأمر. فمن الممكن أن نتكلم عن الحركة والصورة والفاعل والمحرك الأول باعتبارها مفاهيم مركزية، كما يمكن أن نتكلم عن الوجود والواحد باعتبارهما مبدأين مركزيين في فلسفته، ولكن بما أنني كنت منخرطا من رأسي إلى أخمص قدمي في نظرية العقل، فقد رأيتُ عن حق بأنها مركز فكر ابن رشد. انظرْ إلى مقاصد أيِّ كتاب من كتب ابن رشد، ستجد أن محرك مقالته في الكتاب مسألة العقل: الفصل، المناهج، تهافت التهافت، تفسير وتلخيص وجوامع ما بعد الطبيعة…
إننا نعتقد أن إشكالية العقل ليست محورية فقط بالنسبة لكتاب النفس، بل وكذلك بالنسبة لمعظم كتب ابن رشد؛ ذلك أننا نجد أن اللحظات المشرقة في “تفسير ما بعد الطبيعة” وفي “جوامع ما بعد الطبيعة” هي تلك اللحظات التي يتكلم فيها عن العقل. أما في الكتب المنطقية التي تنظر في أجناس القول أو أجناس الاستدلال ابتداءاً من القول الشعري فالخطابي فالسفسطائي فالجدلي فالبرهاني، فإنها كلها قائمة في عمقها على نظرية العقل. وعليه، فالعقل موجود في طبيعيات ابن رشد وإلهياته وسيكولوجيته. فالنظام أو السببية، سواء تعلقا بالحركة الطبيعية أو بالحركة الاستدلالية أو النفسية، فإنهما يَقومان على مبدأ العقل، أو قل إنهما تجلٍّ من تجلياته. أما الوجود نفسُه فقائم عند ابن رشد على مبدأ الربط، والربط هو سرُّ العقل، أي أن العقل هو عبارة عن ربط المقدمات بالنتائج، أو ربط الموضوع بالمحمول والنتائج بالمقدمات. إذن، فإذا تصفحنا الفلسفة الرشدية من زاوية العقل، سواء في تجليه الأونطولوجي، أو في تجليه الإجرائي المنطقي الإبستمولوجي، أو في تجليه الميتافيزيقي، فإننا سنجده حاضرا في كل مكان كمفهوم مركزي للفلسفة الرشدية. لقد كان العقل، بتجلياته النفسية والمنطقية والميتافيزيقية، رهانَ كل كتاباته. وكما أسلفتُ القول، فإن مركزية العقل في الرشدية العبرية واللاتينية هي أفضلُ دليل على مركزيته في النص العربي لابن رشد، لأنه لولا الرهانات والمقاصد التي تنطوي عليها نظرية العقل لما لفَتَتِ انتباهَهم. أنا لا أفهم ما معنى وجود هذه الرغبة في الفصل بين ما هو لاتيني أو عبري، أي بين ما هو غربي وبين ما هو عربي، أو بين ما هو إسلامي وما هو مسيحي أو يهودي، هل نأبى وننكر على ابن رشد، وبالتالي على الفكر العربي الإسلامي، قدرتَه على العناية بالعقل وتوليتِه مكان الصدارة من اهتمامه؟ هل معنى هذا أن حضارتنا الإسلامية قاصرة على الاهتمام بهذا الموضوع؟ هل معنى الفصل بين ما هو رشدي عربي وما هو رشدي غربي هو إثباتُ أن لا وجود لمركز في الفلسفة الرشدية، أو أن صاحبها غيرُ قادر على أن يجعل من فكرةٍ ما أو إشكال ما محورَ تأملاتِه التي ترافقه طوال بحثه الفلسفي، أي غيرَ قادر على أن يكون فيلسوفاً؟ أم أن الغاية من وراء هذا الكلام إثباتُ مركزيةٍ أخرى في الإنتاج الرشدي؟ وفي هذه الحالة، فإن الكلام الذي قيل على مركزية العقل سينسحب على المركزيات الأخرى. فبإمكاننا مثلاً أن نعترض وبقوة على جعل نظرية البرهان أو نظرية الحركة أو نظرية الوجود أو الواحد أو نظرية التضاد مراكزَ للفكر الرشدي. خلاصة القول، إن نزعة الفصل والتمييز بين ما هو عربي وما هو غير عربي نزعة مضادة تماما للروح الرشدية نفسها.
لمتابعة قراءة الجزء الثالث والأخير أنقر على الرابط أسفله:
رابط الجزء الثالث والأخير من الحوار












